الإنجيل برواية القرآن: يسوع الربّ

لقد عبَّرت الرواية القرآنية (كما أسلفنا في الحلقتين الماضيتين) عن ناسوت عيسى بجملة بليغة مختصرة، عندما قالت بأنه وأمه “كانا يأكلان الطعام”.ثم أسبغت عليه ألقاباً تضعه في زمرة الشخصيات الدينية الإنسانية، التي أقامها الله وسيطاً بينه وبين بني الإنسان لإبلاغهم رسالته، فهو “نبي” و “رسول” و “عبد الله”. وقد بينَّا أن هذه الألقاب ليست من ابتكار القرآن، وإنما تم إطلاقها من قبلُ على يسوع في أسفار العهد الجديد.

ونلتفت الآن إلى معالجة لقب إشكالي انفرد به العهد الجديد، وهو لقب “الرب”. فعلى الرغم من أن معظم الناس يعتقدون أن هذا اللقب يُعبر عن “لاهوت” يسوع وطبيعته الفائقة، حيث تختلط في أذهانهم كلمة “الرب” بكلمة “الإله”، إلا أنني سأحاول فيما يلي تبيان الطبيعة الحقيقية للقب، من أجل إظهار عكس الاعتقاد الشائع.

تنبع إشكالية لقب “الرب” في ذهن القارئ العربي للعهد الجديد، من أن هذه الكلمة وتنويعاتها (ربي، ربكم… إلخ) قد استُخدمت في القرآن للإشارة إلى الله تعالى في نحو 400 آية من آيات الكتاب، مما جعلها مرادفة لكلمة الإله لدى معظم الناس. أما المعنى القاموسي لها فيدل على السيد، والمالك، والقيم، والمنعم، والمدبر. أي إنها من حيث الأصل تتضمن معنى السيادة والسلطان في العلاقات الاجتماعية، ثم انعكست على العلاقة بين الإله والبشر، باعتباره السيد الأعلى، والسلطان المطلق على العالم الإنساني والطبيعي. فالربوبية والحالة هذه هي مصطلح دنيوي جرى عكسه على العالم الميتافيزيقي، للإشارة إلى نوع العلاقة القائمة على السيادة والسلطان بين عالم الألوهة وعالم الإنسان. وينجم عن ذلك أن الكائن القدسي هو رب من حيث صلته بالخليقة، وإله من حيث طبيعته المفارقة للعالم. إن الإله هو رب بالضرورة، ولكن ليس كل رب إلهاً، لأن كل صاحب سلطان على الأرض هو رب بمعنى ما (رب الأسرة، رب العمل، وما إلى ذلك)، ولكن الإله هو الكائن الذي تنتهي عنده سلسلة الربوبية، وما من رب بعده.

وفي اللغة العربية كلمة أخرى تتضمن معنى السيادة والسلطان في العلاقات الاجتماعية، ولكنها استُخدمت في وصف العلاقة بين الله ومخلوقاته، وهي كلمة “المولى”. وبصيغة المخاطبة نقول “مولاي” و “مولانا”، بمعنى سيدنا وولي أمرنا. والكلمة تستخدم عادةً لمخاطبة ذوي الشأن الرفيع في المجتمع، مثل الملوك والأمراء والسلاطين، كما يستخدمها العبيد في التوجه بالخطاب إلى أسيادهم، ولكنها وردت في القرآن في معرض مخاطبة المؤمنين لله تعالى: “ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا… واعف عنَّا، واغفر لنا، وارحمنا. أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين”. (2 البقرة: 286).

وإذا نظرنا إلى كلمة “الرب” في اللغات الساميَّة الأخرى، نجدها تحمل المعنى نفسه، ويمكن لنا ترجمتها إما بالسيد أو بالرب. فكلمة “بعل” في اللهجات الكنعانية تعني “السيد”، أرضياً كان أم سماوياً، ومثلها كلمة “آدون”. لذلك كان إله الخصب “هدد” يلقب إما بالبعل أو بآدون، ومن الأخيرة جاءت التسمية “أدونيس” التي أطلقها الإغريق على الإله السوري، وفي الآرامية والسريانية والعبرية، يجري استخدام كلمة “أدون” وكلمة “مار” بمعنى السيد أو الرب. فكان ملوك آرام يخاطبون بلقب “ماري”، أي ربي وسيدي. وكان العبرانيون يكتبون اسم إلههم في أسفارهم المقدسة “يهوه”، ولكنهم في قراءتهم لهذه الأسفار كانوا يلفظون الاسم “آدون” أو “مار” تهيباً من التلفظ باسم الجلالة؛ وفي الإشارة إلى إلههم كانوا يقولون “أدوناي” أي ربي وسيدي، ويقولون أيضاً “ماري” بالمعنى نفسه. ولا أدلَّ على الأصل الدنيوي لهذه الصيغة في الخطاب، من أنها كانت تُستخدم لإظهار الاحترام للشخصيات المتميزة. فقد عثر في فلسطين على مقابر تعود إلى الفترة الهيلينستية، وفيها نقوش يدعو فيها الابن أباه المتوفي “آبا ماري” أي” ربّي أبي”. وكان يهود بابل الذين أنتجوا التلمود البابلي، يدعون المعلمين الدينيين بلقب “مار”، بينما استخدم اليهود الفلسطينيون لقب “رابون” أو “رابان” المستمدة من كلمة “ربّ” العبرانية، التي تدل على شخص في موقع السلطة. وقد استخدم السريان المسيحيون أيضاً كلمة “مار” كلقب للشخصيات الروحية المتميزة، فقالوا: مارجاورجيوس، ومار إلياس، ومار سمعان، وما إلى ذلك.

في الترجمات اليونانية لكتاب العهد القديم، استخدم المترجمون كلمة “كوريوس- Kurios” اليونانية، والتي تعني “السيد” كمقابل للكملة العبرانية “مار” أو “آدون”. أما الترجمات العربية فقد استخدمت كلمة “ربّ” أحياناً وكلمة “سيد” في أحيان أخرى، بينما التزمت الترجمات الإنكليزية كلمة “لورد- Lord”.

مزودين بهذه الخلفية العامة، نستطيع الآن فهم أبعاد كلمة “رب” في الترجمات العربية للعهد الجديد. ففي اللغة الأصلية لأسفار العهد الجديد، وهي اليونانية القديمة، استخدم المؤلفون كلمة “كوريوس- Kurios”، أي السيد والربّ، كلقب استخدمه التلاميذ والغرباء في مخاطبة يسوع. ولننظر الآن إلى نماذج من خطاب الغرباء ليسوع ممن لم يكونوا يرون فيه إلا رجلاً مباركاً أو نبياً من الأنبياء، وإلى الكيفية التي تعاملت بها الترجمات العربية مع هذه الكلمة. فعندما تقدم منه أحد المجذومين طالباً الشفاء قال له: “يا سيّد (= كوريوس) إن أردتَ تقدر أن تطهرني” (لوقا 5: 12). وعندما رجاه ضابط روماني أن يشفي غلامه قال له: “يا سيد (= كوريوس) لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي، ولكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي” (متَّى 8: 8). وعندما رفض يسوع أن يشفي ابن امرأة كنعانية من نواحي صيدا وقال لها: ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب، أجابته: نعم يا سيد (= كوريوس)، والكلاب أيضاً تحت المائدة تأكل من فتات البنين” (مرقس 8: 28). وعندما رجاه خادم ملك الجليل أن يشفي ابنه ألح عليه قائلاً: “يا سيد (= كوريوس) إنزل قبل أن يموت ابني” (يوحنا 4: 49). وعندما طلب من المرأة السامرية عند البئر شربة ماء، قالت: له وهي لا تعرف من هو: “يا سيد (= كوريوس) أرى أنك نبي” (يوحنا 4: 19).

نلاحظ من هذه المقتبسات أن كلمة كوريوس اليونانية ليست أكثر من صيغة مهذبة لمخاطبة شخص رفيع المقام، ولا أدل على ذلك من أن بعض اليهود اليونانيين قد استخدموها في خطاب فيلبُس أحد رُسُل يسوع: “وكان أناس يونانيون من الذين صعدوا ليسجدوا في العيد. فتقدم هؤلاء إلى فيليبُس الذي من بيت صيدا الجليل وسألوه قائلين: يا سيد (= كوريوس) نريد أن نرى يسوع” (يوحنا 12: 20- 21).

في جميع المواضع التي يخاطب فيها الغرباء يسوع، عمدت الترجمات العربية إلى استخدام كلمة “سيد” كمقابل لكلمة “كوريوس”. ولكن عندما نأتي إلى المواضع التي يخاطب فيها الرسل والتلاميذ يسوع نجد أن الترجمات قد استخدمت كلمة “الرب” كمقابل للكلمة اليونانية نفسها. بينما حافظت الترجمات الإنكليزية على كلمة “لورد” في كلا الحالتين. وإليكم بعض النماذج: “وبعد ذلك عيّن الرب (= كوريوس) سبعين آخرين أيضاً، وأرسلهم اثنين اثنين أمام وجهه إلى كل مدينة… فرجع السبعون بفرح قائلين: “يا ربّ (= كوريوس) حتى الشياطين تخضع لنا باسمك” (لوقا 10: 1 و17). وعندما كان مركب بطرس يغرق في البحر ويسوع معه، ناداه: “يا ربّ (= كوريوس) أُخرج من سفينتي لأني رجل خاطئ” (لوقا 5: 8). وقال له تلميذاه يعقوب ويوحنا بعد أن منعهما أهل قرية سامرية من الدخول: “يارب (= كوريوس) أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيليا أيضاً؟” وفي سفر أعمال الرسل عندما ظهر للتلاميذ بعد قيامته سألوه: “يا ربّ (= كوريوس)، متى تعيد المُلك إلى إسرائيل؟” (أعمال 1: 6). وعندما نادى يسوع بولس من البرق على الطريق إلى دمشق وقال له: “شاؤل، لماذا تضطهدني؟” أجابه بولس: “من أنت يا سيد؟ فقال الرب (كوريوس): أنا يسوع الذي أنت تضطهده” (أعمال 9: 3- 5).

على أن لقب الرب عندما يُطلق على يسوع القائم من بين الأموات، يتخذ أبعاداً أكثر سمواً، لأن الله قد جعله مسيحاً وسيداً على العالم: “فليعلم يقيناً جميع بين إسرائيل، إن الله جعل يسوع، هذا الذي أنتم صلبتموه، ربّاً ومسيحاً” (أعمال 1: 36). وبالمعنى نفسه يقول بولس “لأنه لهذا مات المسيح، وقام وعاش لكي يسود على الأحياء والأموات” (روما: 14: 9). وأيضاً: لذلك رفعه الله أيضاً، وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب” (فيليبي 3: 9- 11). أي أن ربوبية يسوع تأتي من إعلان الله له سيداً على العالم بعد أن رفعه إليه. وفي موضع آخر يجعل بولس نفسه أكثر وضوحاً عندما يرسم خطاً فاصلاً بين الألوهية التي لله والربوبية التي ليسوع القائم من بين الأموات: “أما عندما نحن فليس إلا إله واحد وهو الآب، منه كل شيء وإليه نحن راجعون، ورب واحد هو يسوع المسيح، بل كان كل شيء وبه نحن قائمون”. (عن الترجمة الكاثوليكية الجديدة- الرسالة الأولى إلى أهالي كورنثة 8: 6).

يسوع المعلم:

يتصل لقب “المعلم” الذي تطلقه الأناجيل على يسوع بلقب الرب أو السيد، فكلاهما يدل على رجل في موقع السلطة الدينية. وقد كان المعلمون الدينيون اليهود، كما أسلفنا، ينادون بلقب “رابون” أو “رابان” وبصيغة المخاطبة “رابي”. وقد وردت الكلمة في القرآن بصيغة الجمع “ربانيون”: “لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن الإثم وأكل السحت… الآية” (5 المائدة: 63). وقد قرن يسوع بين كلمة المعلم وكلمة الرب أو السيد، عندما قال لتلاميذه: “أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض” (يوحنا 13: 12- 24).

وقد خاطب التلاميذ يسوع بهذا اللقب في العديد من المناسبات. فعندما شارف مركبهم على الغرق، أيقظوه قائلين: يا يسوع، يامعلم، إننا نغرق” (لوقا 8: 24). وأيضاً: “فأجاب يوحنا وقال: يا معلم، رأينا واحداً يُخرج الشياطين باسمك فمنعناه” (لوقا 9: 49). والكلمة اليونانية التي يستخدمها النص الأصلي لهذا الغرض هي “epistata” التي تعني أستاذا أو معلما، ولكنه أحياناً يستخدم الكلمة العبرانية “رابي” ثم يفسرها باليونانية، على ما ورد في إنجيل يوحنا عندما خاطب التلميذان يسوع قائلين “ربّي”، الذي تفسيره يا معلم (= epistata)  أين تقيم؟ فقال لهما تعاليا وانظرا” (يوحنا 1: 38- 39). وأيضاً: “فالتفتت (المجدلية) وقالت له: ربّوني، الذي تفسيره يا معلم” (يوحنا 20: 16- 17).

ولكن ما يميز يسوع عن الربانيين اليهود، أنه لم يستمد سلطته التعليمية ومعارفه من الدراسة الطويلة على يد فقهاء في الدين معترف بهم، بل إن هذه المعارف تأتيه وحياً من الله: “تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني” (يوحنا 7: 16). ولذلك قال له نيقوديموس أحد المعلمين الفريسيين: “يا معلم، نعرف بأنك قد أتيت من الله معلماً، لأنه لا أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل، إن لم يكن الله معه” (يوحنا 3: 1- 2). لهذا فإن تعاليم يسوع تخلو من الاستشهاد بآيات من كتاب العهد القديم وتقديم تفيسرات لها، على طريقة الربانيين اليهود، وسلطة تعليمه لا تأتي من سلطة الكتاب، وإنما من السلطة الروحية التي يتمتع بها يسوع بتأييد من الآب. ولذلك بُهت الناس من تعليمه “لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة” (مرقس 1: 22). وقالوا: “ما هو هذا التعليم الجديد؟ لأنه بسلطان يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه” (مرقس 1: 27).

وعلى عكس الأسلوب التقليدي الجامد للربانيين، الذي يعتمد على المقولات الجاهزة التي نقلوها عن أساتذتهم، فقد تميز أسلوب يسوع بطابع غير رسمي يعتمد التشابيه الحيوية والأمثال القصيرة التي يسوقها بلغة شعرية. ولم يكن مستقراً في مكان واحد يقصده الناس فيه ليتعلموا، بل كان هو الذي يقصد الناس متنقلاً من مكان إلى آخر: “للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، أما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (متَّى 8: 20).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This