لرفع الخلاف ينبغي الإقرار بالاختلاف

ماذا لا يكفي، تحقيقا للإجماع بين الناس ورفعا للخلاف بينهم، طرح نقاط الخلاف ” على طاولة النقاش” للبت فيها و التفاوض بشأنها؟ هل يرجع ذلك فحسب إلى قصور العقول عن الاقتناع و الإقناع، وكون الخصم لا يتمكن من إدراك الحقيقة وتبيّن الصواب؟

في مناسبتين مختلفتين يعرض حجة الإسلام لهذه المسألة، ويقدمها في شكل حوار يدور بينه وبين داعية باطني:

يسأل الداعية:” هل يمكنك أن تعرّف جميع الحقائق و المعارف الإلهية جميع الخلق فترفع الاختلافات الواقعة بينهم؟”

يجيب الغزالي:” هيهات لا أقدر عليه. وكأن إمامك المعصوم قد رفع الاختلافات بين الخلائق وأزال الإشكالات عن القلوب..بل اختلاف الخلق في حكم ضروري أزلي، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم و تمت كلمة ربك”.

ثم يسأل الداعية:” كيف نجاة الخلق من هذه الخلافات؟”

فيرد الغزالي:”إن أصغوا إليّ رفعت الاختلافات بينهم، ولكن لا حيلة في إصغائهم. فإنهم لم يصغوا بأجمعهم إلى الأنبياء و لا إلى إمامك، فكيف يصغون إليّ، و كيف يجمعون على الإصغاء وقد حكم عليهم في الأزل بأنهم لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك؟”

لا ندري في نهاية هذا الحوار المفتوح ما إذا كان حجة الإسلام قد “أقنع” الداعية الباطني. وعلى أية حال فمضمون الحوار يمنعنا أن نفترض ذلك، والغزالي نفسه يبدو من أول وهلة يائسا من إقناع خصمه و رفع الخلاف بينهما. وهو يعترف صراحة أنه عاجز عن إفحام الخصوم و التقريب بين المتخالفين و جمعهم حول حقيقة واحدة. إلا أنه لا يعزو هذا العجز إلى صعوبات نظرية، أو عوائق ابستملوجية، أو نواقص بلاغية.

إن كان الناس على خلاف فليس لكون بعضهم أقل معرفة من بعض، أو أنقص ذكاء، أو أضعف بيانا، أو أقل اهتماما، وإنما لكون بعضهم لا يبالي in-different بالآخر. أي لا ينظر إليه كمخالف، و لا يصيخ إليه السمع. ليست المسألة إذن مسألة عماء إيديولوجي، و إنما قضية صمم وجودي.

إذا كان الخصم “لا يصغي إليّ” فهو لا يرفع الاختلاف بيننا وهماً فقط، بل يلغي وجودي أنا وهماً كذلك. وهو لا يستطيع أن يقنعني إلا إذا اعترف بي كائنا، كائنا له رأي، و رأي مخالف. إنه لن يتمكّن من رفع الخلاف إلا إذا أقر بالاختلاف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This