الحقيقة لا توصل إلى الإرهاب

قد يكون من السهل اتهام الناس بالإرهاب، لكن لا يمكن إنكار صدق النوايا وصدق الإيمان عند العديد من المتهَمين الإسلاميين. لقد استعمل القادة والزعماء في الحركات الإسلامية الأصولية آيات قرآنية مع ما يختارونه من الأحاديث النبوية وسيرة السلف وفقه رجال الدين من أجل شحذ حماس المؤمنين وتوجيه طاقاتهم الإيمانية لإخضاع الآخر أو قتله وإحداث الدمار في بيته.

لم تُنفَّذ كل سياسات الزعماء وبرامجهم بأموال الحشيش الأفغاني والتبرعات الماليّة فقط كما يحاول الإعلام الأمريكي إظهاره، وإنما هناك أيضا ” إيمان خاص ” يرفع الآيات القرآنية مثل: ” وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوّكم… ” ويعتمد عليها في حين يَخفض الآيات الأخرى من مثل”ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ” أو يتجاهلها. إنّه الخطاب الذي يُؤكد صلاحية النوع الأول من الآيات لكل زمان ومكان ويرفض اختصاصها بأوضاع كانت قائمة عند نشر الدعوة في عصر النبي، في حين يَرفض صلاحية النوع الثاني من الآيات أو يعتبرها خاصة بالظرف الذي نزلت فيه أو يصل إلى حدّ اعتبارها “منسوخة”. وقد تكون عبارة “تُرهِبون” في الآية سابقة الذكر كافية وحدها، عند أصحاب ذلك الخطاب التقليدي لتبرير كل ما يقومون به من الأفعال التي تُنعت بالإرهاب.

لا يتعلق المجال هنا بالتعرض لكل ما يرفَعه الأصوليون وما يخفضونه من آيات القرآن لكي يتمكّنوا من صُنع ” إسلام إرهابي ” أو إحياء “إسلام الحرب والغزو”، وإنّما يتعلق الأمر بملاحظات غايتها المساهمة في الحوار حول ما تأصّل من “فقه الحرب والغزو” في تراثنا وتقاليدنا وفي دعاية المعارضة الأصولية وكل من يمتنع عن قول الحقيقة حين يتعلق الأمر بتاريخ الإسلام وما حدث ويحدث من جدل حول الأفكار المنسوبة إليه.

سأتعرض في هذا المقال إلى قضيّة الجماعة المحاربة وخصوصية دور النبي ثم قضايا فهم النص الديني ودور الأخلاق ومقام الحقيقة من الإيمان.

{{الجماعة المحاربة:}}

جاء في الموسوعة الكونيّة “إينيفرسليس 6” في حديثها عن البداوة ما يلي:

“منذ تدجين الحصان والجمل أمكنت النشأة الواسعة، داخل سهوب العالم القديم و بواديه، لظاهرة البداوة الرعوية العدوانية التي ترتكز على الغزو و الحرب مع الجيران من الحضر… ”

أين تتموقع الجماعة المحاربة التي بعثها نبي الإسلام من هذه الظاهرة التي تميز عالم البداوة بصفة عامة ومجتمع البداوة في الجزيرة العربية؟

بعث نبي الإسلام جماعته المحاربة إثر رفض قريش للديانة الجديدة. فكانت المعركة بادئ الأمر داخل قريش، وكان “الفتح” المقصود في النص القرآني ذاته هو فتح مكة.

تسببت المعركة مع قريش في هجرة النبي إلى المدينة وفي قيام عدد من التحالفات القبلية الجديدة. فقد نتج عن المعارك من أجل فتح مكة تغيير في العلاقات القبلية: تحالفات وضغائن جديدة بين قبائل الجزيرة العربية نتجت عن تزايد نفوذ الجماعة المحاربة للدين الجديد.

لا يجوز إنكار الدور الذي قام به قانون الكسب بالغزو، ذلك القانون الذي أشارت الموسوعة العلمية إلى ظهوره في مجتمعات البداوة، في انتصارات الجماعة المحاربة الجديدة، لكن الظاهرة التي تحدثت عنها الموسوعة لا تنطبق على فتح مكة بقدر ما تنسجم مع الغزوات اللاحقة التي انتشرت بها البداوة العربية في المجال الجغرافي للحضارات الفارسية والبيزنطية وغيرهما. لقد كان فتح مكة حدثا انتقاليا بين مرحلتين: مرحلة أولى دفاعية وصعبة من أجل حق الوجود للدين الجديد وأصحابه ومرحلة ثانية قد ينطبق عليها وصف الموسوعة العلمية لظاهرة البداوة الرعوية العدوانية التي ترتكز على الغزو والحرب مع الجيران من الحضر. ونتج عن الفرق بين المرحلتين تمييز بين المقاتلين في المرحلتين حيث جاء في الآية العاشرة من سورة الحديد:”…لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولائك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا…”.

ليس المجال مخصصا هنا لاستعراض ما جمعه مقاتلو الجماعة الإسلامية المحاربة في غزوات القرن الأول للهجرة رغم ما لهذا الاستعراض من دلالة في موضوع الحال، ولكنني أكتفي هنا بعرض مشهد من مشاهد اقتسام مغانم إحدى الغزوات حتى يتّضح للقارئ أحد جوانب الصورة الحقيقية للجماعة المحاربة ومقاتليها، فقد جاء في صحيح مسلم ما يلي: “حدثنا محمد بن أبي عمر المكّي، حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع ابن خديج؛ قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم، مائة من الإبل. وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك. فقال عباس بن مرداس:

أتجعل نهبي ونهب العبي…….د بين عيينة والأقرع؟
فما كان بدر ولا حابس…….. يفوقان مر داس في المجمع
وما كنتُ دون امرئ منهما……ومن تخفض اليوم لا يرفع.

قال: فأتمّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة”.

حين توفّي النبي اتَّفق الصحابة على استمرار قيام الجماعة المحاربة، فتواصلت الغزوات وحروب الدعوة إلى أن اتّسعت الإمبراطورية الإسلامية فثبتت الموارد والخيرات وبدأت الهزّات والمقاومات وتعدّدت الجماعة المحاربة فصارت جماعات.

إن خصوصيّة أو “قداسة” دور النبي كانت تتطلّب زوال الجماعة المحاربة بمجرد وفاته وبانتهاء قيادته لها. إن احترام دور النبي كان يقتضي من أصحابه عدم وراثته في عزّته أو تصرّفاته وعدم التّماثل معه فيما اختص به من أمور الإدارة والتوجيه. ولكن عند وفاة النبي اختلط الأمر عند أصحابه: ففي حين كانت تَلزَمهم دولة تحافظ على لمّ شملهم وإدارة شؤونهم وتتحمّل وزر أخطائها وتُصارح بمقاصد أفعالها، ذهبوا إلى إقامة خلافة تتماهى بدور النبي وتدّعي مواصلة ما كان بدَأه، وهذا يعني أنّها أنكرت الجانب الخصوصي والذاتي أو الرّسالي فيما كان يقوله ويفعله.

لقد تواصلت المسيحية وانتشرت بعد ذهاب المسيح الذي لم تكن له ولا لأصحابه جماعة محاربة. بل انتشرت المسيحية بالجدل والحكمة والموعظة الحسنة التي قدّمها أصحابه إثر غيابه. فلماذا لم يسْلك أصحاب محمد أيضا نفْس المسلك ؟ لماذا تمسّكوا بسلوك الجماعة المحاربة؟ هل كان المبرّر دينيا أم كان سياسيا ومصلحيّا؟ لماذا يواصل جلُّ فقهاء المسلمين إلى أيامنا دفاعهم على شرعية استمرار الجماعة المحاربة بعد وفاة النبي ؟

انطلقت الخلافة المحاربة في عملية التوظيف الديني، فكيّفت كل شيء: كيفت القرآنَ نفسَه وأقوال النبي وكل تاريخه لمصالحها كما كيّفت الصلاة فحددت عدد الصلوات وعدد الركعات وحتى نوع المنطوق فيها وأشكال النطق، وجعلت صلاة الجماعة فرضا والجهاد إجباريا.(1)

{{ الجماعة المحاربة والجهاد:}}

لم يعتبر فقهاء الخلافة المحاربة نداء الجهاد الذي ورد في القرآن، نداءا خصوصيا يرتبط بوجود النبي رغم أن هذا الارتباط واضح ومتأكد بما كان يقوم به النبي من إدارة لكل شؤون الجهاد. فالنبي الذي كان ينادي إلى الجهاد في المكان المناسب وبالشكل المناسب، حسب ما كان يختص به من موقع النبوة لا يمكن أن يعوّضه، أي بشر آخر لا تتوفّر فيه نبوة أولا يوجّهه وحي! بل اعتبروا الجهاد أو الحرب المقدّسة واجبا قائما في كل زمان ومكان!…

لقد حسَم الأمرَ، بهذا الشكل، كلٌّ من الخلافة المحاربة منذ القرن السابع، والدولة الدينية والجماعات الدينية المعارضة في أيامنا. حتى دُوَلُنا المعاصِرة وحركة النهضة في الفكر العربي والإسلامي التي حاولت تغيير معنى الجهاد من الحرب المقدسة إلى مقاومة المحتلّ ومجهود اللّحاق بالركب الحضاري… لم تستطع إيقاف المفهوم التقليدي لعبارة الجهاد أو تخصيص معناها بوجود النبي وبإدارته لشؤون الدعوة. بل نحن نشاهد في أيّّامنا عودة قويّة لذلك الفهم والاستعمال التقليديين.(2)

هكذا إذا أعطت الخلافة المحاربة لعبارة “الجهاد” معنى مطلقا يخدم مصلحتها كجماعة محاربة تواصل الحرب والجهاد في الزمان والمكان. هذا بالرغم عن عدم ضرورة الحرب لانتشار الدعوة الدينية حسب ما يبيّنه المنطق وتجربة الديانات الأخرى وحتى تجربة الإسلام ذاته في عدد من مناطق آسيا، وأيضا حسب ما يُفهم من الآية القرآنية 125/16 “أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن…”

إنه قد آن الأوان لكي يعود للنبي ما هو للنبي كما ينبغي أن يعود للتاريخ ما هو من التاريخ،فما كان يصدره النبي من توجيهات باسمه أو باسم القرآن إنما كان إجابة خاصة بالظرف والحدث ولا يمكن أن يحمل شيئا من الصلاحية عبر الزمان والمكان إلا بما كان فيه من مقاصد الخير: المقاصد تبقى والألفاظ لعصرها. سأتناول قضية “القبلة” كمثال أحاول عبره توضيح كيف كان النبي يقدم الأمر أو الموقف المناسب للوضع المناسب وكيف كانت الجماعة المحاربة تختار وترسّخ ما يتماشى مع مشروعها السياسي الخاص.

{{الجماعة المحاربة وقبلة المصلين:}}

جاء في الآية 115 من سورة البقرة: “ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا وجوهكم فثمّ وجهُ الله…”

تبدو بوضوح إطلاقية هذه الآية وعموميتها. فهي لا تحتاج لتحديد في الزمان أو المكان لكي تُفهم. هذه الآية تستطيع أن تأخذ مقام “مبدأ” أو قاعدة أو “أصل”. هذه الآية تعطي الحرية وتترك الاختيار للجميع؛ إنها بهذا المعنى لا تترك مجالا للاختلاف حول وجهة القبلة.

وجاء في الآية 143 من سورة البقرة ما يلي :”…وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه…”

وجاء في الآية144 من نفس السورة:” قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره…”

هكذا تتبين ثلاثة تعليمات كان قرأها النبي لأتباعه. لا بدّ أن الانتقال من تعليم إلى آخر كان يُحدث التساؤل لدى أتباع النبي والحرجَ لديه وهو ما جعل النص القرآني يتحدث عن تقلّب وجهه في السّماء ويعلّل ما حصل من تغيير في التعليمات. لكن التّغيير في التعليمات كان الصحابة يعقلونه ويقبلونه ما دام يَظهر في إطار الدعوة القائمة ويَصدر عن نبي يوحَى إليه، أمّا بعد وفاته فإنّ الأمر صار يتطلّب مجهودا للفهم. إمّا أن يقع استخلاص مبدأ سلوكي من التعليمات الثلاثة أو أن يقع تقليد وإقرار واحدة منها.

يتميز سلوك عامة الناس بالسعي إلى تقليد ومواصلة آخر ما كان عليه أمرُهم. ويبدو أن هذا الدافع للتقليد توافَقَ مع مصلحة الجماعة المحاربة التي تسعى لبسط وتوسيع نفوذها ومع مصلحة الدولة العربية أو القرشية التي تسعى لإدامة التفاف قبائل الجزيرة العربية حول قبيلة قريش إثباتا لسيادتها وإدامة لمكاسبها، فاستمر العمل بالآية 144/2.

لا أحد يستطيع إنكار القول بأن اتّخاذ المسجد الحرام قبلة للمصلين والحجيج يصلح لتحقيق ذلك الغرض. هكذا وقع التواصل بين ما تُوفّي عليه النبي من أشكال العبادة وبين ما استقرّ فصار طقوسا تعبّدية.

وهكذا لم يقع استخلاص مبدأ من الآيات الثلاث بل وقع إقرار أشكال العبادة التي تنسجم مع مشروع الخلافة المحاربة، فاعتُبرت الآية 115/2 منسوخة واعتُبرت الآية 144/2 ناسخة.

قد لا يتمكن البعض من فهم الفرق بين المبدأ الذي يصلح لكل زمان ومكان وبين التكتيكي أو المرحلي الذي يختص بالمكان والزمان المحددين. لكن الأمر واضح في هذه الحالة فلو التزمنا باتخاذ المسجد الحرام قبلة وأخذنا في السير انطلاقا من المسجد وعلى طول الدائرة الموازية لخط الاستواء فإننا سنقوم بالصلاة في نفس الاتجاه كل يوم إلى أن نصل إلى المسجد نفسه فنكتشف أننا صرنا نصلي والمسجد خلف ظهورنا. فالآية 144/2 لا تخاطب إذا هذا المصلي المتنقل كما أنها لا تخاطب الناس الموجودين على خط الزوال ( ميريديان) المقابل لخط الزوال عند المسجد الحرام لأن هذا المسجد يوجد على يمينهم كما يوجد على شمالهم وعلى نفس المسافة ويوجد في نفس الوقت على مشرق الشمس كما يوجد على مغربها.

حين تتكوّن جماعة سياسية وبالأحرى إذا تكونت جماعة محاربة تََبرز وتتأكّد مع تقدّم صراعاتها وحروبها طقوسٌ وممارسات من أجل توحيد المشاعر والحركة ومن أجل شحذ العزائم والإمكانيات . هكذا تُفهم غاية و مبرّرات صلاة الجماعة و غاية ومبررات تحديد القبلة لدى الجماعة الإسلامية الأولى. و تبعا لهذا قد نستنتج أنه بعد انتهاء حرب الدعوة ووفاة النبي تنتهي الحاجة إلى الطقوس المكملة، فيصبح المبدأ موجِّها للسلوك ويتخلص المقصد من الشكل ومن الأوامر الظرفية والخاصة ونعود إلى اعتماد الآية “…فأينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله…” وإلى اعتماد الحكمة التي تقول: “إن المسيح وضع حداً للعبادة وأحل الأخلاق محلّها”(3). لكن الذي حصل هو العكس تماما. الجماعة المحاربة تواصلت بعد وفاة النبي في شكل الخلافة المحاربة وفرضت كل رُؤاها على تراث النبي والدعوة. ومضى الفقهاء في عملية تطويع متواصلة لذلك التراث لصالح الجماعة المحاربة فقلبوا المعادلة رأسا على عقب وصاروا لا يقبلون أي اختلاف حول مثل هذه المسائل ومضوا يعتبرون من يترك صلاة الجماعة أو لا يتقيد بقبلة المسجد الحرام كافرا أو مرتدا بل عدوًّا لهم وعدوا لله. جعلوا الطقوس في مكان الأصل والمبدأ فافتقدوا معاني الآية 115/2، ومضوا يبحثون عن سبب نزول يقيّدونها به. وبعد أن اختلفوا بين وصلها بحادثة استنكار يهود المدينة لما قام به نبي الإسلام من أمر المصلين بتحويل وجهة القبلة من بيت المقدس نحو المسجد الحرام وبين وصلها بما سبق صلاة النبي باتجاه بيت المقدس، صار أغلبهم يقولون بنسخها أو بأنها خاصة بالصلاة في السفر أو بالإخبار بقبول الله لصلاة النجاشي الخ… ( أنظر تفسير الطبري للآية).

{{الجماعة المحاربة والحوار الديني:}}

يوجد داخل الخطاب الديني الأصلي حوار بين الله والإنسان. الحوار الديني هو تلك الأقوال التي يتبادل بها الله الحجة أو العهد مع الإنسان. سأقدم فيما يلي بعضا من الأمثلة على ما أسميته حوارا دينيا:

* جاءت في النص القرآني عبارات “أفلا تعقلون” 13 مرة وهي تدلنا على وجود الحوار الديني بين الله والإنسان.

* وفي القرآن أيضا عبارات تتحدث عن تبادل “العطاء” أو”القرض”..بين الله والإنسان:”من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له …”(75/11). “يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم”(61/10).”يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم…”(2/40).

* ومن الحوار ما يبدأ بالمساءلة:”قل هل عندكم منْ عِلم فتخرجوه لنا…”(6/148) “أَفَسحْر هذا أم أنتم لا تبصرون”(52/15) “…أفلا يرون أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون” (21/44) “أو لم ير اللذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما…”(21/30) “أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين”(43/16) “أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج”(50/6) ” أو لم يروا إلى الطير صافّات ويقبضن ما يُمسكهن إلا الرحمان”(67/19) “ألم تر أن الله سخّر لكم ما في الأرض والفُلك تجري في البحر بأمره ويُمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه…”(22/65) ” ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله رُّكاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء…”(30/48) “ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه قبضا يسيرا”(25/45-46).

* ومن الآيات القرآنية ما هو إجابة على تساؤلات الناس في عصر الدعوة:”ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكّنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فاتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما…”(18/85-86).

* ومن الآيات أيضا ما يحتوي على طرفي السؤال والإجابة:”ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولن الله فأنّى يؤفكون”(29/61) “ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنّى يؤفكون”(43/87) “ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون”(29/63) “ولئن سألتهم ليقولن إننا كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون”(9/65) “ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض لقالوا الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون”(39/38) “ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنّ ولنكوننّ من الصالحين 0فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون 0فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون 0ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب”(9/75-78) “فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين 0 أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون 0 أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون 0 أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون 0 أم لهم سُلّم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين 0 أم له البنات ولكم البنون”(52/34-39) .

هذه الآيات وغيرها تظهر ما كان للخطاب القرآني من إصرار على إقناع الناس بالحجة والحوار.

إن كان أبناء قريش قد حاوروا واقتنعوا، إن كانوا قد تدبّروا القرآن ولم يجدوا فيه “اختلافا كثيرا” فهل يتوقف الحوار أو يُمنع على الأجيال والأقوام اللاحقة؟

كان الناس يخاطبون آلهتهم ويحاورونها في كل الحضارات والأديان. ونفس الشيء كان يحصل عند وجود نبي الإسلام الذي كان يجيب على تساؤلات أبناء قومه. ولكن بعد موته قامت الخلافة المحاربة بتثبيت وتنميط الحوار الديني داخل الطقوس الدينية والمسلّمات التي نعرفها. الدولة الدينية والجماعات المحاربة بكل أشكالها هي التي تمنع اليوم حرية الحوار الديني بين المؤمن وربه، وهي التي تنتصب بفقهائها ومفتييها في موقع الوساطة المدجّجة بالسلاح بين المؤمن وإيمانه.
حين يتطور الإنسان وتتطور حضارته يتطور ذلك الحوار الديني. هكذا خلّصت الحضارة المعاصرة الدين من معتقدات وطقوس العهود القديمة وصارت تفترض أن دور الدين يتمثل قبل كل شيء في نشر المحبة بين كل الناس ونشر قيم المفارقة للغاية المادية والأنانية من أجل توفير الجهد والذات لفعل الخير مع الجار في الحي والوطن والبسيطة. هذا ما حصل منذ صار المسيحيون يقولون بأن “المسيح وضع حدا للعبادة وأحل الأخلاق محلها”.( أنظر محاضرة البابا: ” إن الله لا يُسرّ بالدماء، وإن السلوك غير العقلاني يناقض طبيعة الله” ، النص من الموقع الإلكتروني “شفاف الشرق الأوسط”)

{{الجماعة المحاربة بين الخصوصي والمطلق في قضية الشهادة:}}

تعتمد الجماعات المحاربة ومفكروها حتى أيامنا هذه على توظيف النص القرآني لمصالحها الحربية والسياسية. فتطلق الخصوصي وتخصص المطلق. تنسخ وترفض المبدأ العام وتأخذ بظاهر اللفظ حسب الحاجة.
يبرز هذا المنهج مثلا في تعامل مفكريها مع الخطاب القرآني حول قضية الشهادة:” وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس…”.

جاء في الصفحة 17 من كتاب السيد محمد الطالبي”أمة الإسلام”،مأخوذا من تفسير الرازي: “هناك من يرى”أن المخاطَبين بهذا الخطاب (المقصود هو نص الآية السابقة 143/2) هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية ، لأن الخطاب مع من لم يوجد محال “”.

حسب هذه العبارات الواضحة وضوح الشمس لا يبقى إشكال مع المسلم المتنقل على الدائرة الموازية لخط الاستواء والمارة بالمسجد الحرام ولا مع المسلمين الموجودين على خط الزوال المقابل لخط زوال المسجد لأن ألفاظ الآية حسب تلك العبارات إنما تعني فقط السامعين”الذين كانوا موجودين عند نزول الآية” والذين هم عند ذاك موجودون في محيط قريب من المسجد الحرام. وحسب تلك العبارات أيضا تُفهم الآيات التي تُنظم العلاقات الاجتماعية مع العبيد من عتق واستعباد ونكاح إلخ…إذ هي آيات تخاطب مجتمعا عبوديا ولا تخاطب مجتمعاتنا المعاصرة حيث ليس لدينا عبيد نعتقهم ولا جواري نتسرى بهن أو نطوف عليهن.

هذا الرأي الموجود داخل الفكر الإسلامي منذ قرون عديدة هو الذي يرفضه الأصوليون بشتى ألوانهم. ويرفضه محمد الطالبي ذاته. فعوضا عن فهم الآية”وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..” بمعنى أن الجماعة الحاضرة أمام النبي والسامعة لخطابه هي وحدها المعنية بالخطاب، وعوضا عن التبصّر بموقع الوساطة الذي تتخذه تلك الجماعة بين النبي وأعدائه كطرف ثالث ووسطي في الترتيب: النبي – المخاطَبون- الناس، عوضا عن مثل هذا الفهم ينطلق محمد الطالبي في صفحات عديدة من كتابه في التنظير لأمة إسلامية شاهدة على الناس في عصرنا الحاضر، فأمة الوسط الواردة في الآية تصبح عند محمد الطالبي مجموع المسلمين في عالمنا المعاصر.
لم يقدم محمد الطالبي في هذه المسألة أي جديد يستحق عبارة “إسلام عصري” أو اجتهاد عقلي وإنما هو يردّد ما دأبت عليه الخلافة المحاربة وفقهاؤها، وما تروّجه الجماعات المحاربة وشتى منظريها من إطلاق لـ”معاني” الآية سابقة الذكر وتوظيف لألفاظها لكي تشمل واقعنا الحاضر ولكي تساهم في عملية تجييش المؤمنين حول الخطاب الديني السلفي وحول الجماعات السلفية المحاربة .

اليوم في أمم الحداثة، في أمم أخرى غير أمة محمد الطالبي، توجد أكبر نسبة للتمدْرس وأكبر نسبة لتأليف الكتب وترجمتها وغالبية الأبحاث العلمية إن كان في مجالات العلوم التجريبية أو في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية وغالبية المؤسسات القانونية والدراسية والحقوقية ذات الطابع الكوني.. وفيها تُحفظ العديد من وثائق تاريخنا وتراثنا كي لا يَطالها الإتلاف أو الحرق.. فيها يُحاكَم رئيس الدولة كما يحاكَم المواطن العادي .. وفيها تَشهد المظاهرات الألفية على الظلم والعدوان الذي يحدُث عندنا وعلى أرضنا.. وفيها … وفيها …وفيها… أليست هذه الأمم بما فيها من أصحاب علم وأحبّاء حق وحقيقة هي الشاهدة علينا ؟ بل عاش من عرف قدره…

حين نعتبر أن “الخطاب مع من لم يوجد محال” نستخلص أن كل الأوامر القرآنية إنما صدرت أو أُحدثت لكي تختص بالظرف وبالناس الموجودين والمستمعين للخطاب القرآني؛ أما الناس والمؤمنون بعد نهاية الوحي فإنما يبقى لهم استخلاص العبر والقيم ومقاصد الخير من نصوصه.

عوضا عن الأخذ بلفظ خطاب موجه للسلف قد تتمثل الحكمة والاستقامة إذا في الأخذ ببراهينه ومقاصده التي لا تختلف عن البراهين التي يرددها كل البشر ومقاصد الخير والمحبة والسلم والمساواة المُعلنة في كامل أنحاء المعمورة. أو نقول بشكل آخر أن ما يمكن أن يكون خطابا لمن لم يوجد عند نزول الآية إنما هو البراهين ومقاصد الخير وحدهما. تلك البراهين والمقاصد هي وحدها التي تصلح لكل مكان وزمان وهي وحدها التي توحّد ولا تفرّق وهي وحدها التي تدفعنا إلى الأمام وإلى الخلاص لا إلى الخلف و مزيد من الضعف والهوان.

{{حول فهم النص الديني:}}

إن أبْجديات الفهم السّليم للنص القرآني لا تسمح بحرمانه من ما هو حقّ لكل النصوص الموجَّهة للبشر. ذلك أنه ينبغي أن نبحث في كل نصّ عن المعنى الخاص بالحدث وبالمكان والزمان المحدَّدين وكذلك عن المعنى المطلق أو المبدأ العام…

* الآية 125/16 كمثال أول:

هكذا تُفهم الآية 125/16 “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة …” على أنها خاصة بمعنى أنها حدثت لتوجيه سلوك أبناء قريش القائمين أمام النبي حول حادثة محددة تمثل” أسباب نزول الآية”، لكنها في نفس الوقت تحتوي على معنى ومبدأ سلوكي وخلقي كوْني لا يرتبط بالزمان أو المكان ولا بمصلحة طرف دون آخر هو مبدأ الحوار والجدل الحر، هذا المبدأ هو الذي نجده مضمونا داخل المبادئ الكونية حتى يومنا هذا . فأمم العالم وقوَانينُه ومواثيقُه تقول بحريّة التفكير والمعتقد وتعترف بحق التبشير الديني السلمي بواسطة الحكمة والموعظة الأحسن. هذا المبدأ يعبّر عن الحق والخير الذي يتّفق حوله الجميع، و”القائم بذاته” حسب عبارة الشهرستاني.

*”خير أمة أخرجت للناس” كمثال ثان:

هكذا أيضا تُفهم الآية ” كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر…”.
فهي تُفهم من جهة أولى كخطاب خاصّ موجَّه للجماعة الماثلة أمام النبي والمتكوّنة من أتباعه المصدّقين لدعوته؛ فهي تُخبر بهذا الشكل بأن الجماعة الخاصّة المُلْتفّة حول النبي تمثّل خيرَ أمّة أُخرجت للناس. وهذا الاختصاص في الزمان والمكان والارتباط بوجود النبي هما اللّذان يجعلان عبارات الآية تنسجم مع عبارات “شعب الله المختار” التي كانت تعني بني إسرائيل مع النبي موسى في وضع خاصّ آخر. فكل من الجماعتين مختارة في ظرف وجودها الخاص وربما لأنها تحمّلت مهام الدعوة جنبا لجنب مع النبي.

نفس الآية قد تعني من جهة ثانية التّخيير أو التّفضيل بين أمّة وأخرى بسبب الفعل. فالأفضل هي تلك التي تلتزم المعروف وتبتعد عن المنكر. وهذا مبدأ عام لم ينكره أحد في السابق ولا ينفيه أحد في الحاضر. فحتى في أيامنا هذه حين يتقابل المسلمون مع غيرهم من الأمم ليتسابقوا على الفضيلة والخير لن يتميز من بينهم سوى من كان أكثر انسجاما مع المعروف من الخير وأكثر ابتعادا عن المنكر من الشر.

هكذا يبرز المعنيَان لنفس الآية، لكن الجماعات المحاربة رفضت وما زالت ترفض كلاّ من المعنيَين السابقين. فلفظة الأمّة المُختارة والمفضَّلة لا تخصّ حسب دعواهم الجماعة الملتفّة حول النبي وحدها؛ كما أن الآية ، حسب منظور نفس الجماعات ، لا تعني الجماعة التي تدعو إلى المعروف من قواعد المحبّة بين الناس والتعايش السلمي والمساواة بين البشر، وإنما هي “الأمّة الإسلامية” وحدها : بتعريفها الشّمولي، أو هي الفئة الخاصة التي تدّعي لنفسها الأفضليّة من بين بقيّة الفئات الإسلامية وغير الإسلامية.

لقد قفز فقهاء الجماعة المحاربة بعبارة “أمّة” من معنى الجماعة الملتفّة حول النبي إلى المعنى العابر للمنطق وللتّاريخ والمتمثل بالجامعة الإسلامية متجاهلين ما حدث وما يحدث حتى أيامنا هذه من اختلافات وحروب بين المسلمين أذلّت ماضيهم وتُحطّم حاضرَهم.

هل أذكّر الأستاذ محمد بما شاهده تاريخُنا من قسوة الحروب الدينية ؟.. لن أفعل هنا، فقصص جرجي زيدان كانت كافية لكل من قرأها لكي يعْلم بشيء مما كان يجمع المسلمين داخل الأمة أو الجماعة الإسلامية من حروب وسفك للدماء.
لكنه يقول في الصفحة 65 من كتابه”أمّة الوسط”: ” الإسلام، كما هو معلوم من الجميع أمّة ملتفّة حول الإيمان. فإلى حد اليوم ما زالت أقل العيون تبصُّرا تعرف كيف تميّز ملامح هذه الأمّة…لقد فَقد الإسلامُ من يُجسّدُه: الخليفة. في سنة 1923 قد قَََبرت جماعةُ الشبان الأتراك، في شخصه، ״الإنسانَ المريض״، واستبدلوا الطّربوش بالقبّعة”.

حين كان الخليفة العثماني على رأس “الأمّة الإسلامية “حسب تعبير محمد الطالبي كان المسلمون منقسمين إلى جماعات محاربة عديدة، لم تكن الجماعة أو الخلافة في تركيا سوى واحدة منها، ولم تستطع الجماعة المركزية التّركية بسْط نفوذها على بقية الجماعات أو الدول الإسلامية إلا بالحرب. الجامع الرّوحي الذي ينزع إلى لمّ شمل المسلمين، لم يوجد بدون الجامع الروحي الآخر الذي كان يوحّد كل واحد من شعوب المحيط في وجه الاستبداد والقهر الوافد عليه من مركز الخلافة. إنما كان الإسلام أو “الجامع ” الروحي متعددا: فباسم الإسلام كانت الجماعة المركزية تُخضع بقيّة الجماعات، وباسم الإسلام أيضا كانت كل واحدة من الجماعات المنفصلة تقاوم الإخضاع والضمّ.

هذا هو تاريخُنا ، فكيف نُنكره أو نتجاهله أو نمتنع عن الاعتبار؟

اليوم أيضا تقوم دول دينية وجماعات دينية متعدّدة يجمعها العداء والحروب في كثير من الأحيان ولا يوحدها دائما جامع روحي واحد. بل نحن أصبحنا في خوف من عودة الحرب بين الشيعة والسنة، بعد أن طُمس الطابع العصري عن دولنا أو استُبدِل بالطابع الديني والمذهبي الطائفي.

هل نقارن تعايش اللغات والأديان والمذاهب في سويسرا بما يحصل في باكستان أو السودان أو العراق مثلا حتى نفهم ما يعنيه “الجامع الروحي” أو الالتفاف حول الإيمان ؟

هذا هو واقعنا فكيف نُنكره أو نتجاهله أو نمتنع عن الاعتبار؟

أليس محمد عبده أقرب إلى الحقيقة والصدق من عديد اللاهوتيين الجدد عندما وصف دعاة الجامعة الإسلامية بأنهم “مجانين”؟

هل الإسلام يجمع أم يفرّق؟ وحدها مقاصد الخير والمساواة والسلم، التي توجد في التراث الإسلامي كما في كل التراث البشري والتي نجد لها اليوم تعبيرا واضحا في المواثيق الكونية، هي التي توحّد الأحاسيس داخل كل مجموعة بشرية وبين كل الناس في العالم من أجل الخير والحقيقة والحق.

هل بعد هذا وذاك نحافظ على هَوَسنا منتظرين من الجماعات الدينية الأصولية ومن جامعاتها الإسلامية شكلا والطائفية مضمونا أن توصل شعوبنا إلى العزة والقوة؟ّّ!

إن عبارة “أمّة” في القرآن لا تعني سوى “جماعة”. فقد وردت كلمة “أمّة” في كل مرة معبّرة عن جماعة محدّدة. لكن أعضاء الجماعات الأصولية، لكي يتمكنوا من استعمالِ معاني التخيير على الآخر والشّهادة عليه وحتّى أمرِه ونهيِه، سَحبوا هذه المعاني على ما يُطلقون عليه في أيامنا تسمية “أمة إسلامية”. هم يسحبونها على الجماعة المسلمة الواسعة التي تشمل كل مسلمي العالم في مرحلة أولى من دعايتهم لكي يخصّوا بها طوائفهم المناسبة في مرحلة تالية . هكذا صارت السُّنة طائفة حاكمة في باكستان تُخضع الطائفة الشيعية وهكذا أيضا صار الشيعة حاكمين في إيران بواسطة فقههم الخاص إلخ… ما ينشرونه باستمرار في المرحلتين هو شعور الغرور والاستعلاء بين مناضليهم، ممّا يجعل هؤلاء المناضلين يظنّون بأنهم أحقّ بالشهادة على الغير أو أحقّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحق بإعلاء فقههم أو قانونهم الخاصّ ما يعني أنهم أحق بالحكم.

نحن نرى ونلمس باستمرار أنه لا خير إلا في من قدّم الخير والمحبّة والسّلم لكلّ الناّس، ولا شهادة إلا لصاحب الحكمة والحقيقة والصّدق ولا يقدّم النصيحة بالمعروف إلا من يميّز بين المعروف والمنكر.

* الأمر بالمعروف كمثال ثالث:

وهكذا أيضا يُفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي حين أن عبارتي المعروف والمنكر تعنيان حين نَطق بهما النبي نمَطيْن من السّلوك والعُرف خاصين ومحدَّديْن في عصره، فإنّ في الأمر الديني نفسِه نداء للفرد لكي يتقيّد بالاتفاق الجماعي وبالمصلحة الجماعية التي تعنيها عبارة المعروف؛ إن الالتزام بالمعروف أو الاتفاق الجماعي هو مبدأ وقيمة خُلقية سابقة لدعوة النبي وقائمة إلى يومنا في كامل أصقاع العالم. فالجماعة البشرية وكيانُها يقومان على اتفاق خُلقي وقانوني وسلوكي من قديم إلى يومنا هذا. وما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا تصريح بعددٍ من تلك المبادئ التي تمثّل المعروف الكوني وتمنع ما يُنكره الجميع في عصرنا الحاضر.

إن التمييز بين المعنى الخاص المرتبط بالظّرف والحدث وبين المعنى العام الذي يصلح كقيمة أو مبدأ هو الذي جعل الطاهر الحداد كمُصلح ديني يتحدّّث عن فهم مقاصدي للدين. فالنص الديني الإسلامي، حسب الفهم المقاصدي، يُؤخذ على ما فيه من مقاصد الخير للناس ولا يؤخذ على ما فيه من تعليمات خاصّة أُحدثت للآن والظرف وتختص به ولا يجوز العمل بها خارجه.

ولا بد من التذكير هنا أن القدرة على الأخذ بما في النص الإسلامي من مقاصد الخير وعلى التمييز بين المعنى الخصوصي والمقصد الخيري إنما تتوقف قبل كل شيء على الالتزام المطلق بالصّدق ومحبّة كل الناس وعلى الاعتناق الصّادق والحقيقي لقيم الموضوعيّة العلمية وقيم التآخي والمساواة التامة بين كل الناس.

* “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوكم…” كمثال رابع:

تمثل هذه الآية واحدة من أكبر المستندات الفكرية داخل إيديولوجيا الحركات الإرهابية والأصولية الإسلامية. هذه الإيديولوجية أو اللاهوت الإسلامي الأصولي لا تعتبر الآية إجابة بلفظ بشري على ما كان يتطلَّبَه وضع خاص ومحدد ينحصر في إشكاليات المعركة بين النبي وخصومه.

أما المبدأ العام أو البرهان الكامن داخل الآية فهو واضح أيضا وهو يعني أن كل معركة تتطلب من كل طرف أن يعد ما استطاع من القوة.

فقهاء الجماعة المحاربة لا يرفضون خصوصية الآية فقط بل أكثر من ذلك فهم يطلقون معنى عبارة “عدو الله” في المكان والزمان. فتلك العبارة لا تعني، في منظورهم، ما كان يعنيه النبي من حالة العداء بين الدعوة الدينية الجديدة ومن كانوا يحاربونها من أبناء قريش، وإنما لها معنى مستقل عن الوضع الخاص بالنبي وعابر للمكان والزمان حسب زعمهم. فقد يكفي أن تكون مسيحيا لكي ينعتونك بتلك العبارة، وقد يكفيهم بحثك عن الحقيقة أو سعيك للفهم لكي تصير عدوا لله في منظورهم.

و”عدو الله” هذا الذي يوجد في كل مكان وكل زمان والذي لم يكلّ من معاداة الله يستحق كل ظُلم الدنيا وكل عذابات الآخرة!!

إنك لكي تقبل بهذا الفهم لعبارة “عدو الله” يلزمك أن تكون أشعريا: فكما لله “عين بلا كيف و يد بلا كيف وعرش بلا كيف…” له أيضا عدو بلا كيف!

وجد عديد المسلمين غرابة في أن تكون لله يد أو عين.. لذلك قال بعضهم بأن التعبير القرآني مجازي(محمد أركون) في مثل هذه الحالات وقال آخرون أن اللفظ القرآني بشري(ابن رشد) وقال غيرهم بالفهم المقاصدي (الطاهر الحداد) للنص القرآني ناهيك عما قاله المعتزلة في الموضوع الخ… وعبارة “عدو الله” لا تقل غرابة، فكيف لمخلوق أن يقدر أو يتجرأ على معاداة خالقه؟!

من أين يأتي العداء لله؟

ثلاثة أجوبة تبدو ممكنة، فإما أن يكون الله هو الذي خلق عدوا لذاته أو أن يكون المخلوق عدوا لله بمحض إرادته أو أن يكون طرف ثالث هو المصدر للحكم فيُصدر حكمه بأن هذا المخلوق عدو لهذا الخالق:

–لا أظن أحدا يقول بأن الله هو الذي خلق العداء لذاته داخل عقول أو أنفس مخلوقاته، لأن هذا يتنافى مع صفة الرحمة ومع منطق الابتلاء ومسؤولية المخلوق في ما يأتيه من ذنوب، كما يتنافى أيضا مع صفة الحكمة: فالله، وإن كان يفعل ما يريد، لم يتخذ ابنا لأن هذا يتنافى مع المعقول والحكمة حسب اللاهوت الإسلامي ذاته، فكيف يتخذ لذاته أعداء؟ أليس هذا أكثر غرابة وبعدا عن المعقول والحكمة ؟

–هل يكون المخلوق بمحض إرادته هو الذي يعصي خالقه ويعاديه؟ لا يقل الجواب بالإيجاب غرابة عن القول السابق. فالمسيحي أو المُلحد أو البوذي… إنما لهم قناعات مختلفة كسبها كل واحد بما توفّر لديه من معارف ومن صدق وما يحيط به من ظروف وأفكار..، فكيف يمكن لنا أن نتصور مثلا أن من توصّل، في بحثه عن الحقيقة إلى أنه لا يوجد خالق لهذا الكون، كيف نتصور أنه يعادي بمحض إرادته وواضح نواياه إلها لا يعتقد في وجوده؟

وحدهم الأصوليون الذين يكسبون اللفظ القرآني ويخسرون الحقيقة لا يجدون غرابة في الأمر.. وهم في الأثناء يرتلون قول الأشعري رمز الانحطاط الإسلامي:”له يد بلا كيف..له عين بلا كيف…”… وله عدو بلا كيف!

–يبقى الجواب الثالث إذا وحده الممكن وهو أن الطرف الثالث هو الذي يتهم أعداءه هو بالعداء لله. هكذا كل الحركات الدينية تخلط بين الديني والسياسي وتوظف اللفظ القرآني في صراعاتها السياسية فتجعل من منافسيها أو أعدائها هي “أعداء” لله.

* “لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه…”كمثال خامس:

جاء في سورة الأنعام:”ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نُردّ ولا نُكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين(27)بل بدا لهم ما كانوا يُخفون من قبلُ ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه…”.

لو أخذنا هذا النص على ظاهر ألفاظه لذهب بنا القول أيضا إلى أنه زيادة على وجود أعداء لله يوجد عصاة متشبثون بعصيانهم إلى الحد الذي يجعلهم:”لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه…”

كيف ولماذا اتّجه اللفظ القرآني هذا الاتجاه في الآيتين؟ مهما كانت الإجابة على هذا السؤال فإن ما يرفضه العقل ويعجز عليه التعقل هو القبول بأنه بإمكان المخلوق أن يعصي الخالق بكامل الوعي وسابق النيّة وبإصرار متكرر”لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه”.

هل يعقل أن هذا الكائن البشري الضعيف الذي يعيش حياة الذل والعبودية بأشكالها المتعددة اجتماعيا وسياسيا وفكريا وروحيا عبر كل تاريخنا السابق ومعاشنا الحاضر متمثلا ومطيعا لأدوات الردع البشرية، هل يعقل أنه بعد وقوفه على نار جهنم وبعد تذوق طعم أدوات العقاب الأخروية في حضور الرب، سيعود لما نهي عنه؟!

هل تعقل ألفاظ الآية بدون تخصيصها بوضعية الصراع والنزاع بين النبي وأعدائه؟

هل نحمّل في مثل هذه الحالات النبي كمترجم للوحي، أو الصحابة كناقلين ومدونين للنص الديني مسؤولية هذا الظاهر اللامعقول أم نحمّل عقولنا وحياتنا كل الأوزار ونطلق القول بأنهم “لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه”؟

إن غرابة ظاهر الآيتين لا تقل عن غرابة الآيات القائلة بانبساط الأرض. لكن رجال الدين الذين تفننوا في البحث عن تأويلات جديدة للآيات القائلة بانبساط شكل الأرض لم يروا غرابة في ظاهر الآيتين 27و28 من سورة الأنعام لأن ذلك الظاهر مازال حمّالا لمصالحهم السياسية وما يزال أيضا يمثل تعليلا وتبريرا لما يحملونه وينشرونه من حقد على الآخر ومن كراهية له وما يضمرونه من التسلّط والاعتداء عليه.

قد تكون الآيتان لعبتا فعلا دور التعبئة لأتباع النبي والتحريض على أعدائه، لكنهما اليوم بإطلاق معناهما الظاهر تصلحان فقط لتأجيج الخطاب الطائفي للحركات السلفية الإرهابية.

رغم كل الاعتبارات يظهر معنى خصوصي للآيتين ومعنى عام: فالآيتان قد تكونان قصدتا الإخبار بأن شخصا أو أشخاصا محدَّدين هم المقصودين وأنه ينبغي عقابهم على جرائمهم عاجلا وبالحاضر وعدم تركهم إلى حساب مؤجل. ويظهر أيضا معنى عام وهو القائل بأن المجرمين والمذنبين في حق الغير لابد لهم من عقاب عاجل في الدنيا ولا ينبغي تركهم بلا عقاب.

هذان المعنيان لا يعجبان زعماء الحركات السلفية وفقهاء الأصولية الإسلامية الذين يُعِدّون جيشا للحرب قوامه مسلمون يُؤدّون طقوس الطاعة ولا مانع عن إسلامهم حتى “إن زنوا وإن سرقوا” ولا داعي لعقابهم على ما آتوه من المنكر فتوبتهم أو دخولهم للجماعة تكفي وكراهيتهم وشدّتهم وعدوانهم على الآخر هي الثمن!!

*”إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” كمثال سادس:

يعيش المسلمون بصفة خاصة في علاقة متأزمة مع تراثهم بسبب الخلاف المتواصل بين تعقل ذلك التراث وتقديس ألفاظه. وهذه الأزمة تتعمق باستمرار عندنا منذ بدأ الارتداد الفكري عما أنجزته حركات الإصلاح وحركات التحرر في بلداننا. فبعدما كانوا يقولون في مدارسنا في الستينات أن نبي الإسلام يمتاز على غيره من الأنبياء بكونه لم يأت بمعجزات، صارت مدارسنا اليوم ورجال التعليم فيها يتفنّنون في تقديم “الإعجاز القرآني” كبديل عن الحجة العقلية وعن الحقيقة والصدق.

إنه في حين تتبين الحاجة الماسّة لترك اللفظ القرآني من أجل الأخذ بمقاصد الخير وبراهين المنطق وعلامات الحقيقة يواصل الخطاب الرسمي مثل خطاب كل الأصوليين في الاعتماد على التفسير الموروث للآية “إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون” لكي يؤكدوا على الطابع الإلهي للّفظ القرآني جملة وتفصيلا فهل يمكن الأخذ بفهمهم لهاته الآية دون خروج عن إطار الحكمة و التعقل المطلوبين؟

ذهب العديد من المفسرين منذ القرون الأولى للهجرة إلى نفس التفسير الذي تروّجه مؤسّسات التعليم والإعلام الرّسميين وكل الحركات الأصولية والذي يقول بأن كلمة “الذّكر” تعني الكتاب أو المنسوخة القرآنية الموجودة أمامنا، وأن هاته المنسوخة محفوظة من لدن الله بمعنى أنها تمثّل ألفاظا وأحرفا منزّلة لم يطلْها نقصان ولا زيادة ولا يطالها أي تغيير.

لكن التعقل يحملنا إلى اعتبار آراء أخرى أكثر انسجاما مع التاريخ ومع المنطق ومع مجمل نص المنسوخة القرآنية التي بين أيدينا. يقول المفكر المنذر صفر عند تعرضه لمعنى الآية سالفة الذكر أن كلمة “الذكر” إنما جاءت لتقصد بالتحديد قصص الأولين مثل عاد وثمود الخ…تلك القصص أو تلك الذاكرة هي التي تبقى محفوظة عند الله في اللوح المحفوظ.
(أنظر كتاب:le coran est-il authentique ص16-17 ).

قد يكفينا أن نلاحظ مع المنذر صفر كيف تعرّض النص القرآني إلى قصة شعيب في ثلاثة مواقع مختلفة بأشكال مختلفة للبرهنة على خطأ المزاعم الأصولية في تفسير الآية، ولكن طوفان الإعلام الرسمي وحدّة الرقابة الرسمية يتكلفان بطمس كل الحقائق.

إن كان اللاهوت الإسلامي يتحدث عن امتياز الإسلام بكونه لم يعتمد المعجزات، فقد انقلب الأمر في أيامنا وصارت للإسلام معجزاته: كمعجزة الكتاب الذي لم تمسسْ ألفاظَه يد البشر.

هل الإسلام في حاجة حقا لمثل هذه المعجزات؟ لا أظن ذلك … بل نداءات التعقل الواردة في النص القرآني هي التي تستحق الاحترام والاعتبار.

إنه من المفيد بالعكس أن نتحدث عن عجز الفكر الأصولي الإسلامي على استعمال الحجة وتعقل ما يُعلنه من مسلّمات. إنهم يُعلنون صباح مساء أن الله حفظ ويحفظ النص القرآني ولا يرون أبسط الحقائق حول ما لحق به من إضرار بتغيير ترتيبه الأصلي: يُعلنون بالصوت العالي مثلا أن اللفظ الديني “…اليوم أكملت لكم دينكم…”قيل في آخر الدعوة ولا يرون حرجا في وجود هاته الألفاظ ضمن الآية الثالثة من السورة الخامسة في الترتيب عوضا عن أن تكون في آخر الكتاب.

لو بحثنا بشكل آخر فيما تعنيه عبارة “الحفظ” لوجدنا أيضا أنها تختص بما كان يدور حوله الجدال مع النبي من نص قرآني وأن ذاك الجزء مازال محفوظا في حين أن أجزاء أخرى يصحّ عليها القول الآخر”ما ننْسخ من آية أو نُنْسها نأتي بخير منها أو مثلها…”.

أما إذا أردنا إخراج مبدإ عام أو برهان من الآية فلعلنا لا نخطئ حين نقول أنها تعلن أن ما ينزله الله لا يستطيع حفظه إلا هو وأنه مهما سعى النبي والناس من حوله للحفاظ على “الذكر” فإنه لن يحصل الحفاظ عليه إلا بالشكل والقدر الذي يريده هو. بهذا الشكل نتحصل على فهم متناسق للآيتين معا: آية الحفظ وآية النسخ. وهو الفهم المتناسق أيضا مع تاريخ الديانتين اليهودية والمسيحية حيث يعترف أتباع الديانات الثلاث بتاريخية ما وصل لنا من خطابها الأصلي.

لست منتجا لاهوتيا ولا أدّعي الوصول إلى التفسير الأدقّ والسليم لهذه الآيات بقدر ما أردت التلميح إلى أن ما يدور في محيطنا الفكري من الأفهام والتفاسير للنص الديني الإسلامي الرافضة لقيم الحداثة والحرية والمساواة والديمقراطية إنما هو مواصلة لما أنتجته الخلافة والجماعة المحاربة منذ وفاة النبي، وهو ما تريد تجسيده الجماعات المحاربة الجديدة تكريسا لمطامح زعماءها في التسلط وما تفرح وتسعد به القوى الاستعمارية طالما أنه يضمن دوام تخلفنا الفكري والاجتماعي والحضاري.

إنه لا يخفى على أي نظر سليم أن تقديس اللفظ القرآني أو صنمية النص الديني هو الذي يمكّن عناصر الحركات الأصولية الإرهابية من سلب المقاصد والبراهين حقَّها في العُلوية ، وهو الذي يجعلهم يحملون وينشرون إسلاما طقوسيا تقليديا ويجعل منهم بالتالي جماعات محاربة تدّعي التقوى والانسجام مع إرادة الحق أو تعيش الهوس بهما لكنها لا تحقّق سوى الخراب والدمار للجميع في الحقيقة والواقع.

*”ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”(المائدة 44) كمثال سابع:

يستعمل زعماء الحركات الأصولية هذه الآية ومثيلاتها لكي يكفّروا الحكم القائم وبقية المنافسين من الحركات السياسية. فالاختلاف حول عبارة “ما أنزل الله” لا يقف عند حدود الاختلاف بين اعتبار كلام الله متمثلا بألفاظ المنسوخة القرآنية وبين اعتباره متمثلا في المقاصد والبراهين التي يترجمها ويعبر عنها اللفظ، وإنما يتعداها إلى الاختلاف في تفسير وفهم أو تأويل اللفظ ذاته. والكل يعلم ما نتج وينتج عن الاختلاف حول معاني اللفظ من تعدد في المذاهب ومن صراعات وحروب طائفية.

هذه الآية أيضا تفهم بالمعنيين: الخاص والعام. فهي في معناها الخاص تخاطب المؤمنين الذين كانوا موجودين أمام النبي عند نزولها. هم المعنيون والمخاطَبون. ووجود النبي بينهم هو الضامن للتطبيق السليم لذلك الآي ولنسخه والإتيان بمثله أو بأحسن منه.

أما البراهين والنداءات لفعل الخير التي وجدت في الدين الإسلامي كما وجدت في كل الأديان والتي تمثل مبدأ الاستقامة في الحكم كما تمثل مصدر الإقناع والإيمان في كل الأديان، فهي التي تمثل بالتالي مقصد ومجال الآية في معناها العام والعابر للزمان والمكان. فالأمر بفعل الخير هو القائم والدائم والثابت، أما فعل الخير فيحصل حسب قواعد ومعارف وقناعات العصر وحسب معروفه وأخلاقه الخاصين به. فإن كان الخير في القرن السابع مثلا يتحقق حين تعتق واحدا من عبيدك لكي يصبح من مواليك الذين تأمُرهم وتُمثّلهم وترثهم.. فإن الخير يتمثّل اليوم في المنع والتحريم الصريحين والكاملين لعبودية الإنسان لأخيه الإنسان.

{{حول الأخلاق:}}

الأخلاق هي أساسا كل ما هو معلوم من قواعد السلوك التي تتميز تاريخيا لكي تتحكم في تبادُل الكلمة والإحساس. الأخلاق هي قواعد سلوكية تعلو على كل القواعد الأخرى المتعلقة بالمعاملات المادية؛ فإنْ تحقّق المبدأ الأخلاقي لما بقينا في حاجة إلى القواعد والضوابط الأخرى الدينية أو القانونية: إنْ صار كلّ الناس يفعلون الخير ولا يُضمرون سوى المحبّة لما بقيَت حاجةٌ للضوابط القانونية الأخرى. وبتعبير آخر فإنّ ما تُصلحه الأخلاق يُعفَى القانونُ من عناء تقويمه وإصلاحه. الأخلاق هي الأساس في هذا المنظور للبناء الجماعي .

لقد توصّلت الحكمة البشرية إلى الحديث عن وجوب انحسار الخطاب الديني في الخطاب الخُلُقي، وقد صار بالفعل غالب المُصلحين لأحوال الدين في العالم يطالبون بإفراغ القلب من الحقد والكراهية وملئه بمحبة الناس، وإلى كفّ اليد عن إيذاء الغير وتوجيهها لفعل الخير مع الآخر ومع الجار. إلى أن قال الفيلسوف سبينوزا بأن التقوى إنما هي فعل الخير مع الجار، وإلى أن صار المسيحيون يقولون بأن “المسيح وضع حدا للعبادة وأحل الأخلاق محلها”.

تنبغي، في هذا الإطار، مطالبةُ الأستاذ محمد الطالبي بمراجعة قوله في الصفحة 156 من كتابه”أمّة الوسط ” حيث جاء:”… وكذاك سلوك الذين يرفضون… ما ورد في الكتاب والسنّة من أوامر إلهية ونواهي وطقوس عبادة ، مردِّدين في غموض مقصود ولُُبْس مدروس أن الإسلام أخلاق ،وتأويل قولهم هذا ، الذي يشرحه سلوكهم ، أنه أخلاق فقط”؟

إن مثل هذا الخطاب لمحمد الطّالبي، باتّهامه نوايا الغير وبتأويله لأقوال الغير اعتمادا على اتهامات لسلوكهم ، لا يمكن أن يُفسَّر إلا ببقاء صاحبه تحت تأثير إيديولوجيا الجماعات الإسلامية المحاربة التي تسعى بطبْعها لعسكرة حياة المؤمنين وتوحيد لباسهم وسلوكهم وحركتهم. إن دفاعه على ما يسميه طقوس عبادة مبالغ فيه؛ لأن القيام بأي واحدة من الطقوس الدينية بشكل مستمر أو ظرفيا ينبغي، حسب رأيي، أن ينتج عن إحساس ورغبة حرة و ذاتية للفرد ولا عن إجبار أو واجب محدد بشكل صارم ونهائي. إنه يوجد فرق واضح بين التوجيه الصلب والمجيّش الذي تريده الحركات الأصولية المحاربة وبين التوجّه الإنساني الذي يريد أن يجعل من كل حركة للفرد عملا حرّا له ومعقولا لديه.

هل أذكّر محمد الطالبي بالآية “…وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر…” حتى يوافقَ على أن الصلاة إنما هي وسيلة للابتعاد عن الفحشاء والمنكر؟

لا بد دائما من التمييز بين المبدأ والدليل الرئيسي من جهة وبين التوجيهات التي قد لا تكون لها من غاية سوى تحقيق المبدأ وتطبيق قواعد الدليل من الجهة الأخرى.

هكذا حين تعلم أن أخْذ الدواء يساعد طِفلك على الشّفاء فإنّك ستأمُره بأخذه مرارا وتكرارا. وحين يسألُك طفلُك: لماذا تأمرني بأخذ الدواء؟ ستجيب بوضوح وتلقائية: خذ الدواء لأنه يساعد على الشّفاء؛ وقد تحذره أيضا من أن عدم أخذه لدوائه سينتج عليه استفحال المرض وعقابك المباشر له.

ألا يكون الأمر بالصلاة في النص القرآني من نفس القبيل ما دمنا نرى أن اجتماع الأمر بالصلاة مع الأمر بالابتعاد عن المنكر في نفس الآية القرآنية قد جعل ترْكَ المنكر غاية والصلاةَ وسيلة؟

أشكال الصلاة في العالم مختلفة باختلاف الظروف والغايات. فلا أحد يشكّ في أن صلاة الجماعة مثلا تصلح للمّ شمل الجماعة والتّمييز بين حدود الطوائف الدينية ولشحذ حماس الجماعة من أجل النضال الديني والحربي. وها نحن نشاهد اليوم معركة المساجد حيث صارت المساجد موقعا تسعى كل جماعة لكسْبه واستعماله من أجل إرسال خطابها الخاص وتنظيم صفوف مناضليها.

لكن المبدأ أو الجوهر في الصلاة فإنما هو مُثولُ الإنسان من تلقاء ذاته أمام الحقّ لكي يحاسِب النّفس ويَطلب المغفرة والعون من أجل النجاة والخير. الصلاة هي قبل كل شيء تلك اللحظة التي يطلب الإنسان فيها حقّه في الحياة والسعادة من الطبيعة والآلهة وهي أيضا تلك اللحظة التي يُواجه فيها الإنسان ضميره لكي يعتذر عن كل زلّة أخرجتْه عن طريق الحقيقة أو الصدق أو فعل الخير. هكذا يتعبّد كل الناس قديما وحاضرا وحتّى النهاية.

هذا الجوهر يأخذ أشكالا عديدة حسب الظّرف والحدث وتوظّفه الجماعات في الحقّ كما في الباطل. إنّه، عندما يصبح ممارسة جماعيّة، يتحجّر شكلُه ويصير تقليدا لا يُسمح بالحياد عنه. هكذا حركة الجماعة التي تبدأ دائما بالدّفاع عن الفرد تنتهي إلى أسْره.

كل المنظومات الأخلاقية والاجتماعية والدينية التي تنطلق وتبدأ بالنداء للخير والمصلحة الأعم تدفعها المصالح الفئوية المنتصرة لكي تصير مجرّد طقوس للتّكرار والتّقليد.

حين صار الإسلام يُقاس بإلقاء الذّّقُون كان ردّ “المتنبّي” على أصحاب الذقون بالقول:

أغايةُ الدّين أن تُعفوا شواربَكم………..يا أمّة ضحكتْ من جهلها الأمم.

وحين وَجَد أبو العلاء المعري حوله كثيرا من الإسلام الطُّقوسي قال أيضا:

وقد فتّشت عن أصحاب دين……..لهم نُسك وليس لهم رياء

فألفيت البهائمَ لا عقولَ………….تُقيمُ لها الدليل ولا ضياء.

هل أذكّر الأستاذ الطّالبي بواحدة من أجمل أغاني “فيروز” وأروعها تُردّد فيها نداءَ جبران خليل جبران إلى “المحبة”: ” أنتَ.. أنتَ.. إذا أحببْتَ.. لا تقلْ اللهُ في قلبي.. لكن قلْ: أنا في قلب الله” ؟

هل هناك أجمل وأروع من أن يكون قلبُ الله أو جوهرُ الحق حاضنا للمحبّة ولأهلها ؟ وهل هناك أعظم من المحبّة التي تفتح قلبَك وعواطفك نحو الآخر الذي يوجد خارج طائفتك أو قناعاتك؟

طبيعيّ جدا أن ترفض الجماعات الإسلامية المحاربة فهمَ الدين الإسلامي مثل غيره من الأديان على أنّه دينٌ للمحبّة والتّسامح والسّلم ودين لمفارقةِِ الحقّ الخاصّ من أجل الخير العام والمساواة بين الجميع ؛ لكن ما لا يُعقل هو أن يقدِّم محمد الطالبي رأيَه واتّهاماته باسم الإصلاح الديني أو باسم “إسلام عصري أو حديث”.

إنه قد مضى الوقت الّذي كان يُعتبر فيه الدين كمجموعة من الطّقوس والأوامر للتّقليد والإطاعة. ولن يَقبل العالََم باستمرارِ العديد من رجال الدين المسلمين في رفضهم لإعلاء أخلاق وقيم المحبّة والخير بين الناس. وسيجيءُ الوقت الذي تُعلن فيه قيادات المؤسّسات الدينية الإسلامية، عاليا وبكل وضوح، أنّه لا مجال لإطلاق معنى الآية ” محمد رسول الله ومن معه أشدّاء على الكفار رُحماء بينهم…” أو رفض اختصاصها بالنبي وبأحداث ذلك العصر. وهذا يعني أنّ المسلمين أيضا عليهم أن يحترموا الآخر وأن يُسابِقوه إلى فعل الخير وإظهار معالم المحبّة.

سيجيء اليوم الذي نرى فيه أُناسا مسلمين بصدق يقفون أمام جرّافات القهْر وينتصبون كالجدران في وجه الظّلم المسلَّط على بني الإنسان الآخر مسيحيا كان أو بوذيا أو ملحدا… ذاك الإنسان الآخر الذي سبقنا إلى قِمم العطاء أمام جرّافات الصّهاينة في الضّفة الغربية المحتلّة وأمام طائرات المحتلّ في العراق وفي مظاهرات الملايين في شوارع مدريد وروما و لندن الخ… نعم سيجيء يوم يَفهم الجميع فيه أن الحقّ له لغة واحدة هي لغة المحبّة وفعل الخير مع كل الناس من كل الأديان والمذاهب.

محمد الطالبي حرٌّ في أن يفهم الدين الإسلامي كما يشاء وهو حرّ في أن يحمل نفس الفهم الموروث والرّسمي، ولكن عليه أن يتْرك الحقّ لغيره أيضا في حرّية الفهم فلا يتّهمه مجانا بغموض القصْد ولا بنِّية اللُّبس أو سوء السلوك، فهذا من أبجديات قواعد الاحترام للْغيْر ولِفكْر الآخر.

غموض القصد ونوايا اللبس إنما يختفيان وراء السّعي إلى حرمان المواطن من التعرّف على الحقائق التاريخية ووراء السّعْي إلى تلقينه أفكارا لاهوتية مُنذ نعومة أظفاره عِوضا عن مساعدته على خوض غمار البحث العقلي وعلى ولوج عالم الحقيقة والصّدق.

{{ حول الحقيقة والإيمان:}}

ما هي العلاقة بين الحقيقة والإيمان؟ أو بين الحقيقة الدنيوية وعالم الغيب؟

الحقيقة الحاضرة بين أيدينا هي التي نستطيع ملامستها وفهمها واكتشافها وتجربتها… كل الآلهة حين، تعرّفنا بنفسها، إنما تقدم لنا أجوبة على تساؤلاتنا الفلسفية والحياتية في محيطنا الاجتماعي وكوننا المادي: تقدم لنا من موقعها الغائب والماورائي إعلانا للحقيقة والحق فهي تقدم ذاتها كالرمز الغائب للحقيقة والحق. بهذا المنظور يكون التعبد والإيمان أو الانسجام مع الله، رمز الحقيقة والحق، بانسجام أفعال المؤمن وأحاسيسه مع الحقيقة الدنيوية والكونية الملموسة.

بتعبير آخر أقول إنه ما دام الله يعرّف نفسه بمجموع إجاباته على تساؤلاتنا حول الحقيقة والحق فإنه لا ينبغي بأية حال من الأحوال أن ننسى الأصل أو نقبل بضمور بحثنا فيه والتزامنا به.

الحقيقة تظهر وتتمايز من قديم إلى يومنا هذا من ضمن كل الإنتاج الفكري البشري. وإن كنا نجد انعكاسا لها في كل التّراث البشري وفي النصّ الديني الإسلامي أيضا فإنها غاية الإنسان وغاية أرقى أبحاثه، كما أنها تمثل أقدس ما يتواصل ويثبُت من معارفه. وينقسم الناس في غمرة الكدّ والبحث والتطور البشري إلى صنفين : صنف يُطيع ويُردّد كلاما وأوامر صادرة من خارج عقله وضميره ويصدّق الرواية أو الأسطورة والإشاعة، وصنف آخر يُحقِّق ويفكّر ويجرّب ضِِمْن سعيِه المبدئي والدّؤوب للانسجام مع الحقيقة.

مهما شكّك المشكّكون في مقدرتنا على بلوغ الحقيقة فإنه لن يَقبل منّا ضميرٌ أو عقلٌ ولن تَقبل منّا الأرضُ ولا السّماء أن لا نكون من الصنف الثاني.

في الفلسفة تمثّل الحقيقة غاية أو جسرا بل طريقا واحدا نحو الحرية. فكيف لا تمثل الحقيقة في الفكر الديني جسرا وطريقا إلى الإيمان ؟ هل يَقبل الله أي سعي نحوه عبر طريق آخر غير طريق الحقيقة والحق؟ هل يعني الإيمان بأي دين أو مذهب أن نسْلك أيَّ طريق آخر غير طريق الحقيقة؟

لا أحدا يصرّح بذلك. كلّ الناس يقولون بانسجام مواقفهم مع الحقيقة ، لكنهم مختلفون في الفلسفة ومختلفون في الدين. فهل الحقيقة حقائق؟ أم هي واحدة يختلف الناس فيختلفون فيها؟

الحقيقة واحدة حين تكون التزاما وهي تتعدّد بعد البحث.

إنّنا نكون كلُّنا متماثلين و متّحدين حين نلتزم بالحقيقة فلماذا نختلف في أثناء البحث عنها ؟ إنّما يحصل الاختلاف لأن الالتزام يضعف عند أحدنا نتيجة تأثير الدوافع الثقافية ودوافع العادة والتعوّد، كما قد يحصل بدوافع الخوف وعوامل المغالطة المسلَّطة على الفرد من محيطه الخارجي.

نكون كلنا صادقين متماثلين أنقياء حين نلتزم بالبحث عن الحقيقة ويصل بعضنا إلى الإلحاد والبعض إلى إيمان مسيحي وآخر إلى إيمان إسلامي الخ… ينتج الاختلاف عادة عن الدوافع الخارجية: إنّه الضغط المادي والفكري المسلَّط على الفرد من طرف الأمر السائد والفكر السائد والتقليد والدعاية… ذلك الضغط الذي يتعاظم كلّما ابتعدت الدولة عن التزام الحياد.

نكون كلنا صادقين أنقياء في لحْظة الوفاء للحقيقة ويبدأ الخطأ عند من تَزلّ قدمُه عن ذلك الالتزام وعند من يُحرم أو يحرم نفسه من حرية الإطلاع وحرية البحث : إنّها لحظة بداية الاختلاف إنّها لحظة الخروج عن الصّدق والابتعاد عن الحقيقة. عند هاته اللّحظة تتعدّد الحقيقة فتصير حقائق. في هاته اللّحظة يختلف الناس فيختلف الإلحاد عن الإسلام وعن البوذية… كل المذاهب والأديان التي هي في الأصل إعلان باسم الحقيقة تتخالف وتختلف في لحظة سُقوط ذلك الإعلان. المُسْلم كالمُلحد والمسيحي والبوذي.. كلّهم صادقون ومؤمنون يستحقون قبول الأرض والسماء ما داموا يبحثون عن الحقيقة ؟ أما التقليد والطاعة العمياء فهما شيء آخر..

هل تكون الطاعة العمياء طريقا إلى الإيمان؟ هل يكون الإيمان طاعة لطقوس نجهل الحقيقة حولها؟

حتى يزول “الغموضُ المقصود واللّبس المدروس” سأتعرّض، كمثال، لعلاقة المسلم بسورة الفاتحة.

مَنْ مِن المصلّين اليوم لا يتلو واحدة من المعوّذتين مع الفاتحة في صلاته؟ مَنْ منهم يحمل فهْما وموقفا سليما ومتناسقا من الخلاف التاريخي حول انتساب الفاتحة والمعوّذتين إلى القرآن الأصلي الذي قرأه النّبي أمام أصحابه؟ سأقدّم هنا موقفَ وقول واحد من المؤمنين المصلين و الفقهاء في الدين هو فخر الدين الرازي. يقول الرازي في “تفسير مفاتيح الغيب” :” جاء في كتب القدماء أن ابن مسعود أنكر أن الفاتحة تشكّل جزءا من القرآن. وأنكر أيضا أن المعوّذتين تشكّلان جزءا منه. إعْلم أنه توجد هنا صعوبة كبيرة.

فإذا ما قلنا بأن التواتر كان قد حدث في زمن الصّحابة وفيه أن القرآن يشتمل على الفاتحة، فإن ذلك يعني أن ابن مسعود كان على علم بذلك. وبالتالي فإن إنكاره يعني الكفر أو النقص العقلي. وإذا ما قلنا بأن التواتر بالمعنى المشار إليه لم يحصل في ذلك الزمن، فإن ذلك يرغمنا على القول بأن نقل القرآن لم يحصل عن طريق التواتر في البداية، وبالتالي فإنه يكف عن كونه برهانا موثوقا. وهكذا نميل إلى الاعتقاد بأن نقل هذا الموقف عن طريق ابن مسعود كاذب وخاطئ . وعلى هذا النحو يمكننا حل هذا الإشكال أو تجاوزه”(عن محمد أركون هامش الصفحة 118من كتابه “القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني”)

لا أحد يجهل مرتبة الرازي الفقهية والنّقدية. لكنّه في تحليله، بعد اعترافه بالصعوبة الكبيرة التي تصاحب الحُكم في الأمر، نراه يَحلّ الإشكال ب”سهولة” أو تساهل وتسرّع كبيرين. فحسب رأيه ما دامت المنْسوخة القرآنية الموجودة بين يديْه بُرهانا موثوقا، فإن ” نقْل هذا الموقف عن طريق ابن مسعود كاذب وخاطئ.” . ابن مسعود هو واحد من العشرة المبشَّرين بالجنة في ما وصل إلينا من أخبار وهو سادس المصدِّقين. والنّاقِلُون لأخبار القرآن هم من الفقهاء واللاهوتيين الصادِقين حسب ما تعوّدنا على سماعِه، والسّلطات الدينية القائمة لم تكن تسمح البتّة بالكذب أو الخطأ بهذا الشّكل؛ فكيف حصَل النقل الكاذب والخاطئ عن ابن مسعود ؟ مْن بالتحديد، من بين الفقهاء ،من كذب أو أخطأ بهذا الحجم؟ ومتى حصل ذلك بالتحديد؟ من هي السلطة التي سمحت بذلك حتى يتجول الخبر في “كتب القدماء”؟ الرازي لا يجيب على مثل هذه التساؤلات.

نحن نعْلم أن جمع القرآن وإثبات نصوصه وقع على مراحل، وأنه إن لم يقع الاختلاف لما انتهى الأمر إلى حرق وإتلاف

انظر كتاب:Aux origines du Coran Alfred – Louis de Premare

وكتاب: Le Coran est-il authentique – Mondher Sfar

لكن الرازي لم يأخذ هذا الأمر بالاعتبار. كأنه تسرَّع فقفز إلى الله وإلى الإيمان متجاوزا أو متجاهلا الجسر والطريق: جسر الحقيقة وطريق المنطق.

هكذا كان ارتباك الرازي وهكذا كان حسمُه للإشكال بين الحقيقة من جهة وبين الإذعان للأمر القائم والحكم القائل بأن المصحف الموجود بين يديه يجب أن يُعتبر برهانا موثوقا.

فخر الدين الرازي، هذا المفكر العظيم باتّفاق الجميع وهذا الفقيه المفسِّر ، بعد إقراره بوجود إشكال ذي”صعوبة كبيرة” ينهار في دفعة واحدة أمام سلطة الطقوس و طقوس السلطة فهو لا يمضي في تِبْيان ما كان يَلزم تِبيانُه من تحديد للمسؤولية عن الخطأ، ذلك الخطأ الذي يمثل تعدّيا على الحقيقة وتعديا على التراث في نفس الوقت.

فخر الدين الرازي لم يُنكر وجود مصحف ابن مسعود ولا غيرَه من المصاحف. وسائرُ الفقهاء لا يُنكرون ذلك ، ولا ينكرون حدوثَ عمليات الإتلاف والحرق لنصوص قرآنية متعددة المراجع ، لكن لا أحد منهم يحتسب تلك العمليات والحوادث أو يُدخل نتائجها وتبعاتها في اعتباراته. لو كان الخليفة عثمان مثلا حافَظ على كل ما كان يُنسب إلى القرآن إلى جانب مصحفه الذي اصطفاه ، لكانت لدينا مادّة تراثية أوسع وأكمل، ولكان بإمكاننا كشف العديد من الحقائق.

“يطالب الناس بإلحاح، في العالم الإسلامي، بدولة الحقيقة والحق المثالية لكنهم يتعوّدون على طاعة دولة القوّة الحقيقية” .(ماكسيم رودنسون- صفحة 117 من كتابه- الإسلام: سياسة واعتقادات- طبعة آورا-1995 )

يصلح بنا الآن المقارنة بين موقف فخر الدين الرازي الفقيه وموقف هؤلاء المحاربين البُسطاء ضمن الجماعات المحاربة المعاصرة التي توصف بالإرهاب.

الفرق واضح بين الفريقين. فالرازي كغيره من فقهاء السّلف اتّصل بمادّة تاريخية واسعة تُمكّنه من الوصول إلى الحقيقة لكنّه بعد التعبير عن الاختلاف وبعد التردد أقرّ بالأمر الواقع طمعا أو خوفا، فهو يقفز فوق الجسر ولا يسلك طريق الحقيقة في مسيرته نحو الله والإيمان؛ أما الإرهابيّ المناضل داخل واحدة من الجماعات المحاربة الإسلامية المعاصرة فإنه لا يقفز فوق الجسر ولا يقفز فوق الحقيقة ما دام لم يتصل بشيء من المادة التاريخية التي اتصل بها فريق الفقهاء. هو صادق وموقفه منسجم مع الحقيقة الوحيدة التي يقدر على إدراكها في دولة الاستبداد والتوجيه اللاهوتي. تلك الحقيقة الوحيدة التي لقّنوه إياها منذ نعومة أظفاره في المدرسة وفي كل أبواق الإعلام المسموع والمرئي، هي التي تحمله على الانتحار وقتل الآخرين. يكمن منبع الإرهاب إذا في المدرسة وفي الإعلام الرسميين الذين لا يقدّمان مختلف الآراء الفلسفية في الدين والحياة ولا يقدّمان تاريخ الدين ومختلف المذاهب والتأويلات الدينية.

ثلاثة عناصر فاعلة تُمثل المسؤول المباشر داخل كل بلد على انتشار الفكر والسلوك الإرهابيّيْن. إنه ثُلاثي “الحقيقة الدينية القائمة” الذي يشمل الدولة صاحبة الخطاب الأصولي في المدرسة والمسجد وأجهزة الإعلام الأخرى كطرف رئيسي إلى جانب الفقيه والإرث الفقهي الأصولي كعنصر ثان ثم زعماء الجماعات الأصولية الذين يقومون بتفعيل الفقه الأصولي ولعب الدور الرئيسي في مسرحية المعارضة. هذا الثلاثي هو الصانع والحامي للحقيقة الأصولية التي تُمسك بعقول وضمائر البسطاء من مناضلي الجماعات الأصولية المحاربة. والدولة تحمل قسط الأسد من المسؤولية في هذا الثلاثي ، لأنها هي التي تعيد إنتاج أغلبية مقولات الفقه القديم وتحرم أبناءنا ومواطنينا من أنوار الفلسفة والفكر العلمي والعقلاني الحرّ ولا تلتزم الحياد بين مكونات الفكر البشري ولا تُعْلي من شأن الحقيقة بل لا تعتبرها طريقا للحرية و الإيمان.

{{حول الحقيقة النسبية وصنمية اللاهوت:}}

كثر الحديث عن الحقيقة النسبية حتى صار العديد من مفكري الظلام وأعداء الحداثة والحضارة يعمدون إلى إنكار وجود الحقيقة وفائدة البحث عنها بتلويحهم بالقول: “الحقيقة نسبية”.

الحقيقة التي نراها ونلمسها ونعيشها يرفضونها أو يرسلونها للغيب لكي تصير من كائنات الميتافيزيقا التي لا ينبغي البحث فيها! ألم يرسل شكسبير كل وجودنا إلى الغيب حين قال:”نكون أو لا نكون، هذا هو السؤال ” لكي يجيب ديكارت “أنا أفكر إذا أنا موجود”؟

لا يُستثنى من هذا المسعى فقهاء ومفكرو الحركات الأصولية الذين يقولون بأن العلم متردد ويناقض ذاته أو أن نتائج البحث البشري عن الحقيقة خاطئة أو نسبية في أحسن الحالات؛ أما ما تقدمه الرواية الدينية فهو يمثل الحقيقة المطلقة! هم يرفضون عبارة “الرواية الدينية” لكي يؤكدوا على انه “الوحي”. لم يوحى إلى أي واحد منهم بطبيعة الحال ولم يعرّج أي واحد منهم إلى السماء وإنما نبي الإسلام هو الذي روى ما وصله من وحي وما عاشه من تجربة الإسراء والمعراج؛ فحين يكون الوحي الديني حقيقة بالنسبة لنبي الإسلام أحسّ بها وعايشها فهذا يجعلنا نقول بأنه صادِق و لم يكذب على أصحابه لكن ما يُقنع الناس اليوم هو تلك البراهين الواضحة والحقائق الكونية التي تتأصل في كل أنحاء الدنيا وبين كل الشعوب. هكذا حين يسمع صيني أو ياباني أو مكسيكي بكلام القرآن حول الإسراء والمعراج والقول”إذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت” سيصنف كلام الإسراء والمعراج على أنه رواية دينية محضة لا يفهم شيئا فيها في حين أنه سيوقّع بإبهامه على صحة ومنطقية آية الموؤودة.

تظهر كل الأفكار منسوبة لشخص أو لمجموعة بشرية أو لعصر من العصور. فهي بهذا المعنى تمثل حقائق نسبية. الفكرة تصدر دائما عن لسان ينطق أو قلم يكتب فلا بد لها من التأثر بمعطيات اللسان والقلم والعقل، وهي بالتالي حقيقته النسبية التي تتحدد بتوجهات ذلك العقل ومعطيات عصره ومكانه.

كل تلك الحقائق النسبية لا تنفي وجود حقائق بالمعنى العام. فمن الحقائق الثابتة والكونية ما اكتشفه أجدادنا من أساليب إشعال النار ومنها نظريات جاذبية المادة وتماثل المادة بالطاقة… الحقيقة هي ذلك الهيكل الكوني الذي يجمع كل تلك الحقائق والذي يشارك في بناءه وصقله باستمرار كل الجهد البشري عبر المكان والزمان… نظرية أينشتاين ليست حقيقة مطلقة، هي فقط آخر صقل في عهده لجزء محدد من جسم ذلك الهيكل…

أمضى علماء وفلاسفة أعمارهم في بناء ذلك الهيكل الكوني العظيم الذي أسميتُه “الحقيقة” في حين يشتغل أناس آخرون بهدمه أو إخفاء نوره وبريقه. تلك هي الحقيقة التي لن يُكمل الإنسان اكتشافها أو بناءها، بل بالعكس، أطرافُها المتعددة آخذة في الاتساع والتكاثر. ورغم ذلك فقد ارتبط مصير الإنسان دائما بالسعي نحوها. حياتُه سعيٌ لكسبها، وسعادتُه في ملامسة بعضها، وحرّيتُه في تطابق وانسجام أفعاله معها.

إن كان البعض ينكرون السعي البشري لبناء هذا الهيكل ، فهل سينكرون أيضا كل تلك الحقائق الجزئية التي تتواجد داخل الحوار البشري كالعُقد التي تربط خيوطه العنكبوتية… تلك الحقائق التي نسميها منطقا أو براهين أو استدلالات والتي يتفق حولها كل البشر ولا يستطيع أحد إنكارها؟

هل ينكرون حقيقة أن الأوكسجين مع الهيدروجين يعطيان ماء في عالمنا؟ هل ينكرون أن إرادة الكائن الحي هي شكل لوجوده ولا يمكن لها أن تسبقه؟ هل ينكرون أن موت أي إنسان يتلو ولادته ولا يسبقها؟ أليس في معارفنا كثير من البراهين والحقائق من هذا النوع؟ حقائق مطلقة بمعنى أنه لا يمكن لأحد إنكارها رغم كونها جزئية ومرتبطة بجزء من الكون وبموقع فيه.

الحقيقة في التعريف العام هي ذلك المجهول اللامتناهي الذي كلما ينكشف جزء منه للإنسان إلا وانفتح مجال أوسع لمزيد البحث ومتعة الاكتشاف.

الحقيقة هي ما تسْعَد باكتشافه ويتسارع الصادقون والأذكياء للأخذ به في حين يتجاهله الحمقى والجبناء ويتجاهلونك بسببه.

إن كانت الحقيقة بحجم البحر والمحيط فإن مَنْ يكسب نقطة واحدة منها يكسب سعادة بحجم المحيط ويستحق احتراما بحجمه أيضا.

إن كانت المحبّة لا تعطي إلا ذاتها ولا تأخذ إلا من ذاتها حسب عبارات جبران خليل جبران فإن الحقيقة كذالك لا تعطي إلا ذاتها ولا تأخذ إلا من ذاتها.

الحقيقة التزام وبحث متواصل في الكون ثم التزام وبحث جديد في معارفنا عن الكون.. هي التزام وبحث متواصل في المتحرك والثابت، في البرهان وفي الرواية، في الفلسفة في العلم وفي الدين.

فقهاء الإسلام الذين يرفضون البحث في حقيقة الدين واللاهوت هم الذين تخلفوا وحدهم عن فهم واستيعاب التطور الديني الأخير: التطور الذي أخرج الدين من الصنمية.

بعد الانحناء أمام الأوثان الحجرية التي كانت تمثل آلهة اليونان انقطعت الرموز الحجرية في مرحلة ثانية من التطور الديني عن أداء دورها فصار الإله في “السماء” أو”الغيب”. بعدما كان ممثَّلا بالأصنام صار ممثلا أو متمثّلا بمجموعة من الأقوال والقراءات: هكذا كانت الأديان السماوية.

هذه الأقوال والقراءات بفعل سلطان العادة والتقليد عند الكائن البشري وبفعل نفوذ المستفيدين من مذبح الحرية والتطور والعقل، صارت أصناما بدورها في منظور المؤمنين البسطاء إلى أن ظهر التطور الديني الأخير أو”التديّن الثالث” كانتفاضة على صنمية النص والقراءات القروسطية، فقال هيڤل أن الرب هو العقل المطلق وصار المؤمنون يقولون إن السلوك غير العقلاني يناقض طبيعة الله. هكذا صار الله عند غيرنا ملهِِما للتفكير والبحث عن الحقيقة ولم يعد يُقبل كعائق للعقل أو مقيد للحرية.

{{خاتمة}}

لو أردنا في هذه الخاتمة أن نعرف كلمة “أصولية” لقلنا أنها تعني الامتناع عن تعقل النص القرآني نكرانا أو خفضا لمقصد عبارات”أفلا تعقلون” و”أفلا يتدبرون القرآن…” رغم كل ما تعلنه من التقديس للنص والانضباط له. وتعني الأصولية أيضا ذلك العمل السياسي الذي يعتمد على الإحساس بالغلبة والقهر لدى الإنسان في البلاد المتخلفة والإسلامية لإحداث المزيد من التخلف والقهر في نفس تلك البلاد.

وإن كان هذا المشروع يتحقق أحيانا ب”انتفاضة ” الإنسان المسلم فلأن هذا الإنسان يعيش وينمو وسط طوفان من الأفكار الأصولية التي لا علاقة لها بأي فهم تاريخي ومتعقل للتراث والتي تنكر وتجهل حقيقة الكون وحقيقة الدين معا في حين أنها تحظى بالدعم والحماية المتواصلة من طرف كل المؤسسات الرسمية والإسلامية الدولية والإدارات الاستعمارية الجديدة أيضا. هذا المشروع الذي يتحقق بيد الإنسان المسلم وبدمائه إنما يتحقق بعقل الهيمنة الاستعمارية التي حذقت ترجمة فصول برنامجها إلى لغة وألفاظ التراث الإسلامي الأصولي وإلى لغة الصراع الديني والطائفي المتوالد منه، تلك الهيمنة التي تقطف وحدها ثمار تخلفنا الثقافي والعلمي والتقني. وتبقى الحقيقة بل حبّكَ للحقيقة وجدّ ك وصدقكَ في البحث عنها هو الطريق للخلاص من الإرهاب الأصولي ومن كل أشكال التخلف.

{{الإحالات}}:

(1) فإن كانت صلاة الجماعة تمثل بالنسبة للنبي وأصحابه الشكل التنظيمي لجمع الشمل وشحذ العزائم والتهيئة للدفاع وكسب الشرعية للدين الجديد، فهي بالتالي جزء من تلك الحركة الدفاعية قبل فتح مكة حيث كانت تفهم المساهمة فيها كحاجة وضرورة من أجل بقاء الدين الجديد وأصحابه وإطارا أيضا لسماع توجيهاته من خلال وجوده المباشر أو من خلال الأئمة الذين يختارهم ويراقبهم؛ فكيف ستفهم شرعية صلاة الجماعة بعد وفاة النبي وضمن الشروط اللاحقة التي تتميز بتسلط الجماعات المحاربة على المادي والروحاني أو حين يرفض أئمتُها قيَم العصر من مثل قيم المساواة بين البشر أوحين يرفضون التوقّف عن نشر الكراهية ضد الآخر والمختلف وتمتنع أفئدتهم عن حمل المحبّة لكل الناس؟

صلاة الجماعة عند وجود النبي كانت جزءا من دعوته الدينية، أما بعد وفاته فهي جزء من منهجية ومشروع الداعين لها ونتيجة لفهمهم وتأويلهم الخاص للدين. وهي مثل الجهاد تستمد شرعيتها من الوجود الشخصي لنبي الإسلام ومن قيادته وتوجيهاته المباشرة.

(2) هناك طبعا، وراء هذه العودة، دوافع مصلحيّة: من بينها تلك الدوافع السياسية-الاقتصادية التي تريد لنا التخلف وتريد لطاقاتنا الاقتصادية والبشرية الدّمار عبْر قيام الحروب الطائفية وعبر تكريس العقلية الطّائفية للاحتراب والغزو في ربوع بلداننا المتخلفة. ولا بد من التنبيه إلى التواطؤ، الذي تُظهره كل الأنظمة في عالمنا المتخلف كما في بلدان المركز المهيمِنة، مع ما تُرسله قيادات الأصولية الإسلامية من فتاوى للقتل والجريمة: يقول سلمان رشدي حول فتوى الخميني لقتله : “كانت الرغبة، لإرضاء الحساسيات الدينية، كبيرة إلى الحد الذي، رغم مقتل مترجم في اليابان وجرح ناشر للكتاب بطلق ناري في النرويج، جعل الجميع يقبل بهاته النظرة المقلوبة. ورغم كل النداءات من الرأي العام لإيقاف العنف، لم يقع اعتقال أو اتهام أي شخص في المملكة المتحدة ولا في أي مكان آخر ”
( Courrier international :1-7 Décembre (2005

ويمتنع نجيب محفوظ عن نشر أحد كتبه بسبب تعرضه لطعن بسكين إثر فتوى أحد شيوخ الأزهر الذي قال: لو قتلنا نجيب محفوظ لما ظهر سلمان رشدي، في حين لم يحاكم الشيخ المدبّر للجريمة حتى يومنا هذا. هل أثمر التواطؤ الرسمي مع هذه الفتاوى غير الإرهاب والطائفية؟

وهناك أيضا دافع فكري- ثقافي ناتج عن فشل كل من حركة النهضة والإصلاح الديني وفشل دولنا المعاصرة في إقامة البناء الفكري – الحضاري القادر على حماية حاضرنا ومستقبلنا.

(3) هذه الحكمة من أهم ركائز الإصلاح الديني عند المسيحيين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق