رهان الأدب الشخصيّ: في كتاب ” ماذا علّمتني الحياة ؟” لجلال أمين

يذكر جورج أورويل الروائي الانجليزي الشهير ( إن كتابا في السيرة الذاتية لا يمكن أن يصبح محلا للثقة ما لم يكشف عن بعض الأشياء التي تشين بصاحبها ) لذا أطال جلال أمين الاعتذار لقارئه مما حاذره و تجنب ذكره من وقائع ربما يوقعه سردها  أو الإفصاح عن تفاصيلها في ما لا يريد بسطه.

والحقيقة أن معظم كتاب السير الذاتية يعمدون إلى هذا سواء صرحوا بذلك أم أغفلوه  بينما يمعن جلال أمين في عرض الآليات التي اعتمدها في الإغفال و التحوير  وكثيرا ما يقع أمين تحت وطأة القارئ المتخيل و مزاجه و طبيعة صبره وردود فعله مما يجسد جدلية العلاقة بين الكاتب و القارئ في صياغة العمل الإبداعي و دور القارئ الناقد في هذا. لقد عمد جلال أمين إلى كتابة مذكراته بطريقة تذكرنا بجدولة الشعور لدى مارسيل بروست في بحثه عن الزمن المفقود.

فقد كان يكتب و منذ عشرين عاما أي حادثة أو حدث يعبر خياله أو ذاكرته مما يمكن أن يعتبره مهما لكنه و تجنبا للألم الذي ينجم عن قول الحقيقة صرفة دونما تزويق أو تجنب لبعض تفاصيلها المربكة فقد عمد إلى إغفال الكثير من الأسماء أو التفاصيل التي تفضي إلى معرفة  أصحابها و ربما أحيانا إلى تغيير طفيف في الوقائع مما لا يغير ماهية الحدث أو المراد من سرده كيما يخلص إلى إخراج شخوص الوقائع من حرج الافتضاح. لكنه يخلص في ما يقدمه لقارئه من سيرته الذاتية هذه إلى القول إن الشبه بين الناس في تفاصيل حياتهم و توجهاتها الكلية كبير جدا إلى درجة تتجاوز قدرة التخيل سواء في ما يعيشونه من سعادة و نجاح و فرح او فيما يعانونه من إحباطات و خيبات وانكسارات.

وكما يرى النحات في الصخرة البكر ذلك التمثال البديع القابع في أحشائها فلا يعدو عمله  فيها عن إماطة الغشاوات و اللواصق و الزوائد التي تحجب رؤية ذلك النحت الجميل و تحول دون ظهوره كذلك يعمد صاحبنا في سردياته إلى إقصاء الزوائد التي لا تخدم مغزى الحدث الرئيس والمتسلسل الذي يفضي إلى تشكيل الصورة النهائية لتلك السيرة التي تبدو في منتهاها  كأنما سارت وفق أحداث متسلسلة تحكمها غائية تفضي بالضرورة إلى ما آلت إليه.

يقول الروائي البريطاني ألدوس هكسلي في مقارنة بين القصص الخيالية و الوقائع الحياتية المعاشة (تكمن مشكلة القصة الخيالية أنها تنطوي على مغزى و معنى أكثر مما ينبغي  بينما ما يحدث بالفعل في الحياة لا يبدو أن له معنى أو مغزى على الإطلاق). ربما هكذا بدا لهكسلي كون القصة الخيالية تأتينا بتكثيف عال و قصدي للزمان و المكان و كأنها تضع لنا التمثال البديع في لحظة واحدة في مكان قريب و محدد تحت أبصارنا بآلية تستدعي الإبهار، بينما ما يحدث بالفعل على مسرح الحياة فهو سيرورة بطيئة و متقطعة لانتقال تلك الصخرة من حالتها الخام إلى منتهاها كتحفة فنية استوفت حظها من الصنعة و الإبداع.

و الحقيقة إن وقائع الحياة المعاشة سيما في عصرنا هذا فيها من الغرابة ما يتعدى حدود الخيال بأشواط كبيرة إذ أن التحولات الخطيرة في سرعة الاتصالات والتغير الطارئ في مفهوم الزمن و المسافة و ما نتج عنهما من تحولات نوعية في المجال الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي أفضت إلى وقائع و أنماط و ابتكارات حديثة فاقت بكثير آفاق المتخيل القديم لدرجة انه أصبح من العسير و العسير جدا تصور أو تخيل ذرى لا يمكن بلوغها في الأفق المنظور.

