نيتشه في مرآة الفكر الفرنسي على هامش كتاب جاك لوريدير: كيفية استقبال فكر نيتشه في فرنسا من نهاية القرن التاسع عشر إلى الأزمنة الحالية. المطبوعات الجامعية الفرنسية. باريس

هذا الكتاب يتحدث عن نيتشه وكيفية استقبال المثقفين الفرنسيين له منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى اليوم. والمؤلف هو جاك لوريدير الأستاذ في جامعة السوربون وعضو المعهد الجامعي لفرنسا. وهو أحد كبار الاختصاصيين الفرنسيين بالفكر الألماني. وفكرة الكتاب الأساسية تخص مسألة التلاقح الثقافي أو التفاعل الفكري بين ألمانيا وفرنسا من خلال دراسة مفكر واحد. فتأثير نيتشه على القرن العشرين، وعلى الفكر الفرنسي بالأخص، كان قوياً جداً. نيتشه هو أحد الثلاثة أو الأربعة الكبار الذين أثروا في هذا القرن: هيغل، ماركس، نيتشه، فرويد. ويمكن أن نضيف إليهم هيدغر إلى حد كبير. والغريب العجيب هو أن نيتشه حاضر في فرنسا أكثر مما هو حاضر في ألمانيا، بلده الأصلي. فقد تبناه الفرنسيون وتحمسوا له كأنه واحد منهم. ويمكن القول إن انتقال فكر نيتشه إلى الساحة الثقافية الفرنسية مرّ بأربع مراحل متتالية: مرحلة أندريه جيد وبول فاليري في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم مرحلة جورج باتاي بين الثلاثينات والأربعينات من ذلك القرن، ثم مرحلة ازدهار الدراسات النيتشوية على يد فوكو وديلوز ودريدا بعدئذ في الستينات والسبعينات، ثم المرحلة الحالية المضادة لنيتشه وتأثيره والتي تتمثل بالفلاسفة الشباب لوك فيري، آلان رينو، أندريه كونت سبونفيل، الخ… هكذا نلاحظ أن تأثير نيتشه على الفرنسيين قد مر بعدة مراحل وتعرض لعدة تقلبات. فتأثيره يزداد أحياناً ويطغى، وأحياناً ينحسر ويتراجع، أحيانا يمدحونه وأحيانا يذمونه.. وكل ذلك بحسب نوعية الفترة التاريخية وطبقاً لحاجياتها الفكرية، أو همومها الفلسفية… يقول المؤلف منذ بداية كتابه: بعد قرن من انهيار عقل نيتشه عام 1889 ثم موته الجسدي عام 1900 نلاحظ أن عملية النقل الثقافي لفكره إلينا قد أُنجزت واكتملت. فقد تُرجم إلى الفرنسية مرات عديدة، وشُرح ألف مرة من قبل الكتاب الفرنسيين، وأصبح مرجعاً للساحة الأدبية والساحة الفكرية الجامعية في آن معاً. فنيتشه لم يكن مفكرا عميقا جدا فحسب وإنما هو أيضا كاتب كبير ومن أعلى طراز. بل ربما كان أكبر كاتب في اللغة الألمانية إذا ما استثنينا لوثر وغوته وبعض الآخرين.. إن فكر نيتشه حاضر في ثقافتنا بشكل أكبر من مثقفينا الفرنسيين الذين كانوا معاصرين له. لقد أصبحنا نألفه ونحبه ونقرؤه أكثر من هيبوليت تين وارنست رينان… فهل أصبح نيتشه فرنسياً أكثر من الفرنسيين؟ وكيف استطاع أن يؤثر على الثقافة الفرنسية إلى هذا الحد؟ ربما كان إعجاب نيتشه بالثقافة الفرنسية واستشهاده بالمفكرين الفرنسيين في أحيان كثيرة هو أحد الأسباب. ففكره ذو استلهام فرنسي واضح، وهو يعيد الفرنسيين إلى أنفسهم ولكن دون أن يستطيعوا القول: هذي بضاعتنا ردت إلينا. ففكره يظل ألمانياً محضا ومتجذراً في العمق الثقافي الألماني. يضاف إلى ذلك جمال أسلوبه. نيتشه هو أحد كبار الكتاب في اللغة الألمانية على مر العصور. ويقال إن الكتاب الألمان تعقدوا بعده فلم يعودوا يعرفون كيف يكتبون ولا بأي أسلوب.. يحصل ذلك كما لو أنه استنفد كل الإمكانيات الجمالية البلاغية أو الشحنات الشعرية للغة الألمانية. صحيح أن نيتشه فيلسوف كبير وعميق، ولكنه في ذات الوقت شاعر مهم يسحرك غصباً عنك بجمال أسلوبه. ويكفي أن نقارن بينه وبين كانط ذي الأسلوب الوعر الجاف والخالي من كل شاعرية في معظم الأحيان كي نتأكد من ذلك. وبما أن الفرنسيين، كالعرب، مولعون بسحر البيان فإنهم لم يستطيعوا مقاومة السحر المغناطيسي لهذا الأسلوب البركاني المتفجر، فمن لم يطلع على الزلزلة الفكرية النيتشوية فاته الشيء الكثير.. فقد تختلف مع نيتشه في الكثير من أفكاره ومقولاته، ولكنك لا تستطيع أن تفلت من جاذبية أسلوبه. ويحصل لي أحياناً عندما أقرؤه في الترجمة الفرنسية أن أهتز طرباً، وأن أقوم وأقعد، وأنا أتساءل بكل دهشة واستغراب: إذا كان أسلوبه في الترجمة الفرنسية في مثل هذه القوة، فما بالك بالنص الألماني؟!
ولكن هل إن نيتشه الفرنسي هو نفسه نيتشه الألماني ؟ يرى المؤلف أن هناك تمايزاً واضحاً بينهما. ولا ينبغي أن يدهشنا ذلك كثيراً. فالمؤلف عندما ينتقل من لغة إلى لغة أخرى، أو من بيئة ثقافية إلى بيئة ثقافية أخرى تطرأ عليه بعض المتغيرات والتحويرات ويصبح كأنه شخص آخر. من يستطيع أن يقول إن سارتر العربي هو نفسه سارتر الفرنسي؟ من يستطيع أن يقول إن ماركس المعرب هو نفسه ماركس الأصلي الألماني؟ من يجرؤ على ذلك؟ صحيح أن مسألة الترجمة ومدى دقتها وأمانتها تُطْرَح هنا، ولكن ينبغي التفريق فوراً بين وضع الترجمة في فرنسا ووضعها في البلدان العربية. فالمقارنة غير واردة للأسف الشديد، وهي إذا ما تمت فلن تكون لصالحنا على الإطلاق. في فرنسا ترجمت كتب نيتشه كما قلنا أكثر من مرة. وأشرف على ترجمتها اختصاصيون كبار. وإذا لم تعجبك ترجمة ما فإنك تستطيع أن تذهب إلى ترجمة أخرى، وأن تكمل نواقص هذه بميزات تلك. وبالتالي فبإمكانك أن تتوصل إلى نيتشه الحقيقي، أي الألماني، من خلال اللغة الفرنسية وحدها. ولكن يصعب عليك أن تتوصل إلى سارتر أو ماركس أو كانط أو هيغل الخ..من خلال اللغة العربية وحدها. من هنا ضرورة إتقان لغة أجنبية حديثة بالنسبة للمثقف العربي وإلا فانه يظل أميا تقريبا..لماذا؟ لأنه لا توجد عندنا في العالم العربي في غالب الأحيان إلا ترجمة واحدة للمفكرين الكبار هذا إذا ما وجدت.. وكثيراً ما تكون رديئة أو غير موثوقة. هنا يكمن الفرق بين ساحة ثقافية ديناميكية متقدمة كالساحة الفرنسية أو الألمانية، وساحة ثقافية متأخرة كسولة مستسلمة للمقادير كالساحة العربية. أرجو ألا يزعج كلامي هذا بعضهم أكثر مما ينبغي فالحقيقة جارحة أحياناً. ولكن من المؤسف جداً أن نقول بأننا لا نمتلك أي ترجمة موثوقة عن أي مفكر كبير من حجم: كانط، أو هيغل، أو فرويد، أو نيتشه، أو ماركس، أو عشرات غيرهم. مرة أخرى نعود إلى المشكلة العويصة التي تهدد الثقافة العربية بمجملها: أقصد تأسيس مراكز البحوث والترجمات أو عدم تأسيسها من أجل نقل كل الفكر الحديث إلى لغتنا العربية بشكل دقيق واضح موثوق ومضمون.
لكن لنعد إلى نيتشه، ولنترك هموم الثقافة العربية إلى وقت آخر.. ولنطرح هذا السؤال: ماذا كان رأي نيتشه نفسه في الثقافة الفرنسية؟ يقول بالحرف الواحد في كتابه المشهور “فيما وراء الخير والشر”: حتى اليوم لا تزال فرنسا هي مركز الحضارة الأوروبية الأكثر روحانيةً وظرفاًً ورقياً. كما أنها المدرسة الكبرى للذوق”. وماذا يقول عن بودلير بالذات، إذ يبدو أنه اطلع عليه، يقول بالحرف الواحد أيضاً: “وأما فيما يخص هذا المتشائم بودلير، فإنه يشكل أحد الحيوانات المائية التي لا تكاد تصدق، والتي هي ألمانية بقدر ما هي باريسية. أقصد بذلك أن شعره يمتلك شيئاً ما ندعوه في ألمانيا بـ”الروح” أو بـ”التناغم”، أو أحياناً بـ”السأم والضجر والملل”. وكما أنه كان في وقته الرائد الأول والمحامي الذي يدافع عن رسام الرومانطيقية “دولاكروا”، فإنه ربما كان سيصبح اليوم أول مؤيد لفاغنر في باريس. يوجد الكثير من فاغنر في بودلير”… ثم يقول نيتشه متسائلاً بأسلوبه “المنرفز” والرائع: من كان مهيأً حتى الآن أكثر لملاقاة فاغنر.. لفهمه؟ من كان فاغنرياً بشكل حميمي وطبيعي وحقيقي؟ إنه ذلك الشخص الغريب الأطوار، والثلاثة أرباع المجنون: قصدت بودلير، صاحب “أزهار الشر”… (كلمة مجنون هنا ليست سلبية على الإطلاق، بل هي تعني تحت قلم نيتشه ذروة المدح).
لا نستطيع أن نستعرض هنا كل المراحل التي أثر فيها فكر نيتشه على فرنسا. ولكننا سوف نتوقف عند بعضها، أو بالأحرى عند المعركة التي دارت حوله بين هابرماس وفلاسفة فرنسا المعجبين بنيتشه إلى حد الهوس (فوكو، ديلوز، دريدا…). من المعلوم أن بعضهم كان قد ربط بين فكر نيتشه وبين النازية بناء على بعض المظاهر السطحية التي لا تصمد أمام الامتحان. فيقال مثلاً إن هتلر كان كلما استيقظ صباحاً قرأ صفحة من كتب نيتشه… وهذا شيء مستغرب جداً، وحتى لو حصل، فليس مؤكداً بأن هتلر كان قادراً على فهم فكر نيتشه… صحيح أن زعيم النازية حاول استخدام فكر نيتشه كتبرير إيديولوجي لسياسته الرعناء والإجرامية الهوجاء. وصحيح أنه زار بيته والتقى بأخته التي أهدته عصا الفيلسوف بعد أن انحنى أمام تمثاله. وصحيح أنه أهدى موسوليني الأعمال الكاملة لنيتشه عندما التقى به لأول مرة.. ولكن ماذا يعني كل ذلك؟ نيتشه كان قد مات منذ زمن بعيد ولا يستطيع أن يمنع ديكتاتوراً مستبداً من أن يسطو على تراثه وفكره. هتلر الذي سطا على كل ألمانيا، هل كان عاجزا عن السطو على شهرة نيتشه واستغلالها لصالحه؟.. مهما يكن من أمر فإن هذه النقطة قد لوّثت فكر نيتشه إلى حد كبير، وأصبح المثقفون الألمان بعد الحرب العالمية الثانية يتحاشونه، ومن بينهم هابرماس بالطبع. فعقدة النازية موجودة لدى كل المثقفين الألمان المعاصرين، ولكنها ليست موجودة لدى المثقفين الفرنسيين. وبالتالي يستطيع فوكو أو ديلوز أو حتى دريدا اليهودي الأصل أن يعبروا عن إعجابهم بنيتشه وأن يعلنوا ذلك على الملأ دون أن يشعروا بأي حرج على عكس هابرماس وبقية مثقفي الألمان الذين ترعبهم تهمة التواطؤ مع النازية. ولهذا السبب فإنهم يهاجمون نيتشه وهيدغر أكثر من اللزوم وأحيانا دون سبب دفعا لهذه التهمة الشائنة عن أنفسهم. . هنا تكمن نقطة الاختلاف الأساسية في تقييم نيتشه بين مثقفي الألمان ومثقفي الفرنسيين. فلكل ساحة ثقافية خصوصياتها وحيثياتها، أو همومها ومشاكلها. ولهذا السبب هاجم هابرماس بقسوة فلاسفة فرنسا المعجبين بنيتشه في كتابه الكبير المعروف: الخطاب الفلسفي للحداثة. من المعلوم أن هابرماس يعتبر نيتشه المسؤول الأول عن نقد الحداثة الغربية ومحأولة تدميرها بسبب هيجانه ولاعقلانيته. كما يعتبر أن جميع فلاسفة ما بعد الحداثة كفوكو، وديلوز، ودريدا، وجان فرانسوا ليوتار، قد خرجوا من معطفه. وبالتالي فنيتشه هو أول فلاسفة ما بعد الحداثة وليس جان فرانسوا ليوتار أو فوكو أو دريدا.. ولذا يحاول هابرماس محاربة تأثيرهم على الفكر الأوروبي وربما العالمي. وهذا ما حصل. وقد انتصر عليهم مؤخراً. يقول أحد الشارحين: إن هابرماس يعرض نيتشه وكأنه المؤسس لهرطقة فلسفية. كيف؟ من المعلوم أن هيغل كان يقول:  كل ما هو واقعي عقلاني بمعنى أنه يمتلك سببيته ومبرراته وإلا لما وجد. وأما نيتشه فينقض كلام سلفه الأكبر هيغل بالقول إنه ينبغي أن ندين الواقعي بالضبط لأنه عقلاني!..وهكذا يخرج على العقلانية التي أسسها هيغل بعد بذل جهود جبارة، بل ويحاول تحطيمها. وهذا ما يزعج هابرماس أيما إزعاج. ولذا فإنه يعتبر هذا الموقف مشاغباً وعبثياً. لماذا؟ لأنك لا تستطيع أن تنتقد العقل باسم شيء آخر غير العقل نفسه. نيتشه يريد أن ينتقد العقل باسم الجنون، أو السُّكْر، أو الشعر: أي باسم ديونيسوس. ومعلوم أن ديونيسوس هو زعيم الأسطورة اليونانية الدالة على كل ذلك. انه اله الخمر والنشوة والسكر.. وقد استخدمه نيتشه لنقد العقلانية السقراطية وإحلاله بديلاً عنها. وربما كانت هذه النقطة هي التي دفعت بعضهم إلى الربط بين فكر نيتشه وجنون هتلر. ولكن لا يمكن أن نختزل فكر نيتشه إلى ذلك فحسب. فهو متعدد الجوانب والأبعاد. وهو يأسف لأن أفلاطون طرد الشعراء من جمهوريته ولأن الأسطورة انفصلت عن العقل بدءا من سقراط. فقبل ذلك كان العالم اليوناني يعيش حالة انسجام رائعة بين الشعر والفلسفة أو بين الأسطورة والعقل. قبل ذلك كان الإنسان موحدا فانقسم على نفسه وابتدأ الوعي الشقي..بعدئذ لم نعرف الراحة لأن عقلنا أصبح في جهة وقلبنا في جهة أخرى. لهذا السبب عاد نيتشه في كتابه العبقري “ولادة التراجيديا” إلى مرحلة الفلاسفة ما قبل السقراطيين كهيراقليطس وسواه. ولهذا السبب أيضا فإنه يصب جام غضبه على سقراط وتلميذه أفلاطون بشكل مسعور أحيانا. مهما يكن من أمر فإن هابرماس نصَّب نفسه مدافعا عن تراث العقلانية الغربية المتمثلة بفكر كانط وهيغل وفلسفة التنوير بشكل عام، مع نقدها وتصحيح انحرافاتها وتكملتها بطبيعة الحال. وهي الفلسفة التي تعتبر بشكل ما استمرارية للعقلانية اليونانية المتمثلة بالثلاثة الكبار: سقراط، أفلاطون، أرسطو. وبالتالي كان لا بد أن يصطدم هابرماس الذي لا يريد للتجربة الهيجانية النازية أن تتكرر بفلاسفة الفرنسيين الذين لا يحلفون إلا باسم بنيتشه، والذين لا همَّ لهم إلا تفكيك العقلانية والميتافيزيقيا الغربية. هنا تكمن أكبر مناقشة فلسفية تجري في الغرب حالياً بين خصوم نيتشه / وأصدقاء نيتشه، أو بين العقلانيين / واللاعقلانيين، أو بين الكانطيين / والنيتشويين. ورهان هذه المناقشة هو: تقييم ميراث الحداثة الغربية. ماذا نأخذ منه أو ما الذي نبقي عليه، وماذا ندع؟… كيف يمكن أن نغربل الحداثة، فنبقي على إيجابياتها، ونطرح سلبياتها أو تطرفاتها أو موضاتها أو صرعاتها؟…
في عام 1991 قام بعض الفلاسفة الشباب في باريس بانقلاب على نيتشه وتلامذته الفرنسيين من أمثال فوكو، وديلوز، ودريدا، الخ… وقد أصدروا كتاباً جماعياً بعنوان: لماذا نحن لسنا نيتشويين؟ وكان مما جاء في مقدمته: نحن ننتمي إلى جيل الطلاب الذين درسوا الفكر والفلسفة في الستينات. وكان أساتذتنا آنذاك هم أقطاب الفكر المسيطرون على الساحة من نوع فوكو، ديلوز، دريدا، ألتوسير، لاكان. وكانوا يقولون ما معناه: إن مثال فلسفة التنوير ليس إلا خدعة رديئة، أو أسطورة سوداء. وأما مؤيدو الفلسفة الإنسانية والعقلانية من أمثال موريس ميرلوبونتي فكان قد أصبح شاحباً، أو قديماً بالياً. وقل الأمر ذاته عن سارتر الذي انصرف معظمنا عن قراءته بعد أن أصبح مكرسا أكثر من اللزوم. ولم يعد في الساحة إلا فلاسفة الشك والارتياب: أي ماركس، فرويد، هيدغر، ثم بالطبع نيتشه. هذه هي المرجعيات الفكرية التي كانت مسيطرة على الجامعات الفرنسية آنذاك. ماذا تعني فلسفة الشك والارتياب التي تبناها فوكو ودريدا وديلوز على أثر نيتشه؟ إنها تعني عدم الثقة ببراءة أي شخص أو أي نص. فهي عندما تقف أمام نص لا تتساءل: ما معنى هذا النص؟ ما مضمونه؟ ما محتواه؟ وإنما تتساءل: من الذي كتب هذا النص؟ ولماذا كتبه؟ وما هي مصلحته الشخصية في ذلك؟ وما هي الدوافع الخلفية التي دفعته إلى كتابته؟ وهكذا لا يعود هناك أي مجال للفكر الموضوعي في مثل هذا الجو المحموم من الارتيابات والشكوك. عندئذ يصبح كل شيء مشبوها ونقضي العمر كله في تفكيك النصوص الفلسفية السابقة دون أن نفكر في بناء فلسفة جديدة قائمة على الإيجاب لا على السلب، أو على التعمير لا التدمير..ثم يردف هؤلاء الفلاسفة الشباب قائلين: لا ينبغي على الفلسفة الحديثة أن تقضي كل عمرها في تفكيك ما سبق وإنما ينبغي أن تعيد الصلة بتراثها العقلاني المشروع والشرعي: أي التراث الضخم للتنوير وكانط وهيغل وكل أتباعهما. لقد مللنا من تفكيكه وتحطيمه على يد فلاسفة ما بعد الحداثة العدميين والنيتشويين الفوضويين. لا ينبغي أن نخجل من هذا التراث العقلاني الكبير بعد اليوم على الإطلاق. لماذا؟ لأنه هو الذي صنع الحضارة الأوروبية الحديثة التي يمكن القول بأنها أعظم الحضارات التي ظهرت على وجه الأرض حتى الآن أيا تكن نواقصها وعيوبها. فهي وحدها التي تسمح بحرية التفكير والتعبير والنقد بلا حدود. وهي وحدها التي قضت على الأصولية الدينية ومحاكم التفتيش وأسست التسامح والحريات الديمقراطية التي ننعم بها حاليا على عكس معظم شعوب الأرض تقريبا. لا ريب في أن التفكيك، أي تفكيك التراث المتراكم للحداثة بعد أن انحرف عن مقاصده النبيلة إبان المرحلة الاستعمارية، كان ضروريا بل وتحريريا ولكنه أكل وقته كما يقال ولا نستطيع الاكتفاء به أو التوقف عنده. وإنما ينبغي أن نذهب إلى ما بعده. لقد آن الأوان للانتقال إلى فلسفة جديدة تتجاوز نيتشه ومرحلته وأتباعه وكل نقاد الحداثة والناعين عليها. وهؤلاء الفلاسفة الشباب الذين يدافعون عن ميراث التنوير كلهم من أتباع هابرماس: أي ذلك الفيلسوف الألماني الذي يرفع حاليا راية العقل والعقلانية في الغرب والذي يريد محاربة التيارات العدمية والفوضوية التي تهدد أكثر مكتسبات الحداثة ايجابية ونفعا وبقاء.وفي طليعتها دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية بطبيعة الحال. فلا أحد يعرف معنى القانون وأهميته إلا إذا عاش في مجتمعات الغاب والذئاب حيث حكم التعسف والاعتباط والاستبداد والمحسوبية والرشاوى والفساد الإداري واللاقانون..وبالتالي فعلى مهلكم يا فلاسفة ما بعد الحداثة! إياكم ثم إياكم أن تدمروا مكتسبات الحداثة التي لم تتحقق على أرض الواقع إلا بعد أن ضحت من أجلها أجيال وأجيال على مدار ثلاثمائة سنة متواصلة وبعد أن خضبت شوارع باريس وبقية العواصم الأوروبية بالدم مرات ومرات..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This