في فلسفة الخطّ الأحمر و” علومه “

لو كان الاستبداد رجلا وأراد أن ينتسب ويحتسب لقال أنا الشر وأبي الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر و أختي المسكنة وعمي الضر وخالي الذل وابني الفقر وابنتي البطالة وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب أما ديني وشرفي وحياتي فالمال ..المال.. المال) نضيف إلى تأملات الكواكبي في طبائع الاستبداد: أما مكان إقامتي المجيدة فهي وراء الخط الأحمر.

استعارت أدبيات الاستبداد مصطلح “الخط الأحمر” من حقول الألغام و”خطر الموت” في الأماكن القاتلة، ورسمت خطوط تماس ملعب السياسة خطا أحمر وحولت الجماهير إلى رعية مصفقة لكل هزيمة و لكل “فاول” و لكل ضربة جزاء يسجلها “لفريق الحاكم” على شعبه، وصكّت له قوانين الطوارئ والأحكام العرفية لإبقاء الخط الأحمر قانيا ملتهبا. لا يجرؤ المستبد العيش “سكوب بالألوان الطبيعية” يعني أن يصفرّ ويشيخ ويستقيل ويتقاعد، فله الصدر دون العالمين لكن وراء الخط الأحمر أو القبر.

صحيح أن معظم الخطوط الحمر معروفة في هذا البلد العربي أو ذاك وبعضها برتقالي وبعضها الآخر اقل احمرارا أو اصفر وكاد أن يسقط إبان خريف سقوط البرجين، لكن ّالرعية المستبد بها تتجنب بغريزتها الاقتراب من أي قطعة حبل بعد لسعة الأفعى، فيصعب جدا في بلاد الاستبداد الأسود معرفة مزاج السلطة في الاقتراب من الخطوط الوردية والبرتقالية. ولذلك “تتحيون” الرعية لكي تتناسب مع اسمها كرعية فتتجنب مشتقات اللون الأحمر كلها إيثارا للسلامة فتصاب بأمراض البصر مثل العشى السياسي – وبالتالي الاجتماعي – ثم بأمراض البصيرة، فترى الحقائق مقلوبة: الأسود ابيض والعدو صديقا والزعيم شمسا والخطأ صوابا والهزيمة انتصارا والانتهازي بطلا..

المستبد يمنع “الرعية” من الدنو من الخط الأحمر، و ليس العدوّ عن حياض الوطن. يمنعها ليس لأن فيه خطرا طبيعيا على صحة رعيته من أنياب الحيوانات المفترسة أو أكل الأعشاب المسمومة أو من التوتر السياسي العالي أو “الإشعاع السلطوي النووي” الذي اخترعه علماء الوطن الذين فروا بجلدهم وعيونهم من بلاد “الأسود والأبيض” إلى الشمال الملوّن بل لأن الاقتراب منه سيكشف أنه قد اسوّد من زمان بعد جفاف دماء جثث الأبرياء الذين جازفوا بمحاولة اختراقه، والذي طمرت تحته مواد دستورية ووئدت تحته الأخلاق والشرائع . يمنعها لأن نخب الشعب قد تتعلم لعب كرة السياسة وتكسب إعجاب الشعب وهي كارثة على “الصدر” وقد تودي بالطاغية وأعوانه إلى القبر.

الخط الأحمر الأشهر الممنوع الاقتراب منه في الغرب هو خط الهولوكوست، و في الخط فضيلة في جانب منه بسبب ارتكاب الغرب جريمة المحرقة ضد اليهود، لكن الغرب لشدة تبكيت الضمير والإحساس بالذنب أو لغيرته وحسده من الشرق عوّضها باعتذار دامٍ على حساب الشرق الإسلامي : بهولوكوست جديد في فلسطين تمارسها الضحية القديمة. في الغرب يمنع الاقتراب من الجلاد اليهودي أو نقده، أو محاولة عدّ جثث ضحايا المحرقة أو التشكيك في عددهم. أو الإشارة إلى أي هولوكست قد ينافس مبكى الضحية المدللة الذهبية؟ كان الحقوقي السوري و رئيس رابطة حقوق الإنسان العربية هيثم مناع قد اكتشف قبل أحداث سبتمبر أن الهولوكوست اليهودي استنفذ خزين الابتزاز وطفح الكيل بالغرب من اليهود، فوقعت أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر وتم بعث الخط الأحمر الغربي من جديد تحت اسم الإرهاب الإسلامي .

أما في البلاد العربية فالخطوط الحمراء كثيرة ومتداخلة، والهولوكوست البارد مرتكب بحق الشعب ونخبته! وأي محاولة للاقتراب من الخط الأحمر تهدد بكشف الجرائم الدستورية والقانونية والشرعية فالمنع هو الحل الأمثل، وهو خط يخضع للضغط الجوي السياسي العالمي فقد يتمدد أو يتقلص بحسب العوامل الجوية المختلفة: أول الخطوط هو كابتن الفريق السياسي وأعوانه الذين هبطوا على السلطة بدبابة أو حتى زملاؤه على عروش البلاد الأخرى !!وهو ليس خطا وحسب إنما هو وطن، أول الخطوط هو أحمر الزعيم ثم أحمر التشكيك في عدد انتصارات الزعيم أو تصويره بغير الصور التي يحبّ أن يظهر بها، (كتصويره سينمائيا بالبيجامة أو بالجلابية الشعبية بل إنّ الكاميرا التي تشرف على نقل خطبه غير البتراء يشرف على نقلها أمهر المصوّرين حتّى إذا تثاءب أو تجشّأ أو ضحك بلا مناسبة عملت الكاميرا زووم آوت أو ” قطع” تصويري ) أو الانتقاص من خَلقه أو خٌلقه، و الخط الأحمر الثاني هو الفريق الحاكم، و الخط الأحمر الثالث هو الثورة المجيدة والرابع هو ثروات أقرباء الكابتن والخامس هو صندوق الانتخاب الأحمر القاتل.. وقد تتحول كتابة همّ يومي أو رسالة أو صحيفة خطا أحمر ! ويتم اعتقال أيّ ناشط يتدرب على كرة السياسة في الحارات الشعبية خوفا من اقتحامه الملعب واكتشاف الجمهور أن الفريق السياسي الحاكم حفنة قراصنة لا يجيدون سوى الرسم بلون واحد وبريشة البندقية الحديدية .

يزعم رعاة الخطوط الحمراء أن له اسما سياسيا هو الإكراه، والإكراه هو الذي يوفر الخط الأبيض للشعب الذي هنا هو الأمان المزعوم، وهو أمان منع الاشتباك بين فئات المجتمع وطوائفه، فكل مستبد يجعل أهل بلده شيعا ” يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ” مطبقا قاعدة ( فرّق تسد) منذ فرعون موسى، وهو أمان كاذب، لأنه أمان الخوف الذي يدفع المواطن إلى التقوقع في صدفة العيش الأسود. الخط الأحمر لو انتسب لقال: الطاغية أبي والمخابرات خالتي واليتامى هم الشعب، والقضاة هم شهود الزور والدستور أمي المطلقة الثكلى المحكوم عليها بالمؤبد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق