فساد الصورة في شعر باسط بن حسن

الفساد زوال الصّورة عن المادّة بعد أن كانت حاصلة

تعريفات الجرجاني

يقال: ما الفساد؟ الجواب: خروج الشّيء من الفعل إلى القوّة

التّوحيدي: المقابسات، المقابسة91.

***

لعلّه آن أوان العزوف عن كلّ الرّواسم الّتي رافقت لفظ الحداثة كلّما رمنا التّعريف بها، واقتصرنا على اعتبارها مثل ميشونيك مجرّد معركة رهانها الذّات قبل كلّ شيء ([1])، هذا إذا لم نخلط بين الذّات والفرد، أو على الأقلّ راجعنا تعريفنا للفرد واعتبرناه فردا مقطّعا مزدوجا لا ذاك الفرد الّذي لا يقبل أن ينقسم ([2])، وسلّمنا أيضا بأنّ الفرديّة ليست هي المقوّم الأوحد للفرد وإنّما فرادته، أو الفريد فيه. وإذا كان الفريد هو فقط ما يتكرّر مادام لا يقبل أن يعاد ابتداؤه ولا ابتداعه، فلأنّ سبيله ليست سبيل العامّ الّذي يمكن انطلاقا منه أن نبدل اسما باسم ونعوّض لفظا بلفظ. فالمبادلة والتّعويض يعبّران عن وجهة نظر العامّ، بينما التّكرار يخصّ كلّ فرادة لا تقبل التّبادل والتّعويض. فأن نكرّر هو أن نتصرّف تجاه شيء مّا، وننظر إليه على أنّه وحيد أوحد لا مثيل له، وفريد لا كفؤ له. فإذا كان بالإمكان أن نبدل علامة [ماء] بعلامة [H2O] أو بعلامة أخرى مثل [أساس الحياة]… فإنّ قصيدة الهدهد لمحمود درويش، لا يمكن أن تعوّض بـالجداريّة، ولا أن تبادل بـقفا نبك. ولعلّه لأجل ذلك كان الشّعر يروى، ويحفظ عن ظهر قلب، ويعارض ويسرق ([3])، لأنّ تعويض ألفاظه بألفاظ أخرى يفضي إلى إنشاء نصّ آخر، ومبادلة علاماته بعلامات لغة أخرى في مثال التّرجمة يُبْطل ” ذلك المعجز ” الّذي تصوّره الجاحظ كامنا في الوزن. فبحر الطّويل لا يمكن على أيّة حال أن يبدل بالبحر الإسكندريّ ، فضلا عن إيقاعه الّذي لا يمكن للغة أخرى أن تأتي عليه، أو أن تؤدّيه وتوفّيَه حقّه.

إذا سلّمنا بهذا التّصوّر للفريد أدركنا أبعاد قول Meschonnic وهو يحاول التّعريف بالحداثة: “ولقد أدركت وأنا أريد أن أعلم ما هي الحداثة أنّها الذّات الّتي فينا، أي النّقطة الأشدّ ضعفا الّتي تشدّ الفنّ والأدب والمجتمع جميعا. في إجراءاتها ومفاهيمها. هي النّقطة الأشدّ ضعفا لأنّها لم تفهم داخل العلامة ” ([4]). فالذّات لا يمكن أن تفهم داخل منطق العلامة القائم على المبادلة والتّعويض ولا أن تقاس عليها أبدا. فإن كان بالإمكان أن نعوّض توأما بتوأمه الآخر فإنّه من المستحيل أن نجعلهما يتبادلان الرّوح. فالعلامة لا تتكرّر وإنّما تعوّض وتبادل فقط ([5]). وربّما لأجل ذلك تعذّر طرق الفنون داخل العلامة ممّا يجيز لنا فهم الشّعر، معنى ودلالة، خارج منطق العلامة، أي من منظور التّكرار، ومن زاوية التّدلال signifiance. ويفضي ذلك حتما إلى أن نعتبر الشّعر (وسائر الفنون) المجال الّّذي لا يمكن أن نتعرّف فيه إلى شيء، مادام التّعرّف يجري دائما بتعويض شيء بشيء آخر يكافئه أو يشبهه. فمجال الشّعر هو مجال الفساد، وهو لفظ يطلق من المنظور الفلسفي ” بالجملة على الحادثة الّتي يبلغ فيها تغيّر الشّيء درجة تمنع من تسميته بالاسم نفسه” ([6]). ولكنّنا لا نريد طرق هذا المفهوم من هذا المنظور لأنّنا نفهم الفساد بالمعنى التّشكيليّ والمتحرّك الّذي لا يستقرّ لأنّه من قبيل اللاّمتقرّرl’indécidable ، خصوصا إن ارتبط بالصّورة، حين تصبح بلا هيئة، أو تفقد هيئتها وتغدو قابلة للفساد. ففي قصيدة ” تعود الأشياء ” يقول باسط بن حسن في مفتتحها: « لن تعود الأشياء على ما كانت عليه

أو تعود الأشياء

أقلّ إدهاشا»

وفتنة ” (الصّباح لا يبادلنا جواهره، ص35).

ثمّ يضيف وهو يحاول تشكيل صورة السّاعة المترهّلة الّتي تذكّرنا بصور السّاعة المتراخية في لوحة سلفادور دالي الشّهيرة ( تفكيك ثبات الذّاكرة) ” La désintégration de la persistance de la mémoire (1952-1954) “:

« ستتضخّم ضحكة السّاعة المترهّلة

حتّى تغطّي قرقعتها صدى قبلات العشّاق في الشّارع

تحت زخّات المطر وأنين المجاري

أو لن تتضخّم أبدا

تتلاشى ببطء وتحلّق فوق قبلات العشّاق وأرواحهم الّتي

تضيء كحشرات بائسة. » (الصّباح لا يبادلنا جواهره، ص35).

ولم نقصد من خلال صورة السّاعة المترهّلة أن نقلّص من معنى الفساد دلاليّا ونحصره في عمل العنف السّلبيّ المدمّر، كأن نجعل الأشياء نكرة بفقدانها لبعض سماتها المميّزة، أو خصالها الأولى الّتي كانت تُعرف بها وتيسّر لنا التّعرّف إليها، ولا أن نجعل من الفساد عملا من أعمال التّمثيل (من المُثْلَة) بالصّورة والتّنكيل يرمي إلى محوها أو تشويهها. فما تقترحه الكتابات الشّعريّة الحديثة هو أن تنشئ من فساد الصّورة قوّة خلق تربك الأشكال الجامدة للمعنى فتحييها وتنعشها. ونعني بالإرباك ارتباك الصّور المنعكسة في المرآة حتّى يزول وهم التّعرّف النّرجسيّ إلى الأنا بواسطة الأنا، فتنفتح على ما يتجاوزها، أي على ذاك الّذي لا يسمّى ، واللاّبشريّ فينا، وذاك الّذي لا يمتلك الحقيقة والعدالة والحقّ. وباختصار، تنفتح على المشهد الآخر القابع خلف كلّ مرآة، حيث لا يتعرّف الإنسان إلى نفسه كلّما حاول التّعرّف إليها. ولا ينبغي أن نفهم من عبارة اللاّبشريّ كائنا همجيّا بربريا متوحّشا، فهذه صور العدوّ مافتئت الأديان والثّقافات تتفنّن في صنعها لإنشاء “الهويّات القاتلة”، وإنّما نعني باللاّبشريّ، الّذي لا يسمّى، كلّ ما لم يتشكّل في صورة، وهو يقتضي حتّى يغدو قابلا كلّ صورة التّخلّص من الأشكال المتجمّدة، وتفكيك النّماذج المتصنّمة ونقلها خارج كلّ مثال سابق ([7]). ولعلّ هذا ما يحاول القيام به طائفة من شعراء حداثتنا الشّعريّة ([8]). فما يقترحونه في كتاباتهم هو أن لا يكون شعرهم ترسيخا لصور العالم الّتي يفرضها الحسّ المشترك، وبواسطتها يمكن للإنسان الحديث أن يتعرّف فيها إلى صورته، وهويّته، وإنّما أن يكون شعرهم تفجيرا لأطر الفهم السّائدة بإعادة خلق شروط أخرى للفهم. هذه الشّروط تخلقها الصّورة أو نوع مخصوص من الصّور لا ينشأ إلاّ بفساد الصّور وخلقها من جديد بالشّعر وفي الشّعر.

لنتأمّل قليلا في هذا المقطع من قصيدة ” سيرة ذاتيّة “:

«الألمُ/ اللّذّةُ/ الهواء/ رُفْقتي الوحيدةُ/ حين تقرعُ بابي سحابةُ الذّكْرى/ وتَضيعُ في مفارق عُمُري/ مفاتيحُ الخلاء/ الألمُ/ اللّذّةُ/ الهواء/ في كتب الأشعار/ والأسفار الرّثّة/ ألتقي أحيانا بطفولتي/ مشرّحةً على حصى الأزقّة/وفصولِ الغبارِ/ أو في حلمٍ بسيطٍ/ يندلق من طبقِ حِساء/ كثيرا ما أتجاهل طفولتي/ المغرورة/ كأن أتلاعب بالحروف/ أو أخنِق سرابَ الورقات …. يا لشقائي/ لقد وهبت نفسي لشيخوخة/ طائشة/ يا لَيَأْْسِي/ أترشّف سُمَّ سلالتي/ من أقداح الوَجَلِ/ ومن شفاه الزُّهور/ الجحيميَّةِ/ يقطِّعُني السُّمُّ/ ويحرقني/ فأرسُمُ مشاهد مُمِلَّةً/لخلاصٍ أخيرٍ» (عطر واحد للموتى، ص.ص7-9).

من الشّيّق أن يكون القصيد الأوّل من أعمال باسط بن حسن الشّعريّة تدشينا لمساءلة جذريّة عن أشكال الحقيقة والمعنى. ولكنّها مساءلة مافتئت تحتدّ قسوتها وتقوى قساوتها كلّما تقدّمنا في قراءة نصوص هذه التّجربة وأوغلنا في كونها الرّهيب. فالعنوان التّدشينيّ ” سيرة ذاتيّة ” من مجموعته البكر ” عطر واحد للموتى ” يحيل على نوع من الكتابة السّرديّة قائم على وَهْمٍ يسمّيه بورديو Bourdieu في بعض مقالاته بـالوهم البيوغرافي l’illusion biographique ([9]). وهذا الوهم متغلغل في الحسّ المشترك من خلال اللّغة العادية، أو لغة التّداول اليوميّ الّتي تتصوّر الحياة مثل طريق أو سفر أو سباق أو مسيرة أو مسار له اتّجاه. فالحياة في هذا التّصوّر مجموعة من الأحداث الحبلى بالمعنى، ولكنّه ليس بالمعنى الكامن في الأحداث ذاتها، وإنّما في انسجامها الّذي تصنعه القصّة. فالحياة بدون وساطة القصّة خالية من كلّ معنى، بما أنّها في الأصل متقطّعة ومتشكّلة من أحداث متجاورة بلا منطق، وكلّ جزء منها فريد ينجم على نحو عشوائيّ غير متوقّع.

هذا الوهم البيوغرافيّ سرعان ما تهافت في قصيدة ” سيرة ذاتيّة “، لأنّ فنّ السّيرة الذّاتيّة يمثّل في حدّ ذاته شكلا من الأشكال الّتي تتغذّى منها صورة كلّ هويّة متماسكة. وهي أيضا الصّورة الّتي تيسّر للفرد أن يتعرّف فيها إلى نفسه بنفسه، تعرّفا يمكّنه من تسريد هويّته أو يجعلها قابلة لأن تتسرّد. وحين يُجْرى هذا الفنّ في مجال الشّعر يُضحي التّشكيل السّرديّ لهويّة متماسكة مستحيلا، لأنّ الكتابة الشّعريّة تُضعف كلّ الخصائص السّرديّة، فتُنشئ من ذلك الوهن السّرديّ صورة هويّة قد فقدت بفسادها تماسكها السّرديّ، ولكنّها ابتدعت في الآن نفسه تخييلا ما فتئ ينتشر في بعض أشعار الحداثة بعد أن اكتسح الرّواية الجديدة، ونعني تخييل خسران الهويّة بتنويعاته المختلفة. فمنذ الأزمنة الحديثة أصبح الإنسان عصيّا يعسر التّعرّف إليه لأنّ الأشكال التّقليديّة الّتي كانت تصنع هويّته السّرديّة كالملحمة والسّيرة والأسطورة والخرافة والحكاية … قد أَفِلَت بدورها ([10]). فـ” في أيّ التّجاويف /أعيدُ صياغةَ حكايتي” (مذبحة، عطر واحد للموتى، ص26) يتساءل الشّاعر؟ بل بأيّ معنى يكتب عن الحياة إذا كان قد نذرها للموت؟ هل يترجم هذا النّذر شوق العودة إلى البيولوجيّ بعد زوال الوهم البيوغرافيّ ([11]) ؟ بل ألا يمثّل هذا الوهم هاهنا الوظيفة الرّمزيّة الّتي بخسرانها تفقد كلّ ذات تماسكها على نحو يشهد على هوله كلّ انفصام؟ أم أنّ زوال هذا الوهم يترجم أمرا آخر هو انتهاك هذه الوظيفة الرّمزيّة حين يقحم الشّاعر في نصّه عناصر لا-اجتماعيّة asociale تعصف بالدّلالات الاجتماعيّة المعهودة عصفا لم تتهيّأ الأنساق الرّمزيّة لالتقاطها كصورة مصاحبة الموت أو مراقصة الحشرجات. يقول في مرثيّة ثالثة من قصيدة مراثٍ:

” آهِ صُحبةَ الموتِ/ العَتَمة أصْبَحتْ أكثَر إلْحاحا. الإيقاعُ الخَانِقُ/ المُرْعِبُ يُجَرْجِرُنِي إلى قُدَّاس الحَيَاة. أنا الدَّابَّةُ/ الشّيطانيَّةُ/ أُهَرِّبُ ضُلُوعِي إِلَى الدَّهَالِيزِ وأَنْزَوِي في الحَرَكَةِ/ الضَّائِعَة/ أنا الدَّابَّةُ المُزْعِجَةُ أَرْسُمُ شَمْسِي على أفخاذِ/ الخنازِيرِ، أُخْرِجُ لِسَانِي للنَّزِيفِ. أَهَبُ عُمْرِي/ للَّعْنَةِ. وأَرْقُصُ مع الحَشْرَجَاتِ ” (مراث، عطر واحد للموتى، ص36).

لا تترجم هذه العناصر اللاّ-اجتماعيّة في أشعار باسط بن حسن تخييل خسران الهويّة فحسب وإنّما تجسّم في الآن نفسه استحالة كتابة سيرة ذاتيّة مازال يسكنها الوهم البيوغرافيّ أو متشكّلة على نحو سرديّ مادامت الأشكال السّرديّة على اختلاف أنواعها لا تنشئ سوى هويّات سرديّة محكومة بالمنطق الهوّيّ. وهو منطق لا يبيح إلاّ الصّور الّتي تحظى بإجماع الأمّة ورضاها طالما ظلّت تحيل على النّماذج المعترف بها في تشييد الهويّات الفرديّة والجماعيّة ([12]). فهذه الصّور تحفظ ما يسمّى باحترام الأنا لذاته وتساهم في تشييد روابط المجتمع وترعى أشكال ” العيش معا ـ ” وتمكّن الذّات من التّعرّف إلى نفسها من خلال الأشكال (السّرديّة) نفسها وعلامات الانتماء ذاتها. فالصّورة هي بطبعها تجمّعيّة وتجميعيّة. ففيها تنعكس تأثيرات الجماعة والمحافظة والشّبه الّّذي يجعلنا نرى صورتنا دوما شبيهة بالآخر ([13]).

ولعلّ استحالة كتابة هذه السّيرة الذّاتيّة بالسّرد يردّ إلى أنّ مفهوم الشّخص، حجر الزّاوية في كلّ سيرة، وقطب الرّحى في كلّ قصّة، قد دبّ فيه الفساد وانتشر كالعدوى في كامل الأشعار حتّى غدا من العسير جدّا أن نتحدّث عن شخص يمتلك صورة يمكن التّعرّف بواسطتها إليه. فصورة الشّخص عند باسط بن حسن، سواء أكانت صورة الأنا أم صورة الآخر، لا تمثّل مفهوم الشّخص المتعارف عليه ([14])، أي ذلك الماثل القائم المنتصب، وإنّما هي تمثيل بهذه الصّورة تمثيلا لا يقصد منه التّنكيل والمُثْلَةُ بقدر ما يتوق إلى إعادة خلقها خلقا لا يتوقّف مادامت الأشكال الّتي تتقلّب فيها إنّما هي أشكال مؤقّتة وهشّة.

لنتأمّل في بعض صور الجسد وما رُسم عليه من آثار القساوة والخلق العنيف. يقول الشّاعر وهو يستقبل خلاصه تارة بالخروج من الجحيم:

” أَخْرُجُ/ الجَحِيمُ ورائي/ لا أَلْتّفِتُ إلى الأجساد/ النَّائحة/ سياطُ الجَمْرِ المرْسُومَةُ في لحمي/ يَخْبُو سعيرُها/ وعلى جبهتي أستقبلُ نَدى/ الخلاص” (أبعد من الحضيض، ص14)،

وطورا يستقبله بالخروج من مملكة الله:

” يا الله/ أَخْرُجُ من مملكتِكَ/ هاربا من عدمك المتوهّجِ/ في رمادِ الإيمانِ/ أُمزِّقُ وشم ذاكرَتِكَ/ في جسدي/ ببراعةِ حرٍّ أسلخُ جِلْدِي/ وأُلْقِي دِيدَانَ احتضارِكَ فِيَّ/ على عَرْشِكَ الجَلِيلِ” (أبعد من الحضيض، ص22).

ويُستشفّ من هذه النّماذج أنّ صورة الشّخص عنده لا تطابق الصّور الرّائجة. بل هي تهيّئ لصور أخرى أشدّ قساوة وفظاعة. فحين يدبّ الفساد إلى صورة الشّخص المرتفع الظاهر البيّن البارز للعيان ينقلب الجسد إلى جثّة قد فارقها الشّخص، لأنّ القائم المنتصب ” لا يقال له جثّة “. ولا يبتعد تصوّرُ الجثّة في اللّسان العربيّ كثيرا عن تصوّره في بعض الثّقافات. من ذلك أنّ الجثّة في القانون الرّومانيّ القديم تعني الجسد وقد فارقه الشّخص ([15])، وهي في اللّغة الفرنسيّة تعني cadavre المنحدر من الأصل اللاّطينيّ cadere الّذي يعني سقط ([16]).

ولعلّنا لا نبالغ إن قلنا إنّ أشدّ الصّور تعاودا وأشدّها استبدادا لارتباطها الوثيق بالموت إنّما هي صورة الجثّة والجيف الّتي نسوق منها بعض الأمثلة من المجموعات الثّلاث:

* ” لم أُوجَدْ/ لأجرّ جثّتي وسط الملاحم/ لستُ قويًّا/ حتّى أتسلَّق حبالَ السّعادة/ دون ترنُّحٍ/ لست بريئا/ حتَّى تبيضَّ مستنقعات النّهارِ/ وأقرأَ قصائدي/ دون قهقهةٍ/ لستُ ملاكا/ حتّى لا أتعكَّر بسمادِ الحقد/ وأَسُفَّ الرَّمْلَ/ من رَحِمِ الجِيَفِ الواقفة ” (مراث، عطر واحد للموتى، ص23).

** ” لهذه الأغنية/يجزّ القمر الرّؤوس/ وتزهو النّائحات/ لكن لمن تساق القرابينُ/ والأذرعُ لا تحضُنُ في الصّحوِ/ الثّمرات/ لمن يرفع اليأسُ أنخابه/ والكائناتُ تتعثّرُ في موتها/ والجِيَفُ الّتي تثِبُ من الذّاكرة/ مازالت تكنس بقيّة انفجاراتٍ/ وبرق ” (الصّباح لا يبادلنا جواهره، ص70)

*** ” أخرج من جحيمك/ أَجُرُّ جُثَّتَكَ/ جُثَّتُكَ تَلْبِسُني/ تَتَفتَّحُ أشواكها في جُرُوحِي/ أَيُّها الأَبُ/ حين أُنادِيكَ/ أَرِحْنِي منْ حِمْلِكَ/ يَضِيعُ النِّدَاءُ في الغُبَارِ الكلامْ ” (أبعد من الحضيض، ص27).

يمكن أن نعتبر هذا النّزر من المعطيات المستقرأة كافيا لرسم ملامح الكتابة الشّعريّة عند باسط بن حسن. فمهما كانت الأشكال الّتي تربكها كالسّيرة الذّاتيّة والمراثي، والصّور الّتي تفسدها، والدّلالات الّتي تنتهكها، تظلّ تجربة الكتابة في هذه الأشعار محكومة بتخييل خسران الهويّة. وقد اتّخذ هذا الخسران صورا شتّى لم تعد تخصّ الحيّ النّاطق الّذي يمتلك جسدا وإنّما أضحت تتعلّق بجسد شخص لا يقوى على المثول والقيام والانتصاب لأنّه قد انقلب إلى جثّة. وإذا كانت صورة الجثّة بكلّ ما فيها من فظاعة وهول قد جسّمت تخييل خسران الهويّة، فإنّ الجثّة بما تعنيه من سقوط ترسم بانحدارها اللاّنهائيّ تخوم فضاء لا ضفاف له ولا قرار ” لا شيء/ يشبه/ هذا/ الانحدار/ لا شيء/ أبعد/ من/ هذا/ الحضيض” (أبعد من الحضيض، ص74). وهو سقوط يفرض علينا أن نعيد طرح الأسئلة على نحو مختلف تماما. فبدل أن نتساءل عن كينونتنا وهويّتنا: من أنا؟ أو من أكون؟ يذكّرنا الشّعر بالسّؤال الأزليّ: أين أنا؟ وأين كنت وأكون وسأكون؟ أي سؤال السّكن في أرض ما فتئ كلّ شاعر ملعون، أو أفرد إفراد البعير المعبّد، أو أطردته المدينة، أو رمي في المنفى، أو فرّ من الجحيم، يعيد محو خرائطها وبعثرة شعابها، وتشتيت لغاتها ليبدأ في كلّ مرّة كتابة الميثاق ([17])، ميثاق السّكن فيها.

[1] انظر: Meschonnic, Henri: (1988-1993) Modernité Modernité. Folio/essais, p9

[2]انظر: Maffesoli, Michel: (2002) La part du diable. Champs Flammarion, p143

[3] انظر: Deleuze, Gilles : (1989) Différence et répétition. P.U.F. Bibliothèque de philosophie contemporaine,p.p7-8

[4] انظر: Meschonnic, Henri: Modernité Modernité,op. cit, p9 الّذي يقول: «Voulant savoir ce qu’est la modernité, je me suis aperçu qu’elle était le sujet en nous. C’est-à-dire le point le plus faible de la chaîne qui tient l’art, la littérature, la société ensemble. Dans leurs pratiques, leurs notions. Le plus faible parce qu’il n’est pas compris dans le signe.»

[5] إذا كان (Benveniste, Émile: (1974-1986) Problèmes de linguistique générale,2. TEL gallimard, p51) يؤكّد أنّ ” دور العلامة هو أن تمثّل وتحلّ محلّ شيء آخر باستحضاره بوصفها معوّضة له” فإنّ ( Barthes, Roland: (1982- 1992) L’obvie et l’obtus. Essais critiques III, p279 ) يعتبر التّكرار ملازما للعلامة، لأنّه بدون التّكرار لا تكون العلامة، بل بدون التّكرار لا نتعرّف إلى العلامة، لأنّه بالتّعرّف أيضا تتأسّس العلامة وتكون، وفي المقابل يرى أنّ ما لا يتكرّر عنده هو التّدلال signifiance. ويضرب مثالا على ذلك النّظرة le regard. فهي لا تتكرّر، ولذلك فهي ليست علامة، ولكنّها مقابل ذلك تدلّ، أو هي لها دلالة لا تمثّل العلامة وحدتها، وإنّما التّدلال ، بما أنّه لا يتقطّع كالعلامة إلى وحدات دنيا. وإذا كانت العلامات تنتمي إلى أنساق اللّغة فإنّه يعتبر الفنون بصفة عامّة أقرب إلى التّدلال منها إلى العلامة. ولا غرابة إن وجدنا نوعا من التّجانس بين النّظرة وفنون أخرى كالرّسم والموسيقى والتّصوير الفوتغرافيّ والسّينما.

[6] صليبا، جميل: المعجم الفلسفي، جزآن، بيروت – لبنان، الشّركة العالميّة للكتاب،1994،ج2،ص164.

[7] انظر: Grossman, Evelyne: (2004) La défiguration. Artaud-Beckett-Michaux.Les Éditions de Minuit, p7.

[8] نذكر على سبيل المثال محمود درويش الّذي نعتبر شعره محاولة لتكوين أرشيف الشّرّ من خلال تحويل جثث الموت الفلسيطنيّ إلى صور ضحايا وشهداء بفضل عمل الشّهادة acte de témoignage الشّعريّ.

[9] انظر: Bourdieu, Pierre: (1994-1996 ) Raisons pratiques. Sur la théorie de l’action. Points-Essais, p.p81-89.

[10] لقد لاحظ ريكور (Ricoeur , Paul: (1990-1996) Soi-même comme un autre. , Points-Essais, p177.) في معرض حديثه عن رواية روبار دو موزال Robert Musil إنسان بلا مزايا L’Homme sans qualités أنّه كلّما اقتربت القصّة من النّقطة الّتي تنتفي فيها الشّخصيّة تكون الرّواية في الآن ذاته قد خسرت خصائصها السّرديّة الخالصة. فلا يكافئ خسران التّشكّل السّرديّ في القصّة سوى خسران الشّخصيّة لهويّتها. ولا عجب إذا كانت بعض الأشكال السّرديّة المعاصرة قد ابتعدت عن أصولها السّرديّة واقتربت أكثر فأكثر من جنس أدبيّ آخر أقلّ تشكّلا على نحو سرديّ، ونعني المقال، ويمكن أن نضيف في هذا السّياق بعض أشعار الحداثة الّتي نفترض أنّها في قسم هامّ منها محاولات متنوّعه لتشكيل صور مختلفة للإنسان الحديث.

[11] لنذكّر أنّ كلمة ίοςβ الإغريقيّة الأصل الّتي تعني في مقابلها العربي الحياة، متميّزة عن الحياة البيولوجيّة الّتي يطلق عليها الإغريق لفظ ξωή لأنّها متميّزة في الآن نفسه عن نظام الكون الدّوريّ الّذي تنتظم فيه دورة الفصول وإيقاع الحياة والموت والعود الأبديّ. فداخل هذا النّظام الدّوريّ يكون الإنسان بوصفه نوعا قد اكتسب الأبديّة l’immortalité. ولمّا كان الإنسان هو الكائن الوحيد الّذي خرق هذا النّسق الدّوريّ فإنّ هذا الخرق لا يصنع الخلود وإنّما يجعل من الموت الطّابع المميّز للحياة البشريّة. ومعنى ذلك أنّ البشر فحسب يَعُون بفنائهم مادامت الحيوانات الأخرى لا توجد كأفراد مثل البشر، وإنّما كعناصر داخل نوعها. فحياة الإنسان تصبح فرديّة وفريدة كلّما تعطّل هذا المنحى الدّائريّ للحياة البيولوجيّة ξωή وانقلب إلى مجرى خطّيّ rectiligne ، فتضحي بذلك الانقلاب الحياة بمعنى ίοςβ فانية. فـكتابة الحياة، Biographie، تستمدّ مادّتها من هذه اللّحظات الّتي تتعطّل فيها دائريّة الحياة البيولوجيّة، وهي لحظات خارقة للعادة extrordinaire. انظر: Arendt, Hannah:(1972-1994) La crise de la culture. Folio/essais, p.p59-60

[12] تمثّل صور الرّسول الكاريكاتوريّة الّتي نشرتها الصّحيفة الدّنمركيّة(جيلاندس بوسطن Jyllands-Posten) لأوّل مرّة في 30 سبتمبر 2005 أنموذجا لهذه الصّور المحكومة بالمنطق الهوّيّ. وهي في واقع الأمر صور لا مرجع واقعيّ لها سوى صورة العربيّ المعاصر كما يراها الدّنمركيّ/الأوروبيّ/الغربيّ/المسيحيّ أو يريد أن يراها. فهذه الصّور لا تمثّل شيئا في حدّ ذاتها سوى صورة العدوّ الّذي يمثّل الرّسول منذ قرون مديدة طرازها الأوفى في المخيال الأوروبيّ. ولا فائدة في أن نكرّر أنّ صناعة صورة العدوّ وتعهّدها باستمرار هو شاغل كلّ ثقافة لأنّها ضروريّة في توحيد صفوف الأمّة. فهذا الخلق المستمرّ للعدوّ بأنواعه المختلفة يخضع في واقع الأمر لقاعدة سياسيّة قد صاغها ريجيس دوبريه Régis Debray على هذا النّحو الطّريف: ” أعطني عدوّا جيّدا أصنع لك أمّة جيّدة “, والعبارة الفرنسيّة هي: «Donnez-moi un bon ennemi, je vous ferai une bonne communauté»، ضمن كتابDebray , Régis : (1981-1987) Critique de la raison politique ou l’inconscient religieux. TEL Gallimard , p398

[13] انظر: Grossman, Evelyne: La défiguration, op. cit, p.p8-9.

[14] الشّخص في اللّسان على سبيل المثال يعني ” كلّ جسم له ارتفاع وظهور، والمراد به إثبات الذّات فاستعير لها لفظ الشّخص” ويفهم من هذا التّعريف أنّ الجسد هو الّذي يحدّد هويّة الشّخص ويظهر الذّات ويجعلها مرئيّة، لأنّ الشّخص أيضا هو ” سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد “.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This