مختارات من يوميات أناييس نن هنري ميللر:كائن أسطوري.. تموج كتابته باللهب

1931-1932

يشبه هنري ميللر كائنا أسطوريا، كتابته تموج باللهب، كتابة متدفقة هيولية، مضطربة، مخادعة، خطيرة: عصرنا بحاجة إلى العنف..

أتمتع بسلطة كتابته، بقبح هذه الكتابة وجسارتها وتدفقها، هذا المزيج الغريب من عبادة الحياة،وهذه الحميّا والتلذذ الشغوف بكل شيء، الطاقة والخصب ، الضحك والعواصف المدمرة التي تربكني ، كل شيء يهب عاصفا: الرياء ، الرعب ، الإشفاق،الزيف ،إنها ثقة الموهبة بنفسها..

يستخدم هنري ميللر ضمير المفرد المخاطب في أحاديثه، و الأسماء الحقيقية  دونما ألقاب، ويرفض السياقات والقوالب،يرفض الرواية نفسها ..

كثيرا ما كنت أؤمن بحرية”أندريه بريتون”، أن يكتب المرء كما يفكر، بنظام أو فوضى، بالطريقة نفسها التي يحس بها ويفكر، ويتبع   سلطة حواسه مع افتقاد التناسب بين الأحداث والصور ومنح الثقة للآفاق الجديدة التي يقاد إليها القراء، طقوس عبادة المعجزات، وثمة طقوس قيادة اللاوعي

طقوس الأسرار، الانفلات من المنطق الزائف..

إن طقوس اللاوعي التي صرح بها رامبو ، ليست طقوس الجنون إنما هي مسعى لتجاوز  الجمود والقوالب ،التي  أوجدها العقل القويم..

كان هنري ميللر يمتلك مزيجا غريبا من هذه الأشياء كلها، وكان طبيعيا أن ينسحر بكتاب أو يخلب لبه شخص ما، أو تفتنه فكرة، إنه موسيقى وكاتب ورسام، ويلاحظ الأشياء من حوله: يلاحظ الامتلاء الفاتن لقناني النبيذ، هسيس احتراق الحطب في المدفأة، ويختار من كل شيء ما يتيح له أقصى المتع..

كنت أبحث في القواميس عن المفردات التي يستخدمها هنري في حديثه ، غير أنها لم تكن موجودة هناك..

بعد مغادرته، تهاوت بهجتي، إذ فكرت أنني قد لا أكون ممتعة بالنسبة له، لقد عاش هنري كثيرا جدا ، عاش حياة مضطربة ،قاسية  ومكتظة بالأحداث وكأنه إحدى شخصيات دوستويفسكي في الحضيض الأسفل ولسوف يجدني إنسانة عديمة التجربة.

– ما شأني بما يظنه هنري بي ؟؟؟

لسوف يعرفني عاجلا كما أنا ،هنري له عقلية ساخرة ولسوف أراني في هيأة كاريكاتورية ؟؟

ترى لماذا يتعذر علي التعبير عن “أناي” الأساسية..؟؟؟

أنا أيضا ألعب أدواري، فلماذا أبالي إلى هذا الحد؟؟؟

كنت شديدة المبالاة بكل شيء، العاطفية المفرطة والحساسية هما رمالي المتحركة، لقد فتنت بخشونة هنري وزوجته جوين، كان الأمر جديدا علي ..

كنت قد انهمكت في الحب، فما الذي يريده مني بعد؟؟

كان يريد كل شيء!!، فهو يكاد يكون صعلوكا، ينام في أي مكان، في منزل صديق، في محطة قطار أو غرفة انتظار، على مصطبة دار للسينما، أو في متنزه، وهو لا يملك ثيابا وما يرتديه ليس له..

يعيد هنري كتابة أول كتبه ( الديك المجنون)، يعيش يوما بيوم، يقترض، يشحذ، يتطفل، ويتمنى أن يقرأ المجموعة الكاملة لمارسيل بروست، أرسل له الرزمة ومعها بطاقات القطار حتى يتسنى له المجيء لرؤيتي متى شاء..

لم يكن هنري يمتلك آلة كاتبة، فأعطيته طابعتي..ولأنه مولع بالوجبات الفخمة ،أصبحت أطهو أطباقا باذخة  فاخرة ، أريد أن امنحه بيتا ودخلا وضمانا ليستطيع مواصلة الكتابة ..

شباط –فبراير 1932

وضعت في متناول يدي رسائل هنري ميللر النفيسة الهائلة: انهمارات .

كنت اشعر بالعرفان إزاء غنى شخصية هنري ميللر، وكنت أود الرد على هذا الأمر بالفيوض والتدفقات التي توازي غناه، ‘إنما وجدت نفسي أحتفظ بأسرار معينة كما كانت تفعل جيون..

هل كنت أشفق من السخرية ؟؟

كنت أرجئ التمردات….

اعتقد هنري أن جيون نجحت في إغوائي، لكنه سوف يعرف الحقيقة من خلالي آخر الأمر، مثلما فعل ( مارسيل بروست) عندما كان   يتحدث في غاية الانتشاء مع صديقة لـ ( ألبرتين)والتي ستنبؤه بعض مالا يعرفه عن (ألبرتين)، أكثر مما لو كان يتحدث إلى ألبرتين نفسها، والتي كانت تكتم عنه كل تفاصيل حياتها..

لقد وعدت هنري أن أقوده وآخذ بيده إلى عالمنا، عالمي..

إنه لأمر ممكن تماما أن أكون أشد كتمانا من جيون.. أكثر خوفا في الإفصاح عن نفسي..

لطالما عانيت بسبب تعدد (وجوه الشخصيات) الذي كنت أسميه في بعض الأحيان (ثراء) ولكني أراه في أحيان أخر نوعا من وباء متكاثر كالسرطان ..

إن أول تصور يخطر لي عن الناس يتساوق مع الكليانية بينما كنت أتشكل من مجموعة (نفوس)

وأتكون من شظايا….

كنت أدرك أنني مشوشة مثل طفل اكتشف توا أن للإنسان حياةً واحدة، فأردت أن أعوض هذا الواقع بتعدد التجارب ، أو لعل الأمر  يبدو  وكأن المرء يندفع  وراء جميع النزوات فتأخذه في اتجاهات  متباينة ..

وعلى أية حال –فإنني عندما أكون سعيدة – ويحدث هذا في ابتداء الحب وعذوبته، أحس كأنني قد وُهِبت حيوات متعددة..

كان من السهل جدا على هنري أن يقول عن جيون بأنها إمراة صادقة، كان لنا جميعا أن نكون صادقين إزاء اللحظة النابضة، إزاء الحياة وليس إزاء من نحب..

كنت قد وقعت في فخ جمال جيون وموهبة هنري وكنت أمنح كلا منهما شيئا منيّ يمضي إلى شخص كل منهما…

الكاتبة القابعة في أعماقي كانت تجد متعة مع هنري و هنري يمنحني عالم الكتابة، أما جيون فإنها تقدم لي المخاطرة..

كان ينبغي لي أن أختار بينهما….لكنني فشلت..

يتحدث ( هنري ميللر) عن ( القديس فرانسيس) متأملا في فكرة ( القداسة)..

سألته: لماذا ؟؟

– لأنني أعتبر نفسي آخر الرجال على هذه الأرض..

شرعت أفكر بهذا الاعتراف المخلص الذي منحني إياه، وأفكر بقدرته على أن يكون باعثا على المهابة، ذلك انه لم يكن قط شخصا فاسدا أو منافقا..

عندما أكون في تجليات حالتي الطبيعية فإنني انغمر في إعداد الطعام، أوقد النار وأمارس الطهي..

يقول هنري:  حتى الآن لم أجدني طبيعيا أمامك..

يقولها بتواضع واستمتاع فأرى (هنري ) آخر مختلفا عن ذلك المدوّن في الكراسات والكتب ..

يعيش هنري حياة يمكن أن توصف بالدعة وفي أحيان أخرى يفلت من الراهن، كراسات الكاتب وأحاسيسه لا تكون ضمن مدى اللحظة دائما ..

وعندما تستغرق هنري الكتابة يبدو وكأنه يشع دفئا وتظهر ردود أفعاله بتعبيرات مسرحية ..

أحاديثنا: هو بلغته الشاعرية المألوفة وأنا بلغتي ، لم أكن أستخدم  أيا من مفرداته قط ..

هو بحذره الدائم، وأنا باندفاعاتي الصادقة، ويبدو لي أن ( لائحتي ) أكثر باطنية وحدسية وانتماء للغريزة فلم تكن تظهر أو تطفو على السطح كما يحدث مع هنري فأفكاري حيوية متحركة مقابل تحليلات هنري القاسية..

إيماني بالمعجزات يقف مقابل فجاجة تفاصيله وواقعيتها ينتابني المرح عندما يقتنص خلاصتي:

– تبدو عيناك مثل معجزتين دفاقتين..

ترى، من سيجترح هاتين المعجزتين؟؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق