البحث عن الهويّة في ” لقيطة استانبول ” لأليف شافاك

في ترجمته لرواية ” لقيطة استانبول ” العمل الأخير للروائية التركية أليف شافاك ، والتي خصني بها ، قبل أن ترى النور بعد، الصديق المترجم السوري خالد الجبيلي المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، والذي سبق أن أتحف المكتبة العربية بترجمات متميزة فقد ترجم ثلاثة وثلاثين عملاً حتى الآن: منها ثلاثية هنري ميلر، و”مذكرات زوجة السجين” للكاتبة الأمريكية آشا بانديلي، ورواية “الظاهر” و”فتيات فالكيري” لباولو كويلو، و”الحميمية” و”الجسد” و”بوذا الضواحي” للكاتب البريطاني حنيف قريشي، و”أسرار” للكاتب الصومالي نور الدين فارح، ورواية “اللهب الغامض للملكة لوانا” للكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو، ورواية “لقيطة إستانبول” للكاتبة التركية إليف شافاك، ورواية “شنغهاي بيبي” و”الزواج من بوذا” للكاتبة الصينية واي واي، وأعد مؤخراً ترجمة رواية “زوربا اليوناني” للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، بالإضافة إلى كتب تاريخية منها “تاريخ حلب الطبيعي” للأخوين راسل وكتاب “نشوء الشرق الأدنى الحديث” للمؤرخ البريطاني مالولم ياب. وقد نشر معظم هذه الكتب وسينشر المتبقي منها خلال هذه السنة.

ويمكننا أن نعتبر هذه الترجمة هي الفرصة الأولى لقراءة ” لقيطة استانبول ” بالعربية ، ولا أعلم إن كانت قد صدرت، من قبل ، بالعربية. فبعد أن لاقت هذه الكاتبة الشابة الكثير من النجاح، إذ سبق أن نشرت خمس روايات،  قبل ” لقيطة استانبول ” التي حوكمت عليها ، وتمت تبرئتها .

كان باكورة أعمالها الروائية ، “الصوفي”، وقد نشرتها وهي في السابعة والعشرين من عمرها.  ونالت عنها جائزة الرومي التي تمنح لأفضل عمل أدبي ـ صوفي، ثم نشرت روايتها الثانية “مرايا المدينة” وهي هي تتحدث عن طرد اليهود من اسبانيا في القرن السابع عشر ولجوئهم إلى الإمبراطورية العثمانية، ثم رواية “النظرة” أو” التحديق “. أما روايتها الرابعة فكانت ” بيت البرغـــوث ” التي ستصدر قريبا عن دار قدمس ضمن سلسلة ” ولادة ” المهتمة بالكتابة النسائية، أما الرواية الخامسة فهي ” قديس الحماقات الأولى”، وأخيرا  “لقيطة  استانبول” التي ظلت تتصدر قوائم أفضل الكتب مبيعاً في تركيا خمسة أشهر متوالية، وبيع منها هناك أكثر من مئة ألف نسخة حتى الآن. كان قد أثار عملها المذكور،  لقيطة استنبول ضجيجا في تركيا ، فكان نصيبها، المحاكمة ، كنصيب زميلها في القلم الروائي العالمي، اوهان باموك، والذي قال عنها بأنها أفضل روائية تركية في السنوات العشر الأخيرة. وشهادة باموك الحاصل على نوبل للآداب لا يستهان بها، إضافة إلى أن كل ما يحيط بسيرة شافاك الأدبية يشي بمهارتها العالمية لا على مستوى تركيا فحسب . وكانت شافاك قد ولدت في ستراسبورغ بفرنسا في عام 1971، وأمضت طفولتها وصباها في تركيا واسبانيا، وهي حالياً أستاذة مساعدة في قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة أريزونا. ارتأينا التوقف قليلا مع مترجم  الرواية  إلى اللغة العربية، الأستاذ الجبيلي، بعد أن صدرت في عدة لغات عالمية، لمعرفة دوافع انتقاءاته للنصوص التي يقوم بترجمتها، وخاصة أن الرجل لا يعمل لدى مؤسسة إعلامية أو أدبية ما، ولا يتقاضى أجورا على ترجماته،  فأجاب : ” نعم، فأنا أترجم من أجل المتعة الفنية، لذلك أحاول أن أنتقي الأعمال التي تروق لي والتي أعتقد أنها تسهم في إضافة بعد أدبي وفني هام في الثقافة العربية. لذلك فأنا أختار العمل الذي أقرر أن أترجمه من بين أعمال كثيرة تصدر هنا في أمريكا وهي بالعشرات بل بالمئات. وكان بعض الناشرين قد طلبوا أن أترجم بعض العناوين، لكني لم أفعل ذلك لأنني لم أر فيها ذلك المستوى الأدبي الجيد، على الأقل بالنسبة لي ” .

سألناه فيما لو كان ثمة من عوائق لموافقات النشر في سوريا، مثلا هل الكتاب المترجم على موافقة أسهل من الكتاب المحلي، خاصة ونحن نعرف معاناة الكاتب السوري مع مؤسسات  الرقابة ؟ السيد الجبيلي نفى علمه بالأمر  ” فأنا أقيم في الولايات المتحدة، والناشر هو الذي يتولى أمر الحصول على الموافقة إن كان الكتاب يتطلب ذلك ” .

وبما أننا على اطلاع كبير حول الوضع الرقابي في سوريا ، وربما في غيرها من الدول العربية ، فقد سألناه عن سبب إصراره على النشر في سوريا، خاصة وهو المقيم في أميركا، ولديه فرص أوسع من غيره، لانتقاء دور نشر أخرى، سواء في البلاد العربية أو الغربية، فقال :

”  لقد تعاملت مع الناشر دار ورد في سوريا لأنني أشعر بالارتياح بالتعامل مع هذه الدار، ولأنه تولدت لدي صداقة مع الناشر نفسه. لكن هناك كتب، أخرى، صدر منها اثنان وهما “أسرار” و”رب الأسرة” عن منشورات الجمل في ألمانيا. وأنا أرحب بأي دار نشر أخرى ترغب في أن تنشر لي ” . هذا ما رد به السيد الجبيلي .

سوف نقوم بدراسة لاحقة وموسعة لرواية شافاك ، التي تستحق وقوفا مطولا ، أكثر من ذلك الذي حصر الرواية في الضجيج الذي أحدثته موضوع المحاكمة ، لأن الرواية ، كقيمة فنية ، تتضمن ملفات أكثر قابلة للتناول ، ولا يمكن حصرها في ” المسألة الأرمنية “، مع عدم تجاهل أهميتها الإنسانية بالتأكيد، ولكن فيها الكثير من الهواجس المهمة، ومن أكثرها أهمية  ” الهوية ” على الصعيد الوجودي، لا السياسي فحسب، لذلك فإن ” لقيطة استانبول ” هي ليست مجرد تسمية لحالة ولادة طفلة غير شرعية ، بل بحث عن شرعنة الحرية بمعناها الأقوى انفتاحا على الوجود، وهي بحق رواية شديدة الخصوصية لكاتبة ” مسلمة ” تطرق أبواب العالمية ، وتقدم عالم المرأة في ظل النظام الإسلامي دون شعارات أو إيديولوجيا. هي عمل يستحق التوقف عنده ولعدة مرات، وسنفعل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This