ويمضي جلال أمين في عرض سني عمره و ما حوتها أو زامنتها من أحداث متنوعة بدءا من الولادة العسيرة مرورا بالطفولة و اليفاعة و ما كان لهما من كبير اثر في رسم ملامح شخصيته عبورا بالجامعة و عالمها الغني و ما تلاها من محطات فكرية و سياسية واكبت بزوغ الفكر القومي و الوحدوي و رصد ما مني به من صعودات و انكسارات. لكنه يتوقف طويلا عند حال المصريين و ما آلت إليه أوضاعهم بين الأمس و اليوم و يتساءل ماذا حدث للمصريين عقب توقيع السادات لاتفاقية السلام  و يستعرض مسيرة مصر في أربعين عاما بحيث يرصد مسارا طويلا من التحولات الخطيرة من عصر سادت فيه النخب الثقافية و السياسية الى عصر الجماهير الغفيرة التي يستطيع فيها فلاح في قريته و بائع متجول في سوق شعبي أن يخاطب العالم عبر الفضائيات شأنه شأن كبار السياسيين و المفكرين.

في فصله الأخير الذي يسميه البدايات و النهايات و كأنه يختصر سنوات عمره بين هذين القوسين يتبدى لنا مقدار الدهشة الفائقة التي تصيبنا من اكتشاف ذلك الكم الهائل من الأشياء و الأعباء و المشاغل التي حملتها كواهلنا طيلة سنوات طويلة و التي بات من اليسير جدا التخلي عنها دون أن يصيب حياتنا أي تغيير يذكر خلا  تلك المساحة الرحبة و الفضاء المتسع الذي يتيحه التحلل من سطوة تلك الأحمال و التي تمنحنا فرصة ثمينة للتأمل و التمتع بذلك اللاشيء الذي بحث عنه همنغواي طويلا و لم يجده. انه السعادة الصرفة ببساطة الأشياء و المعاني و الآخرين الذين صبغوا حياتنا بعطرهم وموسيقاهم. لكنه يصل في نهاية المطاف إلى قناعات تشبه زهد المتصوفين حيث يعتبر الكثير من الأشياء التي كانت تغريه ببريقها غير جديرة بالاهتمام أصلا  لكنه مع هذا لا يفقد قدرته على الابتهاج و ربما الاهتياج لمواقف أو ذكريات أثيرة إلى قلبه لما تحمله من حس إنساني عميق و بساطة شفافة يجد فيها جوهر سعادته. لكن جل ما يريد جلال أمين قوله إن الحياة علمته كما  تروي أحداث الفيلم البولندي الصامت الذي لا يتجاوز طوله الدقائق العشر حيث تبدأ القصة البسيطة برجلين يخرجان من البحر يحملان دولابا ضخما عتيقا يصلان به إلى البر بمشقة كبيرة و إعياء باد و يستمران في سيرهما عبر أرجاء  المدينة و كلما حاولا ركوب الترام او دخول حانة او ارتياد مطعم أعاقتهما صيحات الاحتجاج و ممانعة الناس لحملهما ذلك الدولاب و هما يستمران في محاولات يائسة و بائسة في المضي قدما إلى أن ينتهي بهما المطاف بالعودة إلى البحر والغياب في مياهه التي منها خرجا  وشيئا فشيئا يغيبهما الماء و هما يحملان دولابهما الذي يمثل قدرهما المحتوم  الذي لا يملكان الفكاك منه.

بهذه الرؤية القدرية يرى جلال أمين الكثير من حيثيات حياتنا التي لا نملك لها تغييرا فنحن لا نملك اختيار آبائنا و عائلاتنا التي منها نشأنا و عدد إخوتنا و طولنا و وسامتنا أو دمامتنا أو موطن القوة و الضعف في أجسادنا أو البلاد التي فيها ولدنا و كثير غيرها من الأشياء التي نحملها معنا أينما حللنا و ارتحلنا كأنها صخرة سيزيف.

*باحث سوريّ

جلال أمين ( ماذا علّمتني الحياة ؟ دار الشروق  2007 )

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق