لقاء التنافر: النصّ الإبداعيّ في مواجهة نصوص القانون

يحمل كتاب الباحثة المغربية وفاء سلاوي المعنون “فقه المحاكمات الأدبية والفكـرية:دراسة في الخطاب و التأويل” ما يتجاوز حصر نماذج معينة لإحالة الأعمال الفكرية إلى ساحات المحاكم للفصل فيما إذا كان العمل الأدبي أو الفكري يمثل تهديدا لما يعرف في الخطاب القانوني والسياسي السلطوي بـ “النظام العام”، بل إنه يهدف بصورة أدق إلى النظر في طبيعة النص القانوني (المواد القانونية المختلفة التي تتعامل مع الرأي و التعبير) وكيفية تطبيق منصات المحاكم لهذه المواد القانونية وعلاقتهما معا بقضية “حرية الرأي و التعبير” في أعمال الأدب و الفكر.

وإحدى مقولات الكتاب الأساسية هي أن هناك حالة تواصل تاريخي لـ “محاكمة الرأي و التعبير”،سواء كانت من خلال محاكمة الفيلسوف اليوناني سقراط في عام 399ق.م ، مرورا بقتل ابن المقفع و بشار بن برد في الحضارة العربية الإسلامية، أو الهجوم على الروائي الإيرلندى جيمس جويس (1882-1941) على خلفية روايته يولسيس والتي اأتهم من خلالها بأنه يقوض اللغة الإنجليزية، وصولا إلى قيام محكمة بتكفير نصر حامد أبو زيد والتفريق بينه وبين زوجته على خلفية الفرضيات التي انطلق منها في أبحاثه التي قدمها للجنة الترقية بجامعة القاهرة.

وتنظر الباحثة إلى عملية “التقاضي” وشكل تعامل سلطة التحقيق (النيابة) أو منصة القضاء مع العمل الأدبي، على أنها تأرجحت بين موقفين حديين، فإما الانتصار لحق المؤلف في الإدلاء بالآراء التي قد تخالف التقليد الثقافي المسيطر في بلد ما، مثلما حدث في التحقيق مع طه حسين في كتابه في “الشعر الجاهلي”، أو من ناحية أخرى التضامن مع مقدمي البلاغات والاتهامات ضد العمل الأدبي، واعتبار هذا الأخير بمثابة أحد منغصات الاستقرار ووحدة المجتمع مثلما حدث مع لويس عوض في كتابه في “فقه اللغة العربية”.

لقد جرى العرف في مصر(وطائفة واسعة من الدول العربية والإسلامية) على إمكانية نقل العمل الأدبي و الفكري من ساحته الطبيعية المتمثلة في ساحة النقاش المجتمعي العادية سواء في الأروقة الأكاديمية و الصحفية إلى ساحة أخرى تهتم بالتجريم و المنع أكثر من الإباحة (وهى المحكمة).

وفي هذا يقول الناقد المصري الأشهر غالي شكري، إنه لا يوجد ” شيء في الحياة فوق المساءلة. والثقافة والفكر والمفكرون ، كأي نشاط وفئات أخرى ، يخضعون للمساءلة . ولكن المساءلة في الأدب والثقافة لها عنوان محدد هو النقد وليس المحــاكـــم”.

وبكلمات أخرى فالنص الأدبي أو الفكري عبارة عن ” إبداع” يحتمل أن يقف في خانة العداء مع القضاء، وذلك عبر محاكمة أسلوب التعبير والبحث عن نية الكاتب من خلال تأويل تعبيراته ” الضمنية أو الصريحة”، وعلى هذا تبحث المحكمة-حسبما تقول المؤلفة- من خلال نصوص القوانين (وهى بدورها نصوص تركيبية من الزجر والتنظيم والترهيب والأحكام)على المناسب منها لمواجهة أي عملية إبداع تسائل البديهيات أو تنتقد الخطاب الديني أو السياسي أو المجتمعي. وبكلمات أخرى “يخضع النص الأدبي للمحاكمة لأن المتخيل أو المناقشة الفكرية قد خلخلت مجالي الديني أو السياسي عن حق أو عن باطل”.

{{دور المحكمة ودور للقانون}}

يناط بالمحاكم أو “السلطة القضائية” الفصل في المنازعات التي تثور حول تطبيق القاعدة القانونية. وفي أي نظام سياسي(ديمقراطي أو سلطوي أو حتى شمولي في بعض الأحيان )، استقر العمل على وجود ثلاث سلطات، واحدة تصنع القاعدة القانونية أي منتجة لنصوص القوانين، سواء كانت المنظمة لعلاقة الأفراد ببعضهم ببعض أو المنظمة لشكل علاقة الفرد مع الدولة، ويقوم مجلس منتخب عن الأمة بصياغة هذه القواعد القانونية.

وتتمثل الوظيفة الثانية في “السلطة” التي تنفذ هذه القواعد القانونية وهى السلطة التنفيذية(أو الحكومة)، أما الأخيرة فهي السلطة التي تقوم بالفصل في أي منازعات حول هذه القواعد القانونية التي أقرتها المؤسسات التشريعية وتحاول الحكومات تنفيذها.

وبناء على هذا التعريف الكلاسيكي يصبح للمحاكم دور مركزي في الفصل بين إمكانية أن يكون التعبير الشفهي أو الكتابي أو المرسوم مسيئا أو ومحقرا لشخص ما أو طائفة معينة أو معتقد معين، الأمر الذي أفضى إلى إمكانية تجريم بعض أفعال الكتابة، واستقر الخطاب القانوني والحقوقي (عالميا) على تجريم بعض أوجه الإدلاء بالرأي و التعبير، مثل الخطابات التي تحمل الكراهية الدينية و العنصرية.

لكن ما يحاول الكتاب إثباته هو حالة الحرب المضمرة حينا والمعلنة أحيانا أخرى من أجل توسيع دائرة تجريم “التعبير الأدبي والفكري”،والتي تشنها بعض القوى المجتمعية والتي ترى في أي أطروحة تخالف موقفها السياسي بمثابة تهديد لأمن المجتمع، ويناط بهذه القوى لعب دور أولي في محاكمة النص عن طريق “الإبلاغ عنه”.

المحكمة في نهاية المطاف لا تتصرف (غالبا) جراء أهوائها، فهي مرتبطة دائما بالقوانين، والخطاب القانوني لا يقتصر دوره على تنظيم العلاقات بين الفرد والدولة، بل يحمى “مراكز” الفرد والجماعة والمؤسسات، ومن ثم هو أداة لتوازن القوى (إذا كان البرلمان منتخبا)، وللضبط السياسي و الاجتماعي في النظم السلطوية، يمارس القانون دوره في السيطرة و التحكم، سواء من خلال “منع الناس عن الإتيان بفعل ما” أو استخدام منصة القضاء لاحقا لتقنين السيطرة و التحكم في الفعل البشري.

{{التلقي والتأويل}}

تقدم الكاتبة تحليلا موسعا لعمليات التلقي والتأويل أي الكيفية التي يستوعب بها القارئ العمل الأدبي، ومن ثم وضعه في إطاره الملائم حسب قناعات هذا القارئ أو ذاك.

وتحلل المؤلفة المظاهر المختلفة لعمليات التلقي و التأويل. فمن ناحية أولى يمكن أن تكون بنية تلقى العمل الأدبي “إيجابية” أي متصالحة معه، لكنها يمكن أن تكون سلبية بمعنى أن ينظر المتلقي إلى النص الأدبي بوصفه مسا بشخصه أو بفكره، أو حتى اعتباره مضرا بالصالح العام. ولعل أبرز أمثلة هذه التلقي السلبي تكمن في مؤسسات السلطة سواء كانت الحاكم أو مؤسسة لها سلطة دينية أو سياسية أو قبلية.

ومن ناحية ثانية تختلف استجابة القارئ أو المتلقي وفقا لاختلاف أنماط الكتابة والقراءة. فنظرا لتعدد أنماط الكتابة وتمايزها نتيجة محاولات البحث عن “أساليب وتقنيات جديدة لصياغة أفكارها والدفاع عنها وإقناع الطرف الآخر، في سبيل خرق التواصل العادي وبناء تواصل مضاد بين الكاتب والقارئ”، فإن عملية خلق أنماط إبداعية للكتابة تواجه بخلق خطابات موازية تهدف إلى رسم حدود “للتعبيرات والأفكار التي تحاول فهم العالم وتسعى إلى تغييره”، وترى المؤلفة أن القوانين والتشريعات والمؤسسات الرقابية منها أو القضائية تمثل تعبيرا عن هذه الخطابات الموزاية. أما المظهر الثالث لعملية التلقي والتأويل فيكمن في تعرض العمل الفكري أو الأدبي “للمحنة” “نتيجة سياق اجتماعي وسياسي وثقافي يفرز تأويلا يجرم من خلاله طائفة واسعة من الكتابات الإبداعية. لدى سلاوي هناك ما تسميه ” الخطاب الحداثي” والذي يسعى ” إلى تفكيك الأنماط الأساسية وتكسير التابوهات التقليدية أو المستحدثة وطرح الأسئلة المشككة تجاه البنى المستقرة في المجتمع والتي يهدف الاتجاه القديم تكريسها واستمراريتها”. وفي حالات تاريخية محددة استجاب أنصار الاتجاه القديم لهذا الخطاب من خلال إدخاله في محنة سواء من خلال التعذيب أو القتل أو السجن أو الاتهام بالردة أو حتى العزل الإجتماعى.

{{في الخطاب والتأويل}}

تنطلق سلاوي من مفهوم رئيسي في دراستها متمثلا في الخطاب القانوني، والذي يعني المراحل التي يتم فيها استدراج الأدبي والفكري إلى المحاكمة بدءا بالبلاغ وانتهاء بنص الحكم، وذلك عن طريق استخدام نصوص القوانين المختلفة(قوانين العقوبات على وجه الخصوص)، وبنية قواعد الإجراءات الجنائية التي تخول الفرد أو المؤسسة (رسمية أو غير رسمية) من التقدم “ببلاغ” ضد عمل أدبي ما، مرورا بالتحقيق الذي تمارسه هيئة معنية (هي النيابة في الغالب) ثم أخيرا وصول العمل الأدبي و الفكري إلى ساحة جديدة تتمثل في “خطاب المحاكمة” والذي يعتمد بدوره على أربعة عناصر (البلاغ والتحقيق والمرافعة ونص الحكم) للفصل بصيغة نهائية فيما إذا كان “النص” يحمل في طياته انتهاكات لحق الفرد و الجماعة.

وتقوم المؤلفة بتخصيص الباب الثاني من الكتاب لدراسة حالات تطبيقية للمكونات الثلاثية: الاتهام والتحقيق والمحاكمة، و هذه الحالات هي كتاب ) في الشعر الجاهلي ( لطه حسين (1926) و) فقه اللغة العربية( للويس عوض (1980) ثم كتاب ) ألف ليلة وليلة ( 1985، ترصد من خلالها “البنية الفكرية للمحاكمات”، فضلا عن البحث في ضمانات المحاكمة العادلة.

في حالة كتاب الشعر الجاهلي، قدمت للنائب العمومي ثلاثة بلاغات قدمت من خليل حسن الطالب في الجامع الأزهر، وشيخ الأزهر نفسه الشيخ الإمام محمد أبو الفضل الجيزاوى وأخيرا البلاغ الذي قدم من قبل عضو مجلس النواب عبد الحميد البنان.و تتهم مؤلف الكتاب بأنه كذب القرآن في أخباره عن سيدنا إبراهيم، وادعى أن القراءات السبع لا تحمل مرتبة القدسية لأنها نتيجة لاختلاف اللهجات، وطعنه في نسب الرسول الكريم، وأخيرا إنكاره أن للإسلام أولية في بلاد العرب.

وبعد دراسة مذكرة التحقيق تتوصل المؤلفة إلى عدد من الاستنتاجات من عينة، أن المحقق (النائب العمومي محمد نور)، أرسى “معنى للقراءة التأويلية والسجال كمفهومين للبحث عن الحقيقة في البلاغات المقدمة ضد الكاتب”، وذلك من خلال القراءة المتأنية للنص الأصلي وبناء أسلوب للتحاور لفهم وتفسير ما يدعيه الطرفـــان ) الجهات المبلغة والمتهم(.

ومن ناحية ثانية خالف المحقق بنية الاستنطاق التي تقوم عليها التحقيقات إذ لم يأخذ التحقيق صفة سلطوية اتهامية تقوم على لا تكافؤ المستويات بين المتخاطبين، بل إنه كان عبارة عن ” المناظرة القائمة على السجال والمناقشة واستدراج الأفكار”، يتساوى فيها المتكلم مع المحقق(النائب العمومي).

وعبر قراءة الكتاب “أو نص الاتهام”، استخلص المحقق أن الكاتب لم يحتط في بحثه ولم يكـــن حريصا في استنتاجاته، إلا أنه أشار أن له الفضل في البحث الجديد القائم على المناهج الغربية. وكان مما أخذه المحقق على طه حسين أن شدة تأثره بهذه المناهج الغربية واندفاعه لإثبات نظريته ورطه في مسائل دينية أثارت الرأي العام.

وبعد ذلك جاء قرار المحقق بحفظ الدعوى لعدم توفر القصد الجنائي في كتاب)في الشعر الجاهلي)، وتبرئة المؤلف من الاتهامات الموجهة إليه.وهو القرار الذي مثل انتصارا لحرية الرأي و التعبير في فترة تميزت باتساع مناخ الحرية الفكرية والتعبيرية.

وعلى العكس من المظاهر في التحقيق مع طه حسين، جاءت محاكمة لويس عوض وكتابه في فقه اللغة العربية (صدر في عام 1980 عن مؤسسة رسمية مصرية هي الهيئة العامة للكتاب) فقد قدم مجمع البحوث الإسلامية(المصري) بلاغا عام 1981 يتهم الكاتب فيه بعرض ونشر ما يمس القرآن الكريم وبعض أئمة العلماء.

وعندما نظرت المحكمة هذه القضية في عام 1983، لم يقم المحقق أو القاضي بالسير على الطريق الذي خطه النائب العمومي في قضية طه حسين من خلال القراءة المتأنية للنص الأصلي وإقامة حوار مع المؤلف (أو المتهم)، بل أحال هذه القراءة إلى لجنة تتضمن أعضاء من مجمع البحوث الإسلامي لتقييم الكتاب (وهو نفس الجهة التي قدمت البلاغ)، وهذا يوضح أن المحاكمة لم تكن عادلة لأن نفس اللجنة ستؤكد الاتهامات التي أرفقتها بنص البلاغ، في حين أن المحاكمة العادلة تستدعي عرض الكتاب على متخصصين في الميدان الذي كتب فيـه لويس عوض وتوفرهم على رصيد من العلوم المتعلقة بالمجال اللغوي (الصوتيات، الصرف، النحو، الاشتقاق…).

يضاف إلى هذا أن القاضي اكتفي بتأييد نص الاتهام دون مناقشة أو الرجوع إلى سياق الكتاب(كما فعل نور في كتاب في الشعر الجاهلي)، بل ردد بنود الاتهام التي وردت في مذكرة المجمع الأعلى للشئون الإسلامية، مبررا حكمه بمصادره الكتاب.

وترى المؤلفة إنه وعلى العكس من المناخ الفكري المتسامح الذي حفظ فيه التحقيق مع طه حسين(والذي كان سائدا في مصر في تلك الفترة) ووعي المحقق “بمناخ التنوير والعلمانية” والذي كان حسين أحد رموزه، فإن المناخ الذي خرج فيه الحكم بمصادرة كتاب لويس عوض تميز بخضوع المؤسسة القضائية للظرفية التاريخية، وتضافرت مؤسستان رسمية )مجمع البحوث الإسلامي( وقانونية )القضاء(إضافة إلى مؤسسات غير مباشرة مثل أنواع الرقابة المختلفة لاستصدار حكمها بمصادرة كتاب.

{{الكتاب :فقه المحاكمات الأدبية والفكـرية:دراسة في الخطاب و التأويل}}

{{المؤلفة: وفاء سلاوي}}

{{الناشر: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان}}

{{عدد الصفحات: 412 صفحة}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This