عن المدينة ذات العباءة القرمزيّة

“أما ريو التي سأحكي عنها، فهي متاهة لها أكثر من بعدين، والأصح إنها سلسلة من المتاهات المتشابكة في كل من الزمان والمكان، مملوءة بالدروب المسدودة والنقاط العمياء والغرف السرية والأصداء المرعبة والارتعاشات والتنبؤات الغائمة . .”

ولكن أوزغور بطلة رواية “المدينة ذات العباءة القرمزية” كانت تبحث عن نفسها في قلب أخطر وأجمل مدينة في العالم، وما وصفته من حال المدينة يتطابق كثيراً مع ما يمكن أن نصفَ به النفس البشرية بكل تعقيداتها وغموضها وتشابكها مع الواقع والخيال، وبالتالي هي تريد أن تحكي عن ذاتها. الملصقات السياحية والإعلانات التجارية لم تكن تعكس صورة المدينة الحقيقية بطبيعة الحال. ريو دي جانيرو ليست فقط الشواطئ الرملية اللاهبة بالشمس والأجساد الخلاسية المثيرة ولا الأشجار الباسقة ولا أخبار الكرنفال السنوي وصور المشاركين فيه وهم يرقصون بأجسادهم الليلية رقصات باخوسية منتشية، خلف مظهر الحياة والمرح والمجون هذا ثمة وجوه أخرى عديدة يتألق فيها الموت والبؤس والألم البشري ويصل إلى حدود هاوية لا قاع لها. نظرة خاطفة إلى الأعماق المعتمة للبؤس البشري هو ما كانت تبحث عنه وتريده، بل وتشتهيه، ولكن اندفاعها وتحديها للمدينة، والذي اتسم بشجاعة وإقدام كأن سبيلها الأوحد إلى موتها المشتهى، الذي اندفعت خلفه بكل قوتها، والذي طالما عرش كاللبلاب على روحها.

في رواية “الوله التركي” للإسباني أنطونيو غالا تترك البطلة دسي أوليبان خلفها حياتها الشخصية والمهنية الناجحة بكل المقاييس، الدفء البارد لأسرتها، وتتجه إلى تركيا، لتلتقي بشاب تركي يعمل دليلاً سياحياً هو يمام، واسمه يعني باللغة التركية “الفريد”،سوف يقودها عبر حياة قصيرة مفعمة بالخطر إلى حتفها المشتهى، بعد أن تتطهر معه من جسدها وروحها، تعمل بالدعارة وتدمن  المخدرات، وتتعرض لعدة عمليات إجهاض، تاركة وراءها رواية من أربعة دفاتر هي خلاصة تجربتها الحياتية. أما بطلة رواية أصلي إردوغان، أوزغور، والذي يعني باللغة التركية “الحرة” وهي تمقته كثيراً، فإنها تترك وراءها حياتها المستقرة والهانئة في اسطنبول والتي لا تحضر إلا كشذرات تتناثر في مختلف أنحاء الرواية، وتتجه إلى مدينة ريو، الأخطر والأجمل، في رحلة تمتد عامين، ستمثل خلاصة تجريتها الوجودية والرحلة المصيرية التي ستنتهي لاحقاً بموت مشتهى مثل زميلتها الإسبانية دسي أوليبان، موت لا يتم إلا بعد أن تجتاز جميع المخاطر والعقبات والصعاب التي تواجهها وتتغلب عليها، ليس بالنجاة والعودة الآمنة مثل أوليس أو سندباد بل بالفوز برواية مكتوبة هي النصر المظفر على مرارة الواقع وشرط الكائن البشري، “لا يوجد خارج الكتابة سوى العدم”، الكتابة كـ “نظام” في مواجهة “كاووس” ريو. ستكون محطات كتابة الرواية والإنتهاء منها علامة مركزية لمتابعة التحولات والصور التي تتألق في وعي أوزغور وتجربتها الحياتية هناك، لعلعة الرصاص