أبي لم يكن من عادته الموت

أمس مات أبي

وأتيت أحاول رمشا

أقول لعلـّي أوقظ نورا به

غير أنّ الرّموش كما العشب نيّئة

وهي تخضلّ مشبوكة، من ندى أو ظلام.

 

 

منذ عام، ترصّـدت هذا الغياب

يتخلـّـل كالماء نومي.

وأعددت ما ينبغي من طقوس المراثي له

(مراثي حبيب بن أوس، حماسته، بابها في السّرى والنّعاس،

مراثي هذيل، عروض الخليل بن أحمد…)

كنت أدوّن عاداته: التّلفون الذي يتخلـّـل ليل أخي،

دونما سبب، أو لتـزجية الوقت، أو”هكذا”

( أمس في آخر الليل رنّ، ولا أحد ليردّ،

ترى كان يسأل عن أيّ شيء؟

عن الوقت والطقس؟ عن طقم أسنانه كيف ضاع؟

ترى هي آخر تلويحة، وهو يستأذن الموت

بالانصراف إلى جهة منه أخرى؟ )

وأشياؤه لم تزل مثلما هي عادته:

زيته السّاحليّ صباحا

وقهوته سادة مثلما أمرته الطبيبة ( سكّرها كان يخفيه

في حـقـّـة عنده )

العسل الجبليّ، اليوغرت الطـبيعيّ،

لكنّ نظـرته ـ وهو يرهف عينيه ـ إذ يتسمّع جارتنا

وهي تمشي بكعب الحديد على العشب

أو من وراء السّياج تنادي عليه،

انطـوت مثـل زاوية في كتاب

ولم يكن الموت إحدى عوائده قطّ

أو من مشاغله

 

قلت أرثيه، حاولت

لكنّني لم أجد

من كلام المراثي الطويلة إلاّ مراثي الكلام.

 

( ـ ألو؟ من؟

 ـ أنا

 ـ أنت؟ هل عدت؟ كيف؟

 ـ ومن قال إنّي ذهبت؟ )

 

 إذن ينبغي يا أبي

أن تغيب ولو مرّة، وتـتـرك للضوء

أن يجرح الماء  في نوم طفلك،

حتّى أراك كما أنت

تملأ أغصان ظـلّـك،

تهبط سلّمك الحجريّ وئيدا

                                وئيدا

وأن تـتـعـوّد موتك

حـتّى أنـــــام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This