الاجتهاد: هل هو تجميل لوجه الأصوليّة؟

المهتمون بالعالم العربي والإسلامي، العرب منهم والأعاجم، تفسير انحطاطه بما يلخصونه في عبارة سريعة صدئة هي ‘غلق باب الاجتهاد’. فلا تكل أغلب الأقلام العربية الإسلامية ولا تمل من البكاء والنحيب على فقدان ذلك الاجتهاد المزعوم. والحقيقة أن بابه لم يغلق أبدا. إنما العكس هو الصحيح، فتضخم هذا الاجتهاد هو الذي قطع الطريق أمام تَعلمُن المجتمعات العربية، لأنه أبّد حضور الدين كمرجع مطلق. لقد فرضت فكرة غياب الاجتهاد نفسها على الناس أجمعين. ولئن كان أبسط فحص سرعان ما يظهرها مجرد مسخرة.

فبحكم العادة يرددها المحللون والخطباء بمناسبة وبغير مناسبة. فها هو الباحث الحذر والجاد إدوار سعيد، يسقط هو الآخر في غرام هذه الأطروحة الساذجة:” لقد كان الضمور التدريجي لتقليد الاجتهاد من الكوارث الثقافية العظمى لعصرنا، يقول صاحب’الاستشراق’، فمع غيابه غاب كل فكر نقدي وكل مواجهة فردية للمشاكل التي يطرحها العالم المعاصر”.
( Le Monde diplomatique,sept.2003) .

عن طريق تشبثهم بالتراث النصي، وعبادتهم لأسلافهم، يتنكر المسلمون لعصرهم و يتجنبون لب المسائل:إن النص ذاته هو الذي لم يعد يفي بالغرض، فمن الطبيعي أن يكون عاجزا عن تقديم أجوبة لأسئلة العصر المستجدة واللانهائية. ولو أن بعض المتصوفة تحدث عن سبعة آلاف فهم أو تفسير، فلن يكون في وسع النص الديني أن يتحمل إلى ما لانهاية الأوضاع الجديدة التي تلدها الحياة في كل لحظة.

ليس اتهاما للنص الديني القول إنه ـ خارج مضمونه الروحي الميتافيزيقي ـ لا يملك مصداقية معرفية كامنة، لا تنضب، نعود إليها في كل زمان ومكان. كَمُلهمٍ لتنظيم الحياة العامة، فليست للنص الديني صلاحية أبدية.

كانت كل الديانات تقنيات اجتماعية في البدء. إنه حال مرحلة العمر الأولى لأهم الديانات في التاريخ. وبما أن تاريخ الديانات ما هو إلا تاريخ هزائمها، فإنها كثيرا ما تتبنى وتدمج كل ما لا تستطيع منع حدوثه، وذلك إلى حد انفجار دوغمها نفسه. أما في مرحلتها العمرية الثانية فتتحول مضطرة إلى روحانية خالصة، مجبرة على عدم تجاوز مجال الإنسان الخاص.

ما جدوى التغني بفتح باب الاجتهاد؟ ماذا ينتظر الفاتحون؟ إنهم كَمن يقتحم بابا مفتوحا ! فما الاجتهاد إلا استمرار لـــ ‘اللاعقلنة’ بوسائل أخرى. لا يمثل مناصروه ومدعوه سوى فصيلة أخرى من الأصوليين تدعي البحث عن اللانهائي في النص التراثي. تبقى كل التجميلات الممارسة على النص دون جدوى فلا نجني من استعمال هذا المرهم ضد التجاعيد شيئا اللهم المزيد من التعاليق الثرثارة. لا يحل هذا المسعى،بأي حال من الأحوال، مشكلة علاقة المسلم بتراثه بقدر ما يغذيها ويطيل في عمرها. كل اجتهاد هو إضافة جهل جديد.

إن الاعتقاد بأن الإسلام قد أوجد حلا لكل مشكلة قبل حدوثها هو الوهم بعينه. وهو ما لم يفقهه أساتذة الاجتهاد في عصرنا ومن والاهم من مفكري الغرب الانتهازيين. أتعجّب وينتابني من الحزن الكثير عندما أرى الفيلسوف الفرنسي، مارسال غوشي، صاحب نظرية ‘الخروج من الدين’، وصاحب المقولة الخاطئة “المسيحية دين ذلك الخروج”…أقرف قلت عندما أراه يُنصب نفسه وصيا على الاجتهاد ويعطي لنفسه الحق في تأبيد هيمنة الدين في المجتمعات العربية حيث يقول:” من واجبنا تشجيع ظهور إسلام حي، مثقف، متناغم مع تاريخه، يكون مواكبا للفكر المعاصر وقادرا على تنظير مواقفه وإصلاح نفسه بنفسه”
(l’Histoire, juillet-août 2004)

وفي فرنسا دائما يتحدث من سمّى نفسه ‘مؤوِّلا جديدا’، رشيد بن زين، عن ضرورة قراءة تأويلية جديدة للقرآن! حسنا، ولكن قل لي بربك كيف يمكن أن تجد تفسيرا أو تأويلا جديدا لما يلي من القرآن(سورة النساء-آية 34):”الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا”. يا أيها الدكتور الكريم، اقلب الأمر على كل وجه، افعل ما شئت سيدي، فإن المعنى يظل هو هو، أما إذا أردت تغييره فتلك مسألة أخرى لا علاقة لها بالاجتهاد.

ليقل لنا هؤلاء كيف يمكنهم التأويل عندما يكون النص صريحا واضحا؟ إن النصوص الدينية هي أبسط بكثير من التعاليق التي تدور حولها، فلا تترك فرصة للتأويل إلا قليلا. لا اجتهاد مع النص، يقول السابقون. لكن ما هو سر هذا التعلق المرضي بالاجتهاد؟ ألا يراد من ورائه إملاء’معيارية إسلامية مُعتمدة’ على كل الناس، على وزن ‘ أنا أفكر إذن أنت تتبع.’ ألم يكن هذا الاجتهاد حاجزا أمام فكر الإنسان العربي، منعه من الوصول بالأسئلة إلى حدودها القصوى؟ أليس الاجتهاد سياجا لحماية النص الديني من النقد الراديكالي الآتي من خارج منطقه والمتعارض مع رؤاه؟ أقام أحد المحامين الأصوليين دعوى قضائية باسم مبدأ ‘الحسبة’، ضد رئيسة تحرير مجلة ‘حواء’ اتهمها فيها برفض الحجاب ومعاداته علنيا. دفاعا عن نفسها وتبرئة لذمتها اضطرت إقبال بركات أن تكتب نصا طويلا عريضا تبين فيه أن ما قالته عن الحجاب لا يتناقض مع تعاليم الإسلام وبأن الحجاب ليس سوى طريقة ما من طرق اللباس التقليدية وليس من الدين الإسلامي في شيء.

تصرح المسكينة لـ ‘الأهرام إيبدو’ أن :” كل الأفكار المطروحة في الكتاب مبنية على أسس القرآن والسنة وأراء علماء الدين الإسلامي. لقد تبنيت نظرة عصرية في تفسير النصوص الدينية. لم أرتكب أي جرم، لذلك لم يتمكن المحامي من إثبات تهمة الردة ضدي.” يظل التكفير مقيدا للتفكير ما لم يضع المفكرون حدا للاجتهاد ويفتحون عهدا جديدا ينعتق فيه الفكر تماما من المرجعية الدينية وسلطتها.

ماذا استفدنا من شجاعة هدى شعراوي، جدة الحركة النسوية العربية التي خلعت حجابها أمام الملأ بمعية ألوف النساء المصريات في قاهرة الثلاثينات؟ لقد اجتهد قاسم أمين سنة 1899 في كتاب دافع فيه عن تحرير المرأة ووجوب تخلصها من هذا القماش المقدس اليوم في مصر وأخواتها العربيات.

ذهب التونسي الطاهر الحداد في الثلاثينات من القرن الماضي نفس المذهب. أما منصور فهمي فقد ناقش أطروحة دكتوراه في باريس سنة 1913 حول ‘وضعية المرأة في الإسلام’ تحدث فيها عن تناقض بين القرآن والسنة واجتهادات العلماء. فكان مصيره الطرد النهائي من الجامعة المصرية. ماذا جنينا وهل اعتبرنا من كل هذا؟ هل تراكمت الاجتهادات وأنجزت قفزة نوعية أم ما زلنا كأننا لم نبدأ بعد؟ هل سنمضي حياتنا في الدنيا نجتهد في الاجتهاد وما بعد الاجتهاد إلى آخر أيامنا؟

إنه لمن الغرابة أن تكتب باحثة عربية كبيرة كتابا ضخما في نهاية ثمانينات القرن العشرين، 700 صفحة من الحجم الكبير ! لتُفنِّد حديثا نبويا متداولا هو “لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة “. لقد قامت بتحقيق دام سنوات طويلة متنقلة بين المتن والسند،لتقول لنا في “الحريم السياسي،الرسول و النساء” أن الإسلام لا يمنع النساء من تولي المسؤوليات السياسية. كل هذا من أجل هذا! ‘الجنازة كبيرة و الميت فأر’ كما يقول الجزائريون في مثلهم. لقد استحسن كل المثقفين ذلك الإنجاز وخاصة المفرنسيين آنذاك، لأن الكتاب مكتوب بلغة فُولتيرهم.

لكن هل إعادة نظر في حديث نقله أبو هريرة هو فتح معرفي يستحق الاحتفال ؟ بغض النظر عن إعجاب المعجبين، فإن نتيجة البحث لا تسمن ولا تغني من جوع. وإذا أردت أن أكون أكثر صراحة سأقول بأن لا قيمة لها إطلاقا. لنفترض أن الحديث كان صحيحا وأن الرسول قد قال ذلك فعلا وهو أمر ممكن جدا ولا أحد يستطيع نفيه أو تأكيده بصورة قاطعة. في هذه الحال ماذا كنا سنفعل بالمساواة السياسية بين المرأة والرجل؟ أنرغم النساء على البقاء بعيدات عن الحياة العامة؟ أنحبسهن في المطابخ؟ أردت أن أوضح من خلال هذه الشواهد كيف تمكن الأصوليون عن طريق هذا الاجتهاد اللانهائي وغيره من الخدع أن يطبعوا التفكير في العالم العربي ويسجنوه داخل حدود الفقه والرؤى الدينية.

لقد تمكنوا من أسلمة النقاش عموما. هل يستحق موضوع المغربية فاطمة والمصرية إقبال وغيرهما كل هذا الجهد المبذول، هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ ألا تدخل هذه الدراسات الاجتهادية في خانة المعارف غير المجدية؟ مهما كانت التأويلات ليبرالية فستبقى سجينة لرؤية الدين.

ومهما فعل المجتهدون فلا يمكنهم ردم الهوة بين تيار الحياة المتدفق وتعاليم الدين الثابتة. ما دام الدين بعيدا عن مكانه الحقيقي، فسيصطدم لا محالة مع الحياة. أقصر الطرق لمنع الصدمة هو فصل المقدس عن ‘ المدنس’. ليس معقولا أن يبقى المسلم مثل سيزيف، محكوما عليه أن يفسر ثم يعيد التفسير ثانية و ثلاثا ورباعا…وأن يبقى ضحية قراءات لا تنتهي. على المسلمين أن يتخلصوا من هذا البؤس الإبستمولوجي وأن يطلّقوا الاجترار إلى غير رجعة فلا معنى اليوم للجدل بين أهل الرأي وأهل الحديث. يبقى الاجتهاد عموما عقبة كأداء أمام كل محاولة فكرية تحاول صياغة نظرية جادة من أجل التحرر وأمام كل مسعى نضالي ينشد الديمقراطية.

يحصر الاجتهاد الفكر بين فكي كماشة : اتجاه حرفي ظلامي وآخر تأويلي إصلاحي. وهكذا يُعطَّل فتح طريق الحرية في أرض الله. بغض النظر عن الأصوليين،نجد حتى من اصطلح على تسميتهم بالمعتدلين، يعقدون آمالا كبرى على الاجتهاد ” يمكن للاجتهاد، يقول الدكتور علي مراد،أن يقدم إلى الأمة أجوبة ضرورية في حالة صمت المصادر الأخرى. فأمام لا نهائية المشاكل التي يطرحها تطور الحياة المعاصرة، يضيف أستاذ الصوربون غير آبه بمرور القرون، في الاجتهاد إمكانيات لا محدودة في الفهم وفي الخيال المبدع”.

(Merad Ali ,La tradition musulmane ,Que-sais-je ?PUF,2001,p.27)
ما يمكن قوله لاختزال القضية بسرعة هو أنه من المستحيل أن يتمكن الاجتهاد الممتطي دراجة عجلات مطاطية من متابعة تطور سيرورة المجتمع الذي يمتطي قطارا سريعا. لم يتمكن الفكر العربي-الإسلامي من التحرر من إشكالية التوفيق التي حبس نفسه فيها. وهو ما أجّل دوما طرح الأسئلة الحقيقية.

تاه الفكر في طرح سؤال دائم منذ ابن رشد مرورا بما سمي بعصر النهضة ووصولا إلى أيامنا هذه: هل نطبق النص القرآني بحرفيته أم نؤوّله ليتناسب مع تطور العصر؟ سؤال سيّء ألغى كل الأسئلة الجيدة التي كان في وسعها أن تفتح الفكر العربي على الدنيا وتخرجه من سجن اللاهوت. هل يشكل الإسلام جزءا من الدنيا أم الدنيا هي التي تشكل جزءا من الإسلام؟ الدنيا هي التي تحتوي الإسلام أم الإسلام هو الذي يحتوي الدنيا؟ على سذاجتها، تلك هي المسألة التي عطلت سير العرب نحو العصر.
“سبعة وعشرون اقتراحا من أجل إصلاح الإسلام” ذلك عنوان كتاب صدر في فرنسا سنة 2004.
(Vingt sept propositions pour réformer l’islam, Hachettes, 2004)

لا تكفي ألوف بل ملايين الاقتراحات لضمان تعايش سلمي بين الحياة والإسلام. توجد في المكتبة الإسلامية تلال من الكتب في المسألة، جعلتها الحياة لاغية قبل أن تقرأ أحيانا. يذهب أبو الاقتراحات، مالك شبل، في اتجاه سير الريح حينما يتأسف بدوره على ‘غلق أبواب الاجتهاد’، الذي كان حسبه إيذانا بنهاية كل أمل في إصلاح التراث الإسلامي. ودون خوف من أدنى حشو يتحدث عن ‘جمود دوغمائي’ كأن هناك دوغمائية منفتحة.

( Le Point ,H.S., novembre 2004). كانت الحياة ومشاغلها العملية أسبق وأكثر تقدما من النصوص الدينية والقانونية دوما.

كل بشر العالم يُكيفون نصوصهم بل يلغونها ليفسحوا المجال للتطور. تبقى الإنسانية المسلمة تصارع المستحيل وحدها، محاولة تكييف العالم مع نصوصها المقدسة. إن مثل الاجتهاديين كمثل الفَرنجة الذين يطاردون الكلمات الإنجليزية التي تغني اللغة الفرنسية في كل يوم. فهم في سباق دون خط وصول، يركضون ويركضون دائما ولكنهم يبقون متأخرين إلى الأبد.

أما المجتهدون فهم في خدمة الأصولية باقون وإن لم يشعروا. الأصولية تكتيك والاجتهاد إستراتيجية. وإذا أردت أن أحسن القول وأفرغ كل ما في جعبتي كما كان يحب أن يقول أحد أساتذتي المشارقة في جامعة الجزائر، أقول إن الاجتهاد هو التبييض لما اسودّ من الأفكار. هذا ما يجب قوله إذا أردنا أن نتحدث عن الاجتهاد بكل علمانية وإذا أردنا أن نتخلص من وسواس التكييف القهري الذي يستبد بأغلبيتنا رغم إدراكها عدم جدواه ومعناه.

لم أجد أي تفسير مقنع لحالة الأستاذ نصر حامد أبو زيد! كيف يمكن لعقل متنور كعقله أن ينتظر من هذا الاجتهاد فرجا وهو يعلم أكثر من غيره أنه رهان على حصان خاسر سلفا؟ يريد أبو زيد إعادة فهم الشريعة في ضوء العصر وينصح المسلمين بعدم سجن كلام الله في زمن نزوله، ويلاحظ أنهم حولوا القرآن إلى نص يكافئ و يزجر” أريد تحرير القرآن من هذا السجن، كي يصبح منتجا، لتتفتح من جديد الثقافة والعلوم والفنون المخنوقة في مجتمعنا” .

يقول لنا الأستاذ ضمنيا إن للشريعة صلاحية أبدية وهو ما ينادي به أولئك الذين اتهموه بالردة ونفوه وحاولوا تطليقه من زوجته باسم ذات الشريعة!
(Alternatives Internationales, mars-avril 2004)

تقول نُزهة غسوس، وكانت عضوة في اللجنة التي كلفها أمير المؤمنين محمد السادس بإعداد قانون جديد للأحوال الشخصية سمّي بالمدونة: “ينبغي على المثقفين المغاربة والجمعيات النسوية أن يصوغوا نصا صلبا يعتمد على المصادر الإسلامية لتبيان أن اقتراحاتهم غير مملاة من منظمات دولية أو منقولة عن ثقافات غربية، وإنما هي نابعة من التراث العربي الإسلامي” (المرجع السابق) ، فكأن التراث العربي الإسلامي ‘بزار’ يمكن أن نجد فيه التوابل الضرورية لطبخ حلول لكل مسألة تعترض حياة مسلمي بداية هذه الألفية الثالثة.

تحت ضغط الظلامية نعيش هستيريا الأسلمة، نحاول أسلمة كل ما يتحرك. رِجل في الماضي وأخرى في الحاضر. حانوت الأصالة من جهة، وسوبرماركت الحداثة من جهة أخرى. هل يمكن أن تتعايش البنى السوسيو-ثقافية الموروثة التي تؤطر العالم الإسلامي مع منهج وروح العصر؟ هل يمكن تزويج زمنين غير متراضيين؟ الزمن الرقمي والزمن الزراعي؟ إن الاعتراف بضرورة الاجتهاد هو قبول بقواعد اللعبة التي وضعها الإسلاميون ألا وهي عدم إعادة النظر في المساحة المتعاظمة التي ما انفك يحتلها الدين في المجتمع وفي الدولة. يمكن أن نضع في قائمة المجتهدين معظم المفكرين النقديين المعاصرين، بداية من المصري نصر حامد أبو زيد مرورا بالمغربي محمد عابد الجابري ووصولا إلى التونسيين محمد الطالبي و الشرفي وكل من يسميهم رشيد بن زين مفكري الإسلام الجدد.
(Les nouveaux penseurs de l’islam, Albin Michel,2004).

انتقد هؤلاء الخطاب الديني من داخل هذا الخطاب نفسه وبالتالي بقوا مسجونين في إشكالياته وأطروحاته، مما أدى بالفكر إلى اجترار ذاته والتراوح في نفس المكان. خطاب حول خطاب وتعليق على تعليق، “إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة”، يقول النفري والعكس هو الحاصل لدى الاجتهاديين المعاصرين، تضيق الرؤيا وتتسع العبارة. تتكاثر النصوص وتندر الأفكار. كثرة الشعراء وقلة الشعر.

ينتظر الوطن العربي من مفكريه وعلمائه تحريره من وصاية الدين والفقهاء. من واجبهم القيام بالقفزة النوعية التي تحرر الروح والفن والفعل الثقافي عموما من كل وصاية لاهوتية.

يجب تجاوز ما يسميه فرويد ‘طفالة ابسيكولوجية’ و ‘هذيان جماعي’، أي تجاوز العادات والأفكار الجاهزة والانتقال إلى مرحلة التفكير الحر. تلك هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تكسر حلقة الدوران في نفس المكان وتوقف التطبيع مع الأصولية.

من يتجول عبر الآثار التي تركها الحلاج وابن عربي والتوحيدي والمعري وكثير غيرهم، يقف على مدى الجفاف العقلي-الروحي الذي يعيش فيه أتباع محمد اليوم. هل نريد أن نكون اليوم أكثر إسلاما من الذين شيدوا ما سمي ‘حضارة عربية إسلامية’ ؟

هل احترم هؤلاء ما جاء في القرآن والسنة حرفيا؟ لقد رقصوا وغنوا وكتبوا الشعر وتذوقوا الخمر ومارسوا المثلية، فلم ينافسهم في ‘خمرياتهم’ أحد ولم يشق لهم في الغلاميات غبار…لا أضيف جديدا إن كتبت أن الحضارة العربية الإسلامية اسم على غير مسمى، بمعنى أنها لم تكن حبيسة تعاليم الدين. كان اللاهوت الإسلامي يحتل مكانا ثانويا أيام ازدهار هذه الحضارة. عندما كان الإنسان هو الذي يوجه الدين، وليس العكس، ازدهرت الفنون ضد الفقه وعرف المسلمون الموسيقى والزخرفة والرسم والنقش… والدنيويات كلها.

لا يمكن أن توجد حضارة محببة إلى النفس دون مجموعة من الرذائل اللطيفة، يقول الكاتب ألدوس هكسلي صادقا. إنها كذبة كبرى تلك المقولة التي تعزو تفوق الحضارة العربية الإسلامية في فترة من الفترات التاريخية إلى تطبيق الشريعة الإلهية. وهي كذبة رسمية تنشرها الكتب التدريسية في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. لو كان ذلك كذلك، لكان العالم العربي غارقا في الازدهار في هذه الأيام. فلم تمر عليه فترة تاريخية لعب فيها الإسلام الدور الرئيس أكثر من الفترة الراهنة. يقول الشاعر أدونيس إن كل عباقرة تلك الحضارة، من أبي نواس حتى المعري وكل كبار الشعراء والفلاسفة كانوا ضد الدين. فلا فكرة خرجت من الدين مباشرة كما يخرج العطر من الورد. فلو كان الأمر كذلك لما وجدت فلسفة أصلا بل لاقتصر الأمر على الفقه والشريعة.

( Le Nouvel observateur, du 09 au 15 novembre 2006 ). لكن هل كان أدونيس خير وريث لهؤلاء ؟ أتشهد بالشهادتين؟ “نعم لا إله إلا الله محمد رسول الله عشرات المرات”، يجيب رسول الحداثة الشعرية العربية.(الأهرام24/06/2006)

أخطر ما في العملية الاجتهادية هو أنها تقف سدا منيعا أمام التطور الحر وكذلك في كونها لا تترك أية فرصة للدين الإسلامي كي يصبح أكثر روحانية وتحرم الفكر الإسلامي من نعمة التخلص من الشمولية. الاجتهاد حداثة مضادة لا غير. أعتبر ابن المقفع أكثر حداثة من كل مجتهدي العصر الحالي، لا لشيء سوى أنه لم يبرر أمرا دينيا قط بل أخضع الدين ذاته إلى نقد جذري. لا يثمر الاجتهاد بأي شكل من الأشكال لأنه لا يسمح بالنظر الحر إلى النصوص الدينية، يعتبرها من البدء نصوصا مقدسة جامعة مانعة، فهي مصدر كل تفكير في الإنسان والكون والحياة.

ما أغرب موقف الاجتهاديين فكأني بهم يؤسلمون العقلانية و يعقلنون الإسلام على نهج الفيلسوف هيغل فيقولون لنا:’ كل ما هو عقلاني إسلامي وكل ما هو إسلامي عقلاني’. نراهم يقدمون للأصولية بهذا ‘الوعي السعيد’ خدمات جليلة في الوقت الذي يظنون فيه أنهم يعملون على تجاوزها. لا يمكن أبدا محاربة شر لا نؤمن في قرارة أنفسنا أنه كذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This