في الخطاب الشعريّ ” غير المفيد “: لماذا ينشد الشاعر شعرَه؟

بين ما أراه وما أقوله

بين ما أقوله وما أصمت عنه

بين ما أصمت عنه وما أحلم به

بين ما أحلم به وما أنساه

هناك يكون الشّعر!

أوكتافيو باث

تطّـرد في الشّعر العربي قديمه(أبو تمام مثلا) وحديثه( أدونيس أو أنسي الحاج أو شوقي أبي شقرا أو حسن نجمي…) تراكيب استعاريّة قد تكون من التّجريد والإحالة، بحيث لا يجدي القياس اللّغويّ ولا يغني في اكتناه معناها؛ بل ربّما ليس ثمّة معنى أصلا وإنّما دلالة. فأيّ معنى يمكن أن يحوزه القارئ من قصيدة أبي شقرا”الشمع” مثلا غير شمعيّة الشّمع ولونيّة اللون(الأحمر)أو تبادل الأدوار بين الحيوان البشري والحيوان الحيواني؟أيّ معنى غير واقعيّتنا السّاذجة نحن الذين نعتقد أنّنا نرى الأشياء كما هي،ولا نميّز بين مظهرها وحقيقتها؟

رفعت أصبعي وارتفع رأس الحصان،

لن أرجع إلى الإسطبل.

عبرت الإناء

ذاب الشّمع الأحمر،

ذاب الغجر.

(حيرتي جالسة تفّاحة على الطّاولة،المؤسّسة العربيّة للدراسات والنّشر،بيروت ط1/1983 ص.25)

لوتـمثّلت أنا (منصف الوهايبي) /الآن(العاشرة والنّصف صباحا،الأربعاء13فيفري2008)/هنا(بيتي في الطرف الجنوبي من القيروان) بالطّاولة التي أجلس إليها وأكتب عليها:ما لونها؟أظنّه الرّمادي أو لأقل إنّه بين الأحمر والرّمادي.بل يتهيّأ لي أنّه يتغيّر باستمرار،حسب الضّوء الذي ينير لون الطاولة؛وهو ليس إلاّ ضوء الشّمس متسلّلا من النافذة المفتوحة. ضوء لا هو بالأبيض ولا هو بالأصفر،يكاد لا يوفّر لي سوى الحدّ الأدنى من درجات التّمييز الإدراكي.وأقول بلسان صديقتي الشاعرة البرتغاليّة روزا أليس برانكو:

القارئ هو دائما

في مستقبل اليد التي تكتب

وهو دائما

في ماضي القصيدة التي يقرأ

(ما ينقص الأخضر ليكون شجرة، ت. منصف الوهايبي بمشاركة الشاعرة،ط1،سلسلة كتاب تمبكتو،تونس2002ص 27)

إذن ليس بميسورنا- مهما جاهدنا- أن نعيد ترتيب القراءة في هذا الشعر وفي غيره،أو أن نتميّز تلك الأزمنة الثـّلاثة التي يقول بها الآخذون بـ”جماليّة التلقّي” والتي يمكن أن نستدلّ بها على مدارج القراءة والطّريقة التي تتقدّم بها إلى النصّ،وهي:

أ- الإدراك أي اكتشاف النصّ.

ب- الفهم أي استذكار النصّ أو استعادته على نحو يتملاّه لا في مجرى اكتشافه وإنّما من حيث هو كليّة معطاة.

ج- التّأويل الذي يعيد النصّ إلى أفق كتابته من جهة، وإلى شتّى آفاق القراءات المتعاقبة عليه من أخرى .

وربّما لا مسوّغ لهذه الصّعوبة،سوى غياب ما يسمّى ب”التّصفّح الزّمني”لا في قراءات القدماء فحسب،وإنّما في قراءاتنا نحن المعاصرين أيضا.

ولذا جاز للآمدي مثلا أن يصف هذا الخطاب”الغامض”أو”المستغلق”أو”غير المفيد” عند أبي تمّام بــ “الهذر” أو”اللّغو” عديم الجدوى.وهو الوصف الذي ما زال كثير أو قليل من “بني قومنا” يسبغونه على أكثر شعرنا العربيّ الحديث.فكلّما أوغلت الصّورة في التّجريد، ولم تتلاق معاني الكلمات على الوجه الذي يقتضيه العقل، تصرّمت الرّوابط بالواقع، واضمحلّ المدلول والشّيء، وتعطّلت وظيفة الإبلاغ، ومعها تعطّل الفهم. فلا الدّالّ يستدعي نفس المدلول عند المتكلّم والسّامع كليهما، ولا الكلمة موضوعة في سياق معهود تمتح منه مادّتها، وتوفّر على القارئ ضمانة ثبات معنويّ.وإنّما مبادرة من المتكلّم (الشّاعر) في تخيّر الدّوالّ واستبدالها والتّلاعب بها .

هل من دلالة لهذا الخطاب؟

لهذا الخطاب في تقديرنا أكثر من دلالة. فالخطاب “غير المفيد” ينطوي – في ما يتهيأ لنا – على دلالة ثقافيّة عميقة الغور، ويصعب أن نفهمه ونفهم موقف القدماء منه في التّراث النّقدي،ما لم ندرك مكانة الشّعر في ثقافة العرب قبل الإسلام،وأسباب عنايتهم به وتأثّرهم له وحسن اعتقادهم فيه بعبارة ابن سينا[1].

وهو اعتقاد لم يهتزّ إلاّ مع الحدث القرآنيّ ثم مع الكتابة الديوانيّة في العصور المتأخّرة[2]. فقد أرست صورة الشّاعر “القرآنيّة “[3]، فكرة القطيعة بين الوظيفة الشّعريّة ونشدان المعرفة، وميّزت بين قول الشّاعر وفعله. بل جعلت هذا نقيض ذاك، رغم أنّ الأمر في الشّعر يتعلّق بفعل القول أو صنعه أي إنّ الفعل في القول وليس خارجه.ومهما يكن فقد نزع القرآن إلى إنزال الشّاعر من “منزلة أشرف العالم وأفضلهم “[4]،ومن مرتبة “السّاحر” إلى مرتبة “الصّانع” وإحلاله سهل الأباطح، وهو الذي ذهب بصورة الشّاعر من حيث هو ظلّ لقوى غيبيّة مرهوبة تعلّمه الشّعر؛ على إقراره بوجود”شياطين الشّعر “. ولكنّ القرآن اتّخذها وسيلة للنّيل من سلطة الشّعر، والغضّ من شأن الشّاعر ونسخ تأثيره، حتى لا يقاس النّبيّ والشّاعر بمقياس واحد، ولا توزن اللّغة الوحي بميزان اللّغة الشّعر.وهذه الأسطورة ـ وفيها تتجلّى روح دينيّة من نوع آخرـ قد تنمّ على رغـبة الأقدمين في التّسامي بالشّاعر من حيث هو “كائن خاصّ” وبـ “الشّعر” باعتباره لغة خاصّة؛ وإن كنّا أميل إلى القول بأنها تفسّر امتناع “الشّعر” على أيّ حدّ.فهو نبت اللّغة وثمرة الأسطورة؛ وكأنّه لا يستشفّ إلاّ بالحدس والظّنّ. على أنّ القرآن وإن عرّض بصدق الشّاعر، وأخذ عليه انصرافه عن تقدير الحقيقة، ونعته بالهيام أو الجنون والوسواس والحيرة وذهاب العقل[5]، فقد بسط للشّعر والنّقد كليهما أمدا فسيحا،وكان ذلك دون قصد لا شك. وما نخال مقولات القدامى في الكذب والادّعاء والإيهام والتّخييل وعزل الشّعر عن الدّين،وهي مقولات”براغماتيّة”، إلاّ إحدى ثمرات النّصّ القرآنيّ،وقراءاتهم فيه.

أمّا إذا انتقلنا من هذا العامّ الثّقافيّ إلى الخاصّ الشّعريّ، فإنّ الخطاب “غير المفيد” فعل لغويّ “ترابطيّ” أو “علائقيّ” Relationnel خالص،فقد يقارب الهمس أو السّرّ أو النّجوى، وقد يلابس الصّائت من الكلام، وكأنّه يحلّ محلّ الصّمت. وهو في الحالين كليهما يذكي التّواصل اللّفظيّ أو التّخاطب الجماعيّ،وخاصّة كلّما تكثّفت فيه الحوامل الإيقاعيّة البلاغيّة من جناس وطباق وترديد و”ضديد”Oxymore وغيرها. فهي تتيح للكلمة أن تستعيد أجراسها وأصواتها التي طوت عليها الكتابة، وكأنّ الكلمة مكتوبة محاكاة للكلمة منطوقة. وهذه طريقة من بين طرائق شعريّة شتّى تجريها الكلمة لــ “تشْفيه” خطابها، وجعل القصيدة قابلة للإنشاد وأداء تخاطب قد يكون أبعد أثرا في المتلقّي وأشدّ تأثيرا، حتّى وإن خفي عنه المعنى الخاصّ كما هو الشأن في أكثر الاستعارات “المستغلقة”، أو هو لم يصب من القصيدة إلاّ معناها الكلّيّ الرّاجع إلى خصائص الموضوع.

أمّا في الشّعر الحديث، فالأمر أشبه بالموسيقى التي يمكن أن يسمعها المرء دون أن يستمع إليها، أو بصلاة الجماعة وما يتخلّلها من تلاوة أو ترانيم كثيرا ما تؤدّى بصورة لا إراديّة [6]. ولا ينبغي أن ننسى أنّ القصيدة العربيّة هي “قصيدة الحفل” بامتياز؛ لا عند القدامى فحسب،بل عند المعاصرين أيضا الذين يحبّون أن ينشدوا شعرهم (أدونيس،محمود درويش،أحمد عبد المعطي حجازي،محمّد عفيفي مطر،محمّد بنّيس، شوقي بزيع،محمّد علي شمس الدين، أمجد ناصر،محمّد الغزّي…) فالقصيدة العربية موضوع إنشاد وسماع في آن،إلاّ عند قليل من الشّعراء لا يحفلون بهذا الجانب(أنسي الحاج،شوقي أبي شقرا، باسط بن حسن،سيف الرحبي…) فإذا تحوّلت إلى نصّ يقرأ أو إلى موضوع من موضوعات النّقد، كنّا حيال مسألة من نوع مختلف، إذ ننتقل من نمط من التّلقّي إلى آخر. وما يمتع أو يفيد في الحالة الأولى قد لا يمتع أو يفيد في الحالة الثاّنية. والعكس صحيح أيضا. وربّما كان الممتع المفيد حاصلا في كليهما، ولكن من الصّعوبة بمكان أن نقول بتماثله في الحالين؛ فشتّان ما بين إدراك سمعيّ (زمانيّ ) وإدراك بصريّ ( مكانيّ).

فقد يمتع النّصّ إنشادا أو سماعا وقد تكون له روعة أو مسحة من جمال؛ ولكنّها متعة قصيرة العمر، وروعة هباء لا نخالها تعمّر ولا هي تدوم. والسّؤال:إذن لماذا ينشد الشّاعر شعره؟وكيف؟

——————————————————————————–

[1]       حازم االقرطاجنّي، منهاج البلغاء وسراج الأدباء ص.121 ومابعدها، نقلا عن ابن سينا

[2]       انظرللتّوسّع، الفت كمال الرّوبي، الموقف من القصّ في تراثنا النّقدي ّ، ص141 ومابعدها.

[3]       سورة الشّعراء /221 ـ227

[4]       المنهاج ص.124

[5]       الآية ” في كلّ واد يهيمون “. وانظر ” هام ” وشتقّاتها (اللّسان ).وانظر رأي الجاحظ في أسباب نشوء فكرة شياطين الشّعر، فقد ردّ ذلك إلى الوحشة والانفراد والبعد من الأنس،واعتبره من التّوهّم والخيالات الفاسدة وانتقاص الأخلاط. الحيوان6/146 و225 و248

·
[6]      انظر المصطلح الفلسفيAutomatisme

· Pierre Van Den Heuvel,Parole Mot Silence ,Librairie José Corti 1985 p.62

وعزّالدّين اسماعيل، الأسس الجماليّة في النّقد العربيّ، ص.68

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This