خواطر صوفية: صمت الأصل وخيلاء القداسة

  أحدية مصمتة لا يتخللها الفراغ، ولا تخضع للوصف والحد أو الانقسام والتجزئة والتركيب، أو التناقض والمباينة، إنها أحدية الأصل المحض الذي لا أصل له، ولا مثيل، ولا ضد. يكتسب الصمت هنا طبيعة وجودية متعالية، بما يمنحنا مشروعية الحديث عن ميتافيزيقا الصمت الصوفية، وهو في هذا السياق ليس قرينا للكلام أو نقيضا له، أو أحد مستويات غيابه ومحوه. بل يمكننا القول أن الكلام بوصفه ممارسة للانقسام والبنيوية، وتجسيدا للحوارية والجدل الثنائى الحيوى، ليس مفترضا أو مطروحا من الأصل في هذا المستوى الوجودى المفارق مفارقة مطلقة.

إن الحديث عن هذا الأصل الوجودى بوصفه الصمت أى الكيان المصمت وجوديا هو سلب للصمت الذي غائبه الكلام وقرينه الدائم، وهو الصمت الملئ بصخب اللغة وحضورها المخايل الملتبس، بل أنه تلك الثغرات والفراغات التي تخترق الكلام، وتنطوى على ما نواريه ونخفيه ونسكت عنه! أي أننا نسلب عن الصمت الوجودي المصمت ملامحه الإنسانية المعرفية واللغوية والقيمية، لكننا، ويا لها من مفارقة، نؤنسن الأصل حين نحاصره بإطلاق لفظ الصمت عليه، ونقيده بوصفه بالكيان المصمت، لكننا لا نملك شيئا حيال ذلك القصور الإنسانى. إنها اللغة الإنسانية تعلن عجزها الكلي عن اقتناص هذا المستوى الوجودي الإلهي المحض أو القبض عليه، ومحاصرة كليته، والإحاطة بإطلاقيته، وتدجين انفلاته الوحشى أو أسره في إطار مقولات الوعي، وثنائيات الكلام والمعنى الإنساني. ليس أمامنا إلا أن نعلن عجزنا الإدراكي المطلق إزاء هذا الكنه الوجودي الأصيل، أو محاولة فهمه، وصياغته على مستوى الوعي واللغة، كما قال الصديق فيما ينسب إليه المتصوفة :
“العجز عن درك الإدراك إدراك”

الصمت المحال، المعنى الإلهى البكر الطازج، الذات المجردة الساذجة، محض الوجود، فيما قبل البدء، واجتراحات الكلام الإلهي ذاته، سواء كان الكلام النفسي القديم (حديث الذات مع ذاتها دون حروف أو ألفاظ)، أو الكلام المتوجه على أسماع المخلوقات، خلقا وأمرا، تكوينا وتشريعا. يومئ هذا الصمت الوجودي إلى لاهوت السلب حيث لا نعلم عن كنه هذه الذات المحضة المستغنية بذاتها لذاتها عن كل ما عداها، سوى الوجود، ومطلق التجريد.
يقول الحلاج في طواسينه مرهصا بهذا المعنى :

“أفهام الخلائق لا تتعلق بالحقيقة، والحقيقة لا تليق بالخليقة … الحقيقة دقيقة، طرقها مضيقة، فيها نيران شهيقة، ودونها مفازة عميقة”.

يكمن الصمت المحض المصمت، وجوديا ومعرفيا فيما وراء حدود الوعي واللغة الإنسانية، لكنه لا يمثل غيبا لهما أو باطنا، كما لا يشكل حدا لأي منهما أو تخوما لا يمكن تجاوزها، كما رأى شتاينر في كتابه “اللغة والصمت”. ذلك أن شتاينر يتحدث عن الألوهية التي لا تفارق مفاهيم التجسيد الكامنة في التراث المسيحي الغربي، أما صوفية الإسلام، فيتحدثون عن فصل معرفي تأملي بين ذات محض مفارقة، من ناحية، وبين ألوهية (هي جمعية الأسماء والصفات الإلهية)، من ناحية ثانية، وهذه الألوهية هى وحدها المتورطة في العالم، والمتجادلة معه عبر ثنائيات، الأصل والصورة، الباطن والظاهر، والغيب والشهادة، الإله والمألوه، الرب والمربوب، الخالق والمخلوق… الخ. ووفقا لهذا لا يشكل هذا الصمت الوجودي المحض حدا للحياة، فيغدو قرينا للموت، ولا يخضع لجدليات المطلق / النسبي، اللامتناهي / المتناهي، الروح / المادة، الحضور/ الغياب، فهذه كلها تنويعات على تيمة الألوهية التي تتجلى في الموجودات، كليا وجزئيا، وتمنحها حضورا مخايلا ينطوي على غيابها بوصفها المصدر الحقيقي للإمداد بالوجود والمحافظة على استمراريته، وكونها الإمكانية الوحيدة المتاحة، والواردة للمعرفة والكشف الإنساني.

ويُعتبر هذا الصمت المصمت لأحدية الأصل المحض الذي تُقترح علاقاته وتُتخيل في فضاءات السلب المطلقة هو غيب الغيب، أو تنزيه التنزيه، فيما يقول ابن عربي، لأن نعته بأي صفة أو تسميته إنما هو تقييد له، حتى صفة الإطلاق ذاتها لا تسري عليه لأنها تفترض نقيضها (المقيد)، وهو ما لا يجوز في حق هذه الذات المحضة الكامنة فيما وراء التشابهات والتناقضات في آن. ويطلق على هذه الذات، تجاوزا، غيب الهوية، والغيب المصون، والغيب المكنون، وهو ما يشرحه لنا القاشاني في معجمه الصوفي، قائلا:
“الغيب المكنون :

يشيرون به إلى كنه الذات الأقدس تعالى، ويعبر أيضا عن كنه الذات بالسر المصون، الذي هو أبطن كل باطن وبطون، لأنها كما علمت لا تشهد، ولا تعلم ولا تفهم ولا تدرك، وإنما يدرك منها أنها لا تدرك”.

أما عبد الكريم الجيلى في كتابه “الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل”، فيقول :

“إن ذات الله تعالى غيب الأحدية… لا تدرك بمفهوم عبادة، ولا تفهم بمعلوم إشارة، لأن الشيء بما يناسبه ، فيطابقه أو بما ينافيه فيضاده، وليس لذاته في الوجود مناسب ولا مطابق ولا مناف ولا مضاد. فارتفع من حيث الاصطلاح معناه في الكلام، وانتفي بذلك أن يدرك للأنام، المتكلم في ذات الله صامت”.

ويساوق هذا الصمت الوجودي، محض الظلمة، محض العدم، محض الوجود، محض النور، وكلها فضاءات للسلب المطلق الذي لا يفترض المغايرة أو المماثلة أو الضدية والاختلاف، فلا ثنائيات متصارعة أو متجادلة في هذا السياق، وليس إلا العمى والعجز المطلق معرفيا ولغويا وقيميا. ويعبر الجيلي عن هذا بقوله “ليس إلا البهت”، ونضيف الرعب والصعق، بل الاحتراق الكلي في النيران “الشهيقة”، كما عبر الحلاج، وأدعى أنه فعلها حين أعلن متخيلا أنه تجاوز سدرة المنتهى، بينما وقف محمد عند أعتاب الحريق، ولم يجرؤ أن يصير نار موسى الكبرى، ويحترق احتراق الفراشة المقدسة، فيما يقول ماسينيون في دراسته الهامة عن آلام الحلاج وعذابه المليء بمذاق الرغبة ولذة الشبق العارمة للخلود في أحضان الغيب المصون.

ولعل السؤال الذي يلح علينا الآن، هو لماذا أسس المتصوفة المسلمون هذا الفصل المعرفي بين مستويات الذات الإلهية؟ أتراه كان مواجهة معرفية لإشكالية عقيدية استنفدت تاريخ علم الكلام، وشغلت مساحة من الاهتمام الفلسفي، وانعكست آثارها على آليات وكيفيات تفسير النص القرآني، ألا، وهى مشكلة الذات والصفات، وعلاقتها الهامة والمعقدة بإشكالية التنزيه والتشبيه في القرآن، والذي يوهم ظاهره بالتناقض في قوله تعالى في سورة الشورى “ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير”؟ ولعل هذا الطرح الصوفي كان محاولة لتوسيع مدى الرؤية، وإفساح المجال للتنوع والتعددية الدينية خاصة، وإمكانية قبول تفسيرات مختلفة متباينة للنص القرآني دون الخضوع للعبة القمع الديني القائمة على إقصاء التنوع لحساب المنظور الأحادي، منظور الفرقة الوحيدة الناجية، وسيف الحقيقة النهائية المطلقة المسلط على رقاب العباد؟ وبالطبع، لا يغيب عن هذا المنظور الصوفي الميتافيزيقي هواجس الواقع المضطرب، وصراعات القوى داخل فضاءات النخب السلطوية بمستوياتها وتراتباتها المتعددة، والجدل شديد الخطورة والتأثير والفاعلية داخل اللعبة السلطوية بين الدين والسياسية والمصالح الاقتصادية والفرز الطبقي اجتماعيا… الخ، وحيث تصاغ التفسيرات الدينية للنص، وتوظف إيديولوجيا لحساب السلطة المهيمنة، صاحبة السطوة والنفوذ ورجالاتها وقادتها العسكريين، ناهيك عن جماعات المصالح القوية المحيطة بها من النخب الدينية والاجتماعية والاقتصادية… الخ.

ولعل الحديث عن مستوى الذات المحض المصمتة، ليس مجرد تنزيه ميتافيزيقي صوفي مبالغ فيه، وحسب، بل قد يكون منطويا على نوع من الانقلاب المضمر اللاواعي ضد سطوة السلطة الاستبدادية القائمة بتجلياتها المتنوعة، وإعادة إنتاج القمع عليها عبر خلق مساحة الوجود المجهول المطلق اللامُمتلَك السالب الصامت المهدد، الأكثر سطوة وهيمنة لانفلاته الكلي من أي محاولة لتحديده أو تقييده، أو فهمه عقليا وصياغته في قوالب لغوية، أو إخضاعه للفصاحة البيانية، فصاحة الإبانة والوضوح والسلاسة العقلية المنطقية، وهو ما ينقض بدوره سطوة البيان السلطوي البليغ الذي كان إحدى وسائل الهيمنة الأساسية في الحضارة العربية الإسلامية الوسيطة، كما هو معروف.

حينئذ تواجه السلطة الفصيحة عجزها البيانى المطلق عن القبض على هذا المعنى اللانهائي السرابي، وتستشعر وطأته الوجودية الصامتة المصمتة التي تتحدى سطوتها، وتدمر هيمنتها تكشف لها مدى ضعفها وفاقتها، وتواجهها بكونها سلطة بكماء خرساء محدودة السقف، فاقدة لأهم وسائل السيطرة والنفوذ، إلا وهي المعرفة التي ينبغي أن تحيط بكل شئ، وتطول كل ما هو متوارٍ وسري ومخبوء. إن مواجهة السلطة لهذا السر الأعظم المجهول، ووعيها بعجزها المعرفي واللغوي إزاءه، هو تهديد لأمانها وسطوتها المطلقة، وهي مواجهة تختلف تماما عن مواجهة ووعي أهل الطريق بهذه المسألة. ذلك أنهم يحققون سطوتهم وسلطتهم على القلوب والأرواح عبر اعترافهم بعجزهم المعرفي واللغوي، وتناغيهم به على رؤوس الأشهاد معلنين حيرتهم وتولههم به، وكأنهم يلوحون بأحد ملامح القداسة الأثيرة المخايلة. فإذا كانت السلطة الدنيوية تخايل رعاياها بامتلاك المعرفة والبيان البليغ، وسطوة الحضور المتنفذ ماديا ومعنويا لليد الطولى لأصحاب السلطان، فإن رجل الطريق يخايل الرعية بجاذبية وسحر العجز المعرفي واللغوي، وحيرة الوله الجامح، وهوس الوجد، واصطلامة الجنون المباغتة، ناهيك عن سطوة الاستغناء العزيزة القامعة لكل الأوهام السلطوية الزائفة، والتي جعلت العارف الصوفي في كثير من الأحيان يتجرأ على أصحاب السلطان، معنفا ومؤنبا وواعظا.. الخ، ولا يملك أحد إزاءه إلا الهيبة والخشوع الذي وصل ببعضهم إلى حد البكاء والتحسر أمام رجل الله، الضمير الحي اليقظ الموجع.

إن رجل الطريق العاجز الحائر المُعنى بهاجس المعشوق الإلهي هو وحده المهيأ للسعى المحموم في فضاءات المجهول اللاممتلك، وسع قلبه وخياله صورة المطلق، وظلاله الخالدة فيما وراء الأوهام الدنيوية الزائلة، وعبر مرآته بوصفه صورة الله، وفتنته الهادية في خلقه تنجلي وعود المعنى المطلق مرحة في براحات الخيال المفتوح لا نهائية المراوغة، هاجسة بإمكانات التأويل واحتمالاته الثرية المتنوعة، دون أن تمس الجوهر الوجودي السر المصون، أو تنتهك مداراته المصمتة.

لعله رجل الله، العارف الصوفي وحده من يمتلك سلطة الحقيقة، لا في إطلاقيتها اليقينية الثابتة، بل في حيويتها الموّارة، وتوترات الحضور والغياب، والتلاشي والسطوع. سطوة قد تقوض كل ما عداها، وتكشف زيفه وتهافته، وتخاطر حتى بحضورها ذاته علها تقارب التخوم، وتعانق المحال، إنها سطوة الخيلاء المقدس للفتى المستور الصامت، يقول ابن عربى في افتتاحه، للفتوحات المكية، الجزء الأول :

” الحمد لله الذي أوجد الأشياء من عدم وعدمه… وجل في ذاته وجلىَّ، أن حجاب العزة دون سبحانه مسدل، وباب الوقوف على معرفة ذاته مقفل … ولما حيرتني هذه الحقيقة، أنشدت :
الرب حق والعبد حق/ يا ليت شعرى من المكلف
إن قلت عبد فذاك ميت/ أو قلت ربي انى يكلف

ليس إلا أشباح خالية على عروشها خاوية، وفي ترجيع الصدى سر ما أشرنا إليه لمن اهتدى… والصلاة على سر العالم ونكتته وبغيته السيد الصادق… صلى الله عليه وسلم… جميع الرسل بين يديه مصطفون … والختم بين يديه… يخبره حديث الأنثى، فالتفت السيد الأعلى والمورد العذب الأحلى، والنور الأكشف الأجلى، فرآنى وراء الختم… فقال له السيد : هذا عديللك، ابنك وخليك… ثم أشار إلي، أن قم يا محمد… هذا هو المقام المحمدي الأطهر، من رقى فيه فقدورثه، وأرسله الحق حافظا لحرمة الشريعة وبعثه، ووهبت في ذلك الوقت مواهب الحكم حتى كأني أوتيت جوامع الكلم، فشكرت الله عز وجل، وصعدت أعلاه، وحصلت في موضع وقوفه (ص) ومستواه، وبسط لي على الدرجة التي أنا فيها كم قميص أبيض، تنزيها له وتشريفا… أن المقام الذي شاهده من ربه، لا يشاهده الورثة إلا من وراء ثوبه… فلما وقفت بذلك الموقف الأسنى… أيدت بروح القدس… وبينما أنا أطوف (بالبيت العتيق) ، لقيت وأنا عند الحجر الأسود باهت، الفتى المتكلم الصامت الذي ليس بحي ولا مائت، المركب البسيط، المحاط المحيط، يطوف بالبيت طواف الحي بالميت، أنشدت:
تعجبت من ميت يطوف به حي/ عزيز وحيد الدهر ما مثله شي
تجلى لنا من نور ذات مجله/ وليس من الأملاك بل هو إنسي
تيقنت أن الأمر غيب وأنه/ لدى الكشف والتحقيق حي ومرئي

أشار إليّ إيماءً ولغزا، أنه فطر على أن لا يكلم أحدا إلا رمزا، وأن رمزي إذا علمته… علمت أنه لا تدركه فصاحة الفصحاء، ونطقه لا تبلغه بلاغة البلغاء.. فجلى لي حقيقة جماله، فهيمت، فسقط في يدي، وغلبني في الحين علي، فعندما أفقت من الغشية، وأرعدت فرائصي من الخشية… تلاحا له : إنما يخشى الله من عباده العلماء… وقال: أنظر.. إني لا أكون مكلما ولا كليما، فليس علمي سواي، وليست ذاتي مغايرة لأسمائي… أنظر إليّ بنور قمري… بيتي الذي وسعني قلبك المقصود المودع في جسدك المشهود… أنكم الطائفون بقلب وجود العالم، ما وسعني سواكم، وما تجليت في صورة كمال إلا في معناكم… فاعرفوا قدر ما وهبتكموه من الشرف العالي. وبعد هذا أنا الكبير المتعالي لا يحدني الحد، ولا يعرفني السيد ولا العبد تقدست فتنزهت… كن عبدا وقل العجز عن درك الإدراك إدراك واثبت يا محمد في المقام الأوحد وإياك والعدد، فإن فيه هلاك الأبد… فإذا بالعلم القلمي الأعلى قد نزل بذاتي… فأبدى لعيني صورة الأزل، والعلم المكنون”. ف/ ج ص 2 : 51.

لقد تعمدت إيراد هذا النص الطويل، كيما تتضح لنا ملامح الرؤية وتفاصيلها المدهشة. يؤسس ابن عربي سطوته القداسية منذ أول كلمة في الفتوحات بلغة رمزية مغرقة في الغموض والمراوغة، لكنها ساطعة وجلية في الوقت نفسه.

يبدو النص المنتقى من سياق الفتوحات، نصا دائريا يبدأ من مركزية الذات المحضة، وقد تصدرت مشهد الافتتاح بحضورها شديد الوضوح والجلاء، عميق الاحتجاب في آن، ليرتد عجُز النص على صدره، وقد اكتملت الدائرة الوجودية، إذ يطوف الكامل حول البيت العتيق، وما يطوف حقا إلا بقلب وجود العالم، الذي هو قلب العبد العارف التقي النقي الذي وسع الحق سبحانه حقيقته، وهو بيته المعمور، وموضع نظره، ومعدن علومه، وحضرة أسراره، ومهبط ملائكته، وخزانة أنواره، وكعبته المقصودة التي وسعته حين ضاق عن حمل تجليه الأرض والسماء. لما نفخ الله في آدم الروح الأنزه، عرفت الملائكة، فيما يقول ابن عربي، قدر هذا البيت الأعلى والمحل الأشرف الأنزه، مرآة الألوهية الجامعة الصقيلة العاكسة والكاشفة في آن. يطوف الكامل، على الحقيقة، بذاته الباطنة مركزا للوجود تهجس أغواره العميقة المظلمة بالسر المكنون كلؤلؤة المحار، طلسما مغلقا، أزلا وأبدا في غيب البحر العظيم.

توهمنا بداية النص باكتمال دائرة الوجود، وقد أوجدت الكائنات من عدم وعدمه، أي وجود تقدير، وهو الوجود العلمي القديم في المخيلة الإلهية الخالدة. تجلي الكائنات صور الأسماء الإلهية الفاعلة في الكون، وترفل دائرة في احتفاء كوني صاخب حول مركزها الأثير الذي خلقت مسخّرة له، وهو الإنسان الكامل، صورة الله الجامعة، إنسان العين الرحيمة الذي به نظر الحق إلى الكائنات، فرحمها بالإيجاد، ومنحها هبة الظهور العيني وبهجته الساحرة. لكنها نظرة الكامل بها تلتئم أطراف الدائرة، دائرة المعرفة الجامعة، إذ يرأب صدع الوجود الناجم عن نظرة الخلق، ويعي وحدة الإله الكامنة وراء تشظي الصور، وتنوعها اللانهائى، إنها نظرته ترتد بالكثرة إلى عمق الباطن الغيبي الخالد، نقطة الدائرة، ومركزها الإلهي الأصيل، غير أن هذه النظرة الموحدِّة، لا تلبث أن تقتنص وهجها المشع من عالم التجلي المتوتر بين الوحدة الغائبة، والكثرة الحاضرة لترتد إلى عمق ذاتها، وهي تدور بلا توقف مهيمة كدرويش المولوية المجذوب لا يكف عن الدوران، قد أسرته فضاءات الوله والحيرة الآسرة.

طواف يحفزه التوق، وعرامة الشوق المتوهج بالبيت العتيق الأزلى، ونظرة المبهوت تحدق في الحجر الأسود، ويا لها من نظرة تولدها المباغتة، وتنطوي على سطوع الحقيقة الفادح الذي يكاد يقارب باستحالته البهتان، لكنه وحده الحضور الإعجازى الخارق الذي يقيم الحجة بيّنة على من ادعى، فيسكت، متحيرا مبهوتا لا يعرف حقيقته من بهتانه، أو إيمانه من كفره، ولعله ستره الذي يحجبه، بل يحميه من سطوع الحقيقة الصاعق. ترحل النظرة المبهوتة في فضاء ظلمتها الذاتية المحضة، مساحة الإمكان الوحيدة لمقاربة ما لا يدرك، ومعايشة لذة الحيرة المعرفية حيث تأتنس النظرة ائتناسا حميما بمراحها الخيالي إذ تبتدع ما تشاء من صور وخيالات لا نهائية التنوع متحررة كلية من سطوة الوضوح، وقيود النور، وحدود المجسد الواقعي. إنها فضاءات الظلمة الحرة البرحة الواعدة بشهوة الخيال الجموح، وطزاجته العارمة. ذات تمرح في خلاء هجرته وحشة الصور المقيدة بهواجس النور وأوهام الوضوح، لتبزغ حقيقة الجمال المطلقة، وحشية مرعبة، قد غدا العارف الصوفي كالملائكة المحيطين بالعرش، هاموا متولهين في جمال الذات الآسرة. في فضاء الظلمة المحضة، وحيث لا تغني فصاحة الفصحاء، ولا بلاغة البلغاء، ليس إلا قداسة الصمت المحض المنزه، لكنها مخايلة الجمال الساحر الجلي، تستلب النظرة كلية، فيسقط المبهوت مصطلما غائبا عن كل ما عداها، ترتعد فرائصه من الرعب والوجد في آن.
يقول ريلكه
“إن الجمال ليس سوى الرعب”

الفتى الصامت الذي ليس بحي ولا مائت، المحاط المحيط، أنسى الهوى، ظلا مخايلا ولد من نكاح الظلمة والنور، فيما يقول ابن عربي، وطيفا مجليا حقيقة الجمال في مساحة الحلم، لا تراها عين العارف إلا عبر النور المستعار للقمر الذي يكمن جماله الحقيقى في سواده واستدارته الكلية المظلمة التي احتضنت نوره الوهمي، وتوارت في عمقه متربصة بلحظة زواله الحتمي. لكن لننتبه، فليس رجل الطريق الكامل إلا قمرا استعار نوره أو نظرته في ذاته القمرية، وكأنها درع برسيوس يحميه من صعقة النظرة السافرة للجلال المخيف. إنه اللقاء في عالم الخيال والظلال، ملكوت المراوغة، حيث تتحقق المستحيلات، وتتلاقى المتناقضات، فتتروحن الأجساد، وتتجسد الأرواح، مصادقا لقوله (ص) “رأيت ربي في صورة شاب أمرد”. يتأرجح الوعى المصطلم للذات العارفة على الحافة ما بين الممكن والمحال، حيث تجمح المخيلة، وتتوهم تحت سطوة الجمال المهيب، إمكانية اختراق الحجب ما بين الصورة الإنسانية الكمالية، والأصل الإلهي المنعكس في مرآتها، من ناحية، والذات المحض المقدسة المكنونة، من ناحية ثانية، ولعله حلم الأسماء الإلهية تواقة لعودتها للغيب المنزه المصمت منجليا عبر مرآة الحنين الإنساني للارتداد ثانية إلى رحم الإله الفردوسي، وحضرة الجمال المطلقة الأزلية.

ومن المثير للانتباه حقا، في هذا النص، لحظة البيعة المعرفية، ووراثة المقام المحمدي الأطهر، إذ أوتي ابن عربي مواهب الحكم وجوامع الكلم (الأنبياء)، أي العلم اللدني الذي أتاه الله الخضر، في قوله تعالى “آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علما” ويقول ابن عربي في هذا الصدد، أن المحمدي يقول “زدنى فيك تحيرا، فالحائر له الحركة الدورية، أي له الوجود الأتم”. يدعم النص المفهوم الصوفي البرح لوراثة النبوة بوصفها وراثة العلم، ليس علم الشريعة الظاهري (علم الفقهاء ورجال الدين، علماء الدنيا)، بل علم الباطن الذي كان حكرا على أئمة الشيعة من آل البيت، ثم غدا عند الصوفية إمكانية مفتوحة لكل من سعى مجتهدا مثابرا دؤوبا معانيا في طريق الله. وهو التصور الذي يحرر مفهوم الوراثة النبوية من معيار النسب والعرق ووراثة الدم، وهو معيار قبلي هجس به الصراع السياسي العنيف حول الخلافة منذ سقيفة بني ساعدة، ولم يهدأ أواره على مدى التاريخ الإسلامى الوسيط. ويجعل النص الولي الصوفي مجسدا في ابن عربي، حافظا لحرمة الشريعة، مجددا لها عبر التأويل المتجدد الدائم الذي هو بدوره إلهاما إلهيا، وليس نتاجا معرفيا إنسانيا، وهو الأساس الذي سيقيم عليه ابن عربي مفهوم الخليفة الباطني، إنسان العصر الكامل في مقابل الخليفة الظاهرى.
يقول ابن عربى بجلاء :

“إذا أُعطي الإنسان التحكم في العالم، فهي الخلافة، فإن شاء تحكم وظهر، وإن شاء سلم وترك التصرف لربه… إلا أن يقترن به أمر إلهي كداود عليه السلام… قال (ص): الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم تصير ملكا، فإنه لما ضعف الخليفة الحق الذي هو القطب القائم بوراثة النبوة عن الظهور بها، احتجب بالملك الذي هو الخليفة ظاهرا، وأطلق عليه اسمه لبقاء صلاح العالم به، والخليفة الذي هو القطب ناظر إليه، وقايم به، وممد له بحسب قبوله واستعداده”.

ولسنا في حاجة إلى التعليق على هذا النص الذي يجلي مدى عمق وقوة الهواجس السياسية المتوارية في ظل الطرح الميتافزيقي الصوفي، ناهيك عن مراوغة تأسيس الهيمنة، وقلب التراتب، وإعادة إنتاج القمع على خلفاء الظاهر، ملوك الدنيا عبر مخايلات القداسة، إذ يغدو القطب الصوفي هو الخليفة الحق، وارث الأمر الإلهي، والحكمة النبوية والعلم اللدني، ولابد لخليفة الظاهر أن يتبعه ناصحا ومعلما ومرشدا، وشيخا يغدو بين يديه كالميت بين يدي غاسله!

ومما يلفتنا في هذا السياق، ذلك التلاعب المراوغ حول مكانة ابن عربي من النبي، ووقوفه وراء ثوبه، بل على كم قميصه الأبيض الطهور، ويا لها من مخايلة البياض / السواد حيث تتشكل مساحة الرؤى المستحيلة التي هي بصيرة العمى، إن صح التعبير فالتحديق في البياض كالتحديق في السواد، كلاهما يورث العمى الذي يؤجج وهج الخيال، ويشعل جموحه، ويطلق عنانه شاطحا متجاوزا كل التصورات والتوقعات والممكنات.

لكننا ينبغي أن نحترز، فمنحة الوجود والمعرفة مستعارة في هذا العالم الشهادي المخايل، فنحن المأسورين داخل حدود عوالم الأشباح الخالية، وترجيع الصدى ليس أمامنا إلا حيوية اللعب الخيالي، والتأويل البرح في فضاءات الاستعارة والمجاز، والرمز. وحده العارف الصوفي من يفك شفرات المعرفة الهرمسية، فيقتنص الحقيقة الساحرة المغوية من عوالم الوهم الكثيفة التي هي آخر تدرجات التجلي الإلهي الوجودي، وأكثرها بعدا من مصدر النور الأصلي، لكنها أشدها وطأة وثقلا لأنها أصل التباسة الوعي وضلالته. فارق ضخم بين غواية الحيرة المعرفية الثرية، منحة الحق وأصل انتباهة الوعي اليقظ، من ناحية، وبين مخايلات الضلال وأسر الصور الكونية الظاهرة الزائفة التي تستلب الوعي في مدارات الغفلة الحسية الدنيوية.

بقيت لنا ملحوظة أخيرة أظنها تحتاج إلى دراسة هادئة متأنية، وهى تدور حول تلك الإشارة السريعة إلى الختم، وحديث الأنثى، ويلح السؤال: إلى أي مدى يمكن أن تكشف لنا هذه الإرهاصات الرمزية السريعة عن إحدى أوجه التلاقح الثقافي الفريد مع الحضارات الأخرى، والديانات السابقة، وهو المتعلق بانسراب أساطير الإلهة الأنثى القابعة وراء الحجب، أصل كل شيء، العذراء الخالدة، والينبوع الأزلى المختوم.. الخ، إلى عمق النص الصوفي الإسلامي، وأحدثت نوعا من الإنقلاب المستتر ضد ذكورية الخطاب الديني الإسلامي، وتجلياته المتنوعة عبر مرايا المجتمع البطريركي العتيد، وتكريسه القوى له؟
يقول ابن الفارض، سلطان العاشقين :
“شربنا على ذكر الحبيب مدامة / سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس، وهي شمس يديرها / هلال ، وكم يبدو إذا مزجت نجم
ولو نظر الندمان ختم إنائها / لأسكرهم من دونها ذلك الختم

وياله من فضاء قمري تنطوي شمسه في بدره المكتمل، وهلاله المؤذن بالغياب، وقد غرق الحبيب والندمان في سكر خمرها العتيق الذي مزج قبل أن يخلق الكرم. أي رؤيا شعرية ورمزية تقودنا لمدارات عشتار القمرية، سيدة الغيبوبة والخمر والسحر الحلال، وحكمة الجنون مستورة فيما وراء شمس العقل والوضوح الأبولونية الذكورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق