قراءات الصيف: سيرة رامبو

استمتعت كثيراً هذا الصيف بقراءة سيرة رامبو التي كتبها الباحث جان جاك لوفرير. وهي أضخم سيرة ظهرت عن هذا الشاعر حتى الآن، إذ تجاوزت الألف ومائتي صفحة من القطع الكبير! ومنذ البداية يحق للمرء أن يتساءل: هل بقي شيء لم يكتشف بعد عن رامبو؟ ألا تكفي مئات الكتب التي ظهرت عنه في مختلف اللغات من فرنسية وانجليزية خصوصاً؟ ثم كيف يمكن يمكن لشاعر لم يمارس كتابة الشعر أكثر من أربع أو خمس سنوات على اكثر تقدير (بين السادسة عشرة والعشرين) أن يشغل العالم كله إلى مثل هذا الحد؟ كيف يمكن لشاعر يمكن حصر  قصائده في ديوان صغير الحجم أن يبقى حاضراً بكل هذه القوة الى يومنا هذا؟ ما هو سر هذا اللغز المحيّر؟ يقول المؤلف على صفحة الغلاف الأخير للكتاب: ولد آرثر رامبو في مدينة “شارلفيل” في شمال فرنسا عام 1854، ومات في مارسيليا عام 1891 عن عمر لا يتجاوز السابعة والثلاثين عاماً. وكل أعماله الشعرية تنحصر في مائة صفحة، على الأكثر. ولكن على الرغم من مرور أكثر من قرن على موته إلا أن قصائده لا تزال تمارس قدرة انفعالية هائلة على القراء، ولا تزال تحتفظ بحداثة حقيقية وكأنها كتبت البارحة. إن أعماله الشعرية تقع خارج كل أدب معروف وربما تعلو على كل أدب ممكن، كما قال الناقد فيليكس فينيون عام 1886 عن “الإشراقات”. ولكن فيرلين يعتقد أن هذا الكلام ينطبق على كل أشعار رامبو وليس فقط على الإشراقات. إنه شعر يقع خارج كل شعر، وربما يعلو على كل شعر…انتهى كلام الناقد جان جاك لوفرير.

الشيء الطريف الذي نكتشفه في هذه السيرة الجديدة هو أن رسالة رامبو المشهورة باسم “رسالة الرائي” والتي أصبحت فيما بعد بمثابة النص المؤسس للحداثة الشعرية العالمية وليس فقط الفرنسية كانت قد بيعت مؤخراً للمكتبة الوطنية الفرنسية بمبلغ ثلاثة ملايين فرنك فرنسي!.. وهي لا تتجاوز الثلاث او اربع صفحات.في الواقع انها مؤلفة من رسالتين متتاليتين، الأولى موجهة الى أستاذه جورج ايزامبار، والثانية الى صديقه بول دومني، ولكنهما تشكلان رسالة واحدة في نهاية المطاف. وفيها يدين الرثاثة الشعرية العتيقة والرومانطيقية الباهتة ويقوم بأكبر انقلاب على الشعر الفرنسي. كما انه يدشن الأدب الجديد ويرسم الخطوط العريضة لشعر المستقبل: أي لشعره هو بالذات. ولكن هل نعلم أن رامبو  عندما أرسلها عام 1871 الى أحد أصدقائه لم يكن يمتلك ثمن الطابع البريدي لكي يضعه عليها، فاضطر هذا الأخير إلى دفعه لكي يستطيع استلامها؟.. وهذا يذكرنا بقصة الرسام فان غوخ الذي تباع لوحاته الآن بمئات الملايين من الدولارات في حين أنه كان يتضوَّر جوعاً عندما كان يرسمها!… مهما يكن من أمر فإن رامبو صفّى حساباته مع معظم الشعراء السابقين أو المعاصرين له في هذه الرسالة الشهيرة ودعا إلى انطلاقة جديدة في الكتابة الشعرية. بل إن هذه الرسالة التي لا تتجاوز الثلاث صفحات تشكل قطيعة مطلقة مع الماضي. من هنا يمكن أن نفهم جملته الشهيرة: ينبغي أن نكون حديثين بشكل مطلق. لم يعرف تاريخ الشعر ثورة راديكالية في مثل هذا الحجم والمستوى، ربما ما عدا لوتريامون، ذلك المجنون الآخر.. بل إنه طبق هذه الثورة على نفسه فدعا صديقه إلى حرق –أو تمزيق- ديوانه الشعري الأول الذي كان مودعاً عنده! ولحسن الحظ فإنه لم يفعل. ولو أنه فعلها لكنا خسرنا بعضاً من أجمل القصائد وأكثرها براءة (ألح على كلمة براءة هنا، لأن الشعر إذا تحول إلى تكلُّف أو اصطناع أو عُهر فقد معناه أو مشروعيته). الشاعر ينبغي ان يسكت في لحظة ما اويعرف كيف يسكت. وشعر رامبو كله يمكن تلخيصه بكلمة واحدة: البراءة الأصلية، البراءة الأساسية، البراءة المطلقة، البراءة التي لا تشوبها شائبة. لقد دخل الشاعر الثانوي “بول دومني” التاريخ فقط لأنه لم يمزق ديوان رامبو الأول. وكفاه فخراً أنه حافظ عليه أو رماه في أحد أدراجه العتيقة دون أن يعرف أهميته.. ولكن عندما استشعر الأمر بعد سنوات طويلة وعرف أنه يمتلك كنزا في بيته راح يساوم عليه مادياً دور النشر لكي يفكّ ديونه… عندئذ كانت شهرة رامبو قد ابتدأت تنبثق وتصعد رويداً رويداً حتى قضت على كل شهرة أخرى.. البعض يعتقد أن مانيفست الشعر الجديد، أي رسالة الرائي، لا ينطبق إلا على “الإشراقات” حيث تحلّل رامبو كلياً من قيود الأوزان والقوافي.. ولكن ماذا نفعل بـ”فصل في الجحيم”؟ وماذا نفعل بقصائد خارقة مثل “بوهيميتي”، أو “الحانة الخضراء”، أو “أحاسيس”، أو سواها؟! وهي من أوائل ما كتب. فـ”فصل في الجحيم” يمكن اعتباره كقصيدة نثرية أو كقصيدة تفعيلة في بعض الأحيان، أما القصائد الأولى التي ذكرنا عناوين بعضها فكانت لا تزال تتبع الوزن والقافية تماما. كانت مخلصة لعمود الشعر الفرنسي. لكن ما أجملها وما أطيبها! في الواقع ان رامبو، وكما تقول الناقدة سوزان برنار، كان يتحلّل في كل مرحلة من قيود جديدة حتى وصل أخيراً إلى شكل شعري حر تماماً. لقد خلع قيوده كليا وتحول الشعر الى هواء منبث، الى أثير.. ولا ريب في أن “الإشراقات” تجسد هذا الشكل الشعري الذي سعى إليه رامبو واعياً أو غير واع منذ البداية. ولكنه لم يستطع أن يتوصل إليه إلا في خاتمة مساره الشعري. وهذا أمر طبيعي: فالانفلات من كل القيود ليس عملية سهلة، ولا يمكن أن يتمّ دفعة واحدة وانما على مراحل. وشعراء الحداثة العربية ابتدأوا هم ايضا بكتابة الشعر العمودي الموزون، ثم انتقلوا إلى قصيدة التفعيلة كحل وسط، قبل أن ينتهوا أخيراً إلى قصيدة النثر.. وبالتالي فإن التطور الذي مرّ به رامبو يعتبر نموذجاً كلاسيكياً لكل ما حصل فيما بعد.

يلاحظ المؤلف أن النظرية الشعرية الجديدة التي أتى بها رامبو لم تؤثر على شعراء جيله، بل ولم يسمعوا بها على الإطلاق! وهذا شيء لا يكاد يُصدَّق بالنسبة لنا نحن المعاصرين. ولكن أليس الرواد يجيئون دائما قبل الأوان؟ من عرف أهمية نيتشه في وقته او هولدرلين او كافكا او فان غوخ او بعض المجانين الآخرين؟ لا أحد تقريبا. ولكن شعراء القرن العشرين راحوا يعتبرون رسالة الرائي بمثابة إنجيل الحداثة ويتمسكون بها حرفياً. نضرب على ذلك مثلاً: السورياليين. وهم لم يتمسكوا بها فقط كشكل شعري تحريري أو محرَّر، وإنما كتصرف أو كسلوك يومي. فرامبو دعا، كما نعلم، إلى خلخلة الحواس، وإلى الانخراط في كل التجارب الجنونية والحياتية البوهيمية.. والسورياليون راحوا يمارسون كل أنواع الشذوذ أو الجنون في شوارع باريس ومقاهيها، وأثاروا عليهم غضب الرأي العام والأخلاق التقليدية المحافظة. وكثيرا ما كسروا الكؤوس والأواني في مقاهي باريس من خلال معارك صاخبة مع بعضهم البعض او مع آخرين. وهي معارك مفتعلة لا هدف لها الا التخريب والمتعة في الخروج على المجتمع التافه. فالبورجوازية الفرنسية سواء أكانت كاثوليكية أم علمانية كانت تخشى الشغب والخروج على المألوف. وبالتالي فقد أدانت ممارسات هؤلاء الشعراء أو الفنانين الذين لا يحترمون أي شيء. فبحجة الإبداع أصبح كل شاعر يبيح لنفسه أن يخرج على المألوف في لباسه أو سلوكه بشكل استفزازي، وأحياناً مجاني. ولكن إذا كان رامبو الذي أسَّس هذا السلوك الفوضوي أو العدواني معذوراً لأنه كتب قصائد خالدة تبقى على الدهر، فماذا يمكن أن نقول عن الآخرين؟ فليس كل من جنّ وحطم التقاليد وهاجم المجتمع  هو رامبو… بل إن بعضهم أصبح يفعل ذلك بشكل مصطنع لكي يقال عنه بأنه شاعر حقيقي أو فنان مجنون، وهو أبعد ما يكون عن الشعر أو الفن أو حتى  الجنون.. يقول جان جاك لوفرير: إذا ما نظرنا إلى هذه الرسالة التي تنظّر لشعر المستقبل من منظورنا اليوم فإن ما يدهشنا فيها، بل وما لا نكاد نستطيع تصديقه، هو أنه كتبها طفل لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره!… والشيء الذي يدهشنا أيضاً هو القوة الاقتناعية التي تنطوي عليها، وكذلك إرادة التضحية بكل شيء من أجل قضية الشعر.. ثم هناك أشياء أخرى لا تقل أهمية هي: احتقار رامبو شبه المطلق لجميع الأشكال الكلاسيكية للشعر، ورفضه القاطع لجزء كبير من الشعر الحديث نفسه. وفي حملته الشعواء على جميع الشعراء لا يكاد يوفّر إلا بودلير وفيرلين. بل وحتى بودلير الذي اعتبره ملك الشعر، اله حقيقي، عاب عليه التزامه بالشكل التقليدي التافه للشعر.. هذه الانتفاضة الاحتجاجية ضد كل شيء هي سرّ السحر الذي لا يزال يمارسه رامبو على الأدب والأجيال المتلاحقة. هذا التعلّق بالحرية الحرة، أي الحرية المطلقة التي لا تعرف الحدود هو الذي لا يزال يمارس تأثيره المغناطيسي علينا حتى الآن… يقول فيرلين الذي استقبله في باريس وحقق له حلمه في التعرف على أوساط الأدباء والكتاب لكي يجرب حظه في العاصمة: “في اليوم التالي لوصوله رحت أتجول معه في الشوارع والأزقة لكي أعرّفه على معالم باريس. ومن خلال ملاحظاته وتعليقاته تأكدت أن هذا الشاعر ذا الوجه الطفولي هو شخص متمرد بعمق على التربية التي تلقاها وعلى المجتمع بأسره. والشيء الذي أدهشني هو أنه لا يعترف بأي مرجعية عليا في مجال الأدب تقف فوق رأسه. فكيف يمكن لمراهق لا يتجاوز السابعة عشرة من العمر أن يزدري كل الشعراء الفرنسيين الكبار، السابقين منهم واللاحقين؟ من أين جاءته كل هذه القوة والعنفوان لكي يتحدى الجميع ويصبح هو المرجعية الوحيدة لنفسه؟ شيئ لا يكاد يصدق. بل وحتى أشعاره السابقة راح يتحدث لي عنها بنوع من الاحتقار. وقال لي بأن الشيء المهم هو ما سيفعله لاحقاً لا الذي فعله حتى الآن. وكان كلامه استشرافياً نبوئياً لأنه تحقق فيما بعد من خلال “فصل في الجحيم” و”الإشراقات”. وخلال جولاتنا العديدة في الحي اللاتيني وغيره استعرض أمامي أفكاره الأساسية فيما يخص الكتابة الشعرية”…انتهى كلام فيرلين.

قبل أن يصل رامبو إلى باريس كان قد كتب قصيدته المشهورة “القارب السكران” لكي يعرضها عليهم هناك. كان يريد أن يصعق شعراء العاصمة من أول “ضربة” إذا جاز التعبير، كان يريد أن يهيمن عليهم فوراً وبالضربة القاضية. فالقادم من الأرياف أو الأقاليم البعيدة ينبغي أن يثبت مهارته في العاصمة وإلا احتقروه ورموه في سلة المهملات.وهناك دائما عقدة لنا نحن أبناء الارياف تجاه العواصم وكتابها وسكانها. وكان يعرف أنه تجاوز بهذه القصيدة الموزونة المقفاة فيكتور هيغو، وربما حتى بودلير نفسه. إنها قصيدة عصماء تكفي وحدها لتخليده كما يقول ايف بونفوا. فلو لم يكتب غيرها لكفاه شعراً… وعندما قدمه فيرلين لهم في اجتماع حاشد نهض هذا الشاب الصغير، او بالاحرى هذا الطفل، وأنشدها كلها دفعة واحدة. وكان الذهول… يقول أحد الحاضرين معلقاً على الحدث: “قدم لنا فيرلين مؤخراً شاعراً مرعباً ذا وجه طفولي لا تكاد تعطيه أكثر من ثلاثة عشر سنة… إنه طفل يمتلك خيالاً ذا قوة كاسحة، وهيبة. وقد سحر جميع أصدقائنا، بل وأرعبهم. إنه عبقرية تصعد، ولا يستطيع أحد أن يقاومها…” الشيء الذي أدهش الحاضرين هو ذلك التفاوت الهائل بين الشكل الطفولي لهذا الشاعر، وبين النضج الشعري والفكري المبكر الذي يكاد لا يصدق. وهناك شيء آخر أدهشهم فيه هو: التناقض الكبير بين نزقه وفوضاه من جهة، وعبقريته الشعرية من جهة أخرى. فهو أزعر حقيقي لا يحترم أحداً ولا يقدر شيئاً. انه يدوس على كل شيئ في طريقه. ولكنهم لو قرأوا رسالة الرائي مسبقاً لما كانوا قد دهشوا لمثل هذا التصرف. فصاحب “القارب السكران” يتقصَّد الإساءة تقصداً، ويفتعل المشاكل مع الآخرين عن سابق عمد وتصميم لأنه يعتبر أن خلخلة كل الحواس والخروج على كل القوانين والآداب هو أساس برنامجه الشعري. فالشعر لم يكن يمارسه رامبو فقط نظرياً، وإنما عملياً أيضاً: أي جنونياً. وكان يعتقد أنه لن يستطيع التوصل إلى القصائد النادرة إلا إذا عاش فوضاه السلوكية إلى أقصى حد ممكن وانتهك كل المحرمات. وحتى الشذوذ الجنسي لم يجربه على ما يبدو حبا به او كرها بالمرأة وانما فقط من اجل الرغبة في التجريب والخروج على المألوف. فاكتشاف المجهول أو ما لا يُرى لا يتحقق إلا بعد أن تجرِّب نفسك في كل الاتجاهات بدون أي رادع أو وازع أخلاقي. المجهول لا يعطي نفسه إلا لمن يخلخلوا أنفسهم حتى الجنون، ويدفعوا الثمن. وقد دفعه باهظا ونتج عن ذلك ديوانه الشهير: فصل في الجحيم. فهو عبارة عن تصفية حسابات مع نفسه بعد ان عاش تلك الحياة الجهنمية المتحللة من كل القيم الأخلاقية مع فيرلين. ولكنه صفى حساباته ايضا مع الدين والكنيسة والبورجوازية والمجتمع الصناعي واستهزأ حتى بفكرة التقدم وحقوق الانسان وكل شيئ..فصل في الجحيم هو عبارة عن تحليل نفسي لشخصية رامبو وقطعة من سيرته الذاتية. انه خارج كالحمم والشظايا من أعماق أعماقه. عندما سألته أمه عما أراد قوله في هذا الديوان الذي لا يتجاوز الثلاثين صفحة أجابها قائلاً: إنه يقول ما يقوله حرفياً وفي كل الاتجاهات.. وسواء أكانت هذه القصة صحيحة أم مختلقة ،سواء أكان يستهزئ بأمه أم لا، إلا أنها تعبر عن شخصية رامبو. فكلامه الشعري يذهب في كل الاتجاهات ويحبل بأكبر قدر ممكن من المعاني والدلالات. انه شعر منفلت، متشظ، حر. هذا لا يعني بالطبع أنه لا معنى له كما زعم بعضهم، ولكن معانيه عميقة ومتعددة وغامضة. كما أنها متشظّية كحياته الخاصة بالذات. فالشعر لكي يعبر عن كلية الواقع أو عن كثافة التجربة لا يستطيع أن يستخدم لغة مسطَّحة، أحادية المعنى، كما تطالب بذلك الأذن التقليدية. لا. الشعر الحديث غامض، معقد، ويذهب في كل الاتجاهات كالحياة نفسها. بهذا المعنى يمكن القول بأن رامبو كان مؤسس الحداثة الشعرية. إنه مؤسس الغموض الواضح، أو الوضوح الغامض اذا جاز التعبير. ويشهد على ذلك ديواناه الأساسيان: فصل في الجحيم، والإشراقات. كل الشعراء الذين جاؤوا بعده عالة عليه. كلهم خرجوا من معطفه بمن فيهم شعراء الحداثة العربية. كما أنه مخترع المجازات الهائلة أو الصور المبتكرة التي لا تزال تهيمن علينا حتى الآن. ليس غريباً اذن أن يكون الشاعر الفرنسي المعاصر يوجين غيلفيك قد طرح هذا السؤال: هل يحق لنا أن نكتب الشعر بعد رامبو؟ أليس عيبا أن نستمر في عملية الكتابة؟ وماذا بقي لكي نكتبه؟… فقد استنفد كل الطاقة الشعرية للغة الفرنسية… أما مالارميه فيصفه بعبارة واحدة تنطبق عليه تماماً: العابر الضخم. هذا الشخص الذي عبر في سماء الشعر كالنيزك المارق، من يستطيع أن يقيس حجم تأثيره على الشعر الفرنسي؟ صحيح إنه عابر، ولكنه ضخم… أربع سنوات أو خمسة كانت كافية لتغيير خريطة الشعر الفرنسي، وربما العالمي. لكن لنستمع إلى بعض المقاطع من “فصل في الجحيم” قبل أن نغلق هذه المقالة:

“لقد ورثت عن أسلافي الغاليّين العين الزرقاء البيضاء، والمخ الضيق، والرعونة في الصراع. وأجد ملبسي همجياً كملابسهم. ولكني لا أدهن شعري بالسمن.

الغاليّون كانوا سلاّخي الحيوانات، حارقيّ العشب الأكثر حماقة في زمنهم.

عنهم ورثت: الوثنية والرغبة في انتهاك المحرمات. آه! ورثت كل الرذائل، الغضب، الدعارة –يا لها من رائعة تلك الدعارة- ورثت خصوصاً عادة الكذب والكسل.

عندي تقزُّز من كل المهن. أرباب عمل وعمال، كلهم فلاحون، خسيسون. اليد التي تكتب تساوي اليد التي تفلح. يا له من قرن مليء بالأيادي! أبداً لن تكون لي يدٌ. أبداً لن أشتغل. ذلك أن عقلية العبودية تقود بعدئذ بعيداً. شرف التسوّل يزعجني. المجرمون مقزِّزون كالمخصيّين: أنا سليم، وسيان عندي.

ولكن! من جعل لغتي خؤونة إلى درجة أنها قادت كسلي وحافظت عليه؟ لقد استطعت ان أعيش بدون أن أستخدم حتى جسدي، وكأكثر عطالة أو بطالة من الضفدع، رحت أعيش في كل مكان. لا توجد عائلة في أوروبا إلا وأعرفها –أقصد عائلات كعائلتي، عائلات تستمد كل قيمتها من حقوق الإنسان- لقد عرفت كل ابن عائلة باسمه الشخصي!

هل لي أسلاف في لحظة ما من تاريخ فرنسا!

لا، أبداً، لا شيء.

من المؤكد أني كنت دائماً من جنس متدنٍّ. لا أستطيع أن أفهم التمرد. جنسي لا ينتفض إلا لكي ينهب ويسلب: تماماً كالذئاب التي تأكل الذبيحة التي لم تقتلها.

أتذكر جيداً تاريخ فرنسا البنت البكر للكنيسة…” إلخ..

ثم هذه القصيدة الموزونة المقفاة في النص الفرنسي والتي هي من أوائل ماكتب. وفيها تتجلى البراءة البكر للشعر. ولحسن الحظ انها وصلتنا:

أحاسيس

في الأمسيات الزرقاء للصيف، سأذهب في الدروب

موخوزا” بسنابل القمح، سوف أدعس الاعشاب الصغيرة:

حالما”، سوف أشعر بطراوتها على قدمي.

وسأترك الريح تبلل شعري العاري

لن أنطق بحرف، لن أفكر بشيئ:

ولكن الحب اللانهائي سوف يصعد في أعماق روحي

وسأذهب بعيدا”، بعيدا” جدا”، كبوهيمي

في الطبيعة، سعيدا” كما لو اني مع امرأة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This