دفاعا عن شهرزاد وعن نسويّة غير حانقة

أيّ امرأة لا تتشبّه بشهرزاد، وهي تحنو على رجل عصفت به النّرجسيّة الذّكوريّة التي لا تقتل أجساد العذارى بل تسحق النّفوس؟ يوجد شهريار أو شيء من شهريار داخل كلّ رجل لا تخيفه المتعة الأنثويّة فحسب بل تذهب بعقله، ولا يريد الحبيبة لنفسه فحسب، بل يريد استئصال آثار الآخر على جسدها وروحها. ويوجد شهريار داخل كلّ رجل ينشد العذراء المطلقة والمرأة التي لم يطأها ولن يطأها سواه، أو يتخبّط في دوّامة متعة لا حدّ لها يستهلك فيها المرأة تلو المرأة ويرمي بهنّ جميعا كما ترمى النّوى، أو يتخبّط في سجن احتدامات ثنائيّة لا تترك مكانا لثالث مخلّص من جنون نشدان المتعة المطلقة.

ومن منّا لم تقصّ عليها أم أو جدّة خرافات تتماهى فيها الأمّ أو الجدّة مع شهرزاد لتسكت عن الكلام المباح والآذان صاغية والقلوب خافقة؟ لحظة ألق تعتلي فيها المرأة عرش البيت وعرش الخيال، ويسلم فيها الرّجال والأطفال مقاليدهم إليها وقد تجلّت كإلهة أو صنم مجيد؟

لم يبرح طيف شهرزاد ذاكرتي ومخيّلتي منذ أن كنت أصغي إلى الخرافات، إلى أن انهمكت في لملمة خرافتي وبناء ذاتي. قصّة شهرزاد وأسطورتها وصورتها عالقة بكلّ امرأة تشقّ طريقها ومصيرها الأنثويّ، محاولة ترك التّمرّد الحانق إلى أفق تحرّر نسويّ أرحب.

هل يمكن أن نقطع تماهياتنا مع كلّ الصور الآتية من عمق الماضي ومن عبق النّصوص، مهما كان وعينا الحداثيّ، ومهما كان نفورنا من عنف النّماذج الماضويّة؟ من حقّنا أن نرث ما نريد، من حقّنا أن نجعل الماضي ينتمي إلينا بدل أن ننتمي إليه، ولكن هل يمكن لنا أن لا نرث شيئا وأن نقبل على الحاضر عراة من كلّ صورة إيجابيّة وكلّ أسطورة وذكرى؟ وهل يمكن لنا أن ننبذ ما كان منبوذا مكبوتا داخل التّقليد الذي ورثناه؟ من كان يذكر شهرزاد من القدامى؟ لا تتحدّث نصوص الماضي عن شهرزاد، لم تخرج شهرزاد من دفّتي كتاب “هزار أفسان” وقد أصبح “ألف ليلة وليلة” إلاّ في العصر الحديث بعد أن تُرجم الكتاب ونبّهنا الغربيّون إليه. لم يكن العرب القدامى يسمّون بناتهم شهرزاد، ولم تتحوّل شهرزاد إلى رمز إلاّ في عصرنا نحن. فالأقاصيص والأسمار كانت من الأجناس الدّنيا، وألف ليلة وليلة لم تكن نصّا نبيلا من نصوص الثّقافة العالمة، وهي إلى اليوم كذلك في منظوماتنا التّعليميّة.

إنّها الإرث الذي استرقناه ولم نرثه. فنحن لم ندرس ألف ليلة وليلة في المدارس ولا في الجامعات، إنّما التهمنا حكاياتها الشّيّقة في لحظات مختلسة من واجبات المذاكرة، أو قرأناها على أفواه نساء كان كلّ زادهنّ المعرفيّ خرافات وأقاصيص وأحلاما ومخاوف نسائيّة قديمة جديدة.

حداثتنا في وجه من وجوهها هي لقاء بشهرزاد، إحياء لها على نحو مغاير للإحياء الدّينيّ المؤسّسي الآسر والفارض لنماذج منمّطة في السّلوك والعقيدة. إحياء تحرّريّ.

أكتب هذه المدحة لشهرزاد ولكتاب ألف ليلة وليلة وقد تعالت أصوات نسائيّة كثيرة تنتقد شهرزاد وحكاياتها أو تتملّص منها باعتبارها جدّة رمزيّة. إنّها “تنبذ” شهرزاد، إذا ما اصطلحنا على أنّ “النّبذ” هو الإنكار المتعلّق بالنّسب، والنّسب هنا رمزيّ خياليّ.

ففي مائدة مستديرة نظّمها المجلس الأعلى للثّقافة بمصر يوم 19/2/ 2008، على هامش مؤتمر “الإبداع الرّوائيّ العربيّ”، استمعت إلى آراء جاءت على لسان بعض الرّوائيّات العربيّات، مفادها أنّ شهرزاد وشهريار وجهان لشخصيّة واحدة، أو أنّ شهرزاد لم تفعل شيئا لنساء عصرها بل دافعت عن بقائها، أو أنّ شهرزاد القديمة مضت لحالها والعبرة بشهرزاد الجديدة… وفي الورقة التي قدّمتها القاصّة المصريّة سحر الموجيّ في هذه الحلقة نفسها، نجد هذا التّساؤل : “هل كل من مارست فعل الحكى/ الكتابة هى شهرذاد (كذا)؟ ذلك أن شهرذاد لم تكن بالضرورة تعبر عن وجهة نظر النساء. العديد من حكايات ألف ليلة و ليلة تحمل فى طياتها رؤية ذكورية للعالم.”

ومنذ حوالي أسبوع كتبت القاصّة السّوريّة سمر يزبك مقالا يحمل عنوان : “شهرزاد ليست جدّتي”، بيّنت فيه أهمّية ألف ليلة وليلة ولكنّها تحّدثت فيه عن “خديعة” يبطنها هذا الكتاب وتبطنها شهرزاد : “هذه الصدارة التي حصلت عليها شهرزاد في الليالي، خدعتنا أيضا، وتحديداً خدعت المرأة الكاتبة، فالعديد من الكاتبات العربيات منذ عقود مضت، وحتى الآن يحلو لهن التشبه بشهرزاد الجدة التي أرضعتهن الحكاية، ويصفن أنفسهن بالحفيدات اللائي حملن عنها راية السرد، وهن ـ ربما ـ لا يعرفن أن ما حدث من تأنيث للنص كان خديعة أدارها الرجل من وراء الكواليس، فشهرزاد التي أنطقها صناع الحكايات تلك، لم تكن إلا الحجاب الأبيض الشفاف الذي تخفَّت تحته رؤية ذكورية… ” وذهبت القاصّة إلى أنّ “التأنيث الذي مارسته ليالي “ألف ليلة وليلة” كان مخرباً، فشهرزاد حضور بيولوجي لامرأة راوية، تروي من وجهة نظر ذكورية تماماً حكايات مغوية تؤجل حكم شهريار عليها بالموت، من دون أن تحاول تعديل صورة المرأة في ذهنه، أو خلخلة حكمه عليها بالخيانة الذي استقاه من واقعة خيانة زوجته….” والخلاصة التي خرجت بها القاصّة من هذا المقال هي التّالية : “أظن أنه آن الأوان لأن تنتبه الكاتبة العربية إلى ما تحفل به الليالي من ألغام ضد المرأة، وأن تفكر ألف مرة قبل أن تعلن نسبها للذكر المتنكر في ثياب شهرزاد.”

ورغم تفهّمي للحميّة النّسويّة لدى هؤلاء القاصّات، فإنّ ما سمعته منهنّ وما قرأته عن شهرزاد ظلّ يؤرّقني ويدفعني إلى إنصافها وإنصاف الأسطورة الجميلة التي حملتها إلينا.

ما يتكرّر في الموقفين الأخيرين على تفاوت بينهما في القسوة وفي الوثوقيّة هو القول بأنّ شهرزاد لا تعبّر عن “وجهة نظر” أنثويّة. فأيّ “وجهة نظر” يمكن أن نطلبها من شخصيّة أسطوريّة أو خرافيّة؟ هل للملك أوديب مثلا “وجهة نظر”؟ هل لزوس كبير الآلهة “وجهة نظر”؟ أليست الأقاصيص التي تظهر فيها هذه الصّور منتوجات للخيال البشريّ، أو بالأحرى مكوّنات للاّشعور البشريّ، يخمد فيها صوت الرّقابة الاجتماعيّة وتخمد فيها نزعات السّيطرة لتنكشف فيها أبعاد أساسيّة في المنزلة البشريّة هي أعمق من أن تكون تعبيرا سلطويّا على طبقة أو فئة، وأعمق من أن تكون ذكوريّة أو نسويّة، وإن حملت في طيّاتها وفي لحظاتها المختلفة شيئا من كلّ هذا؟ أليس البحث عن وجهة النّظر توجيها تسلّطيّا للنّظر إلى منتوجات لا تعبّر عن وجهة نظر بل تشي بما يخفى على النّظر، ولا تكتب بل تترك النّاس ينكتبون، ولا تقول بل تفسح المجال لما ينقال عن غفلة من الجميع؟ أليس في هذا الموقف ارتهان للأسطوريّ في الإيديولوجيّ السّطحيّ؟ ثمّ أيّ معرفة وأيّ منطلقات نظريّة تخوّل لنا بأن نضع في نفس الخانة الرّجل الذي يمثّل الجنون النّرجسيّ الذّكوريّ والمرأة التي عالجته من هذا الجنون؟ هل المطلوب من شهرزاد حتّى تكون لاذكوريّة أن تعظ شهريار وتتحوّل إلى مناضلة نسويّة تدافع عن حقوق النّساء بلغة عصرنا؟

وهل يوجد نصّ لا تتعدّد فيه الأصوات، لا سيّما إذا كان نصّا غير استدلاليّ، غير بان للبراهين والحجج؟ هل يوجد نصّ لا يقول فيه الكاتب الشّيء ونقيضه، سواء كان الكاتب فردا أم جماعة؟ إنّ أفق التّعامل الحداثيّ مع النّصوص يقتضي الانتقال من نظام في التّفكير يعتبر الذّات المتكلّمة أو الكاتبة منسجمة مع نفسها متطابقة مع ذاتها إلى نظام في التّفكير هو نظام ذات اللاّشعور. فالكاتب يكتب بيدين لا بيد واحدة كما يقول جاك درّيدا منطلقا في هذا ولا شكّ من مفترض اللاّشعور ومفترض انشطار الذّات البشريّة الذي يستتبعه. الكاتب الفرديّ والجماعيّ لا يكتب إلاّ وهو ينكتب، ولا يقول شيئا إلاّ وهو ينفضح فيقول ما لم يرد قوله. لا يقول ما يريد ولا يفهم منه ما أراد. تلك لعبة اللّغة باعتبارها أداة تواصل ولا تواصل في الوقت نفسه.

فنصّ ألف ليلة وليلة يقول إنّ النّساء ذوات كيد وحيلة. ولكنّه يقول أمورا أخرى كثيرة ومختلفة. يقول أوّلا إنّ هذا الكيد هو طريقة الضّعفاء في التّمرّد على نظام عتيد، هو نظام تبادل النّساء. هذا النّظام يقتضي حجب النّساء وشطبهنّ لضمان تعدّد العلاقات الجنسيّة للرّجال دون النّساء، تعدّدا لا حصر له في الدّنيا وفي الآخرة. وهو ما يضطرّ النّساء إلى التّمرّد الانتقاميّ وإلى الخديعة والمكر بحثا عن التّعدّد والغرابة. ولكنّ كتاب ألف ليلة وليلة لا يقدّم لنا شخصيّة المرأة ذات الكيد، بل يقدّم إلى ذلك شخصيّات نسائيّة غير نمطيّة، هنّ النّساء ذوات العقل والحكمة والمعرفة، وأوّل من تمثّل هؤلاء النّسوة شهرزاد : “وكان الوزير له بنتان ذاتا حسن وجمال وبهاء وقد واعتدال الكبيرة اسمها شهرزاد والصغيرة اسمها دنيازاد، وكانت الكبيرة قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضيين. قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء…” فشهرزاد استثناء جميل داخل تراث يعتبر النّساء ناقصات عقل ودين، عاجزات عن الحكمة.

وأي عقل اكبر من عقل شهرزاد، أو صورة شهرزاد، إذا ذكّرنا بأنّها لم تنقذ نفسها وبقيّة النّساء من اللّعبة الإضحويّة المدمّرة فحسب، بل عالجت شهريار من جنونه، وعالجته بما يقتضيه العلاج من مساوقة للهاذي في هذيانه إلى أن يفيق على تناقضاته، إلى أن يفيق على صوتها الفريد، إلى أن يتخلّص من ربقة الواقعيّ ويصبح قادرا على التّرميز قادرا على تأجيل رغباته، قادرا على الكلام بدل الفعل. لهذا السّبب قصّت شهرزاد أقاصيص خيانة النّساء وغدرهنّ. هذا ما اقتضته حكمة القصّ التي تعرف دفائن النّفس البشريّة لا ما اقتضته “وجهة النّظر” الذّكوريّة المنسوبة إلى شهرزاد، في هذه المحاكمات النّسويّة الدّونكيشوتيّة.

وظيفة إنقاذ الرّجل من جنون النّرجسيّة الذّكوريّة، تلك هي شهرزاد وما ترمز إليه شهرزاد. وظيفة التّذكير بأنّ الحبّ هو الصّيغة الممكنة للتّأليف بين الدّوافع الجنسيّة العمياء والقيم الإنسانيّة، وللتّأليف بين دوافع الحياة ودوافع الموت على نحو يحفظ بقاء النّفوس والعقول. شهرزاد هي وظيفة إدخال المسافة، مسافة الكلام والعقل والرّمز، عندما يحتدم الجنون لدى من جرى وراء المتعة لاهثا واهما، واستسلم إلى التّدمير في صيغة إيروسيّة.

أرجو أن لا تكون هذه الموجة من التّشكيك في شهرزاد علامة على توجّه داخل القصّ النّسائيّ ذاته، أرجو أن لا يكون هذا القصّ يجري ناحية شهريار أو شيء شبيه بعالم شهريار. أرجو أن تكون مجرّد انتفاضة عابرة على أمّ قديمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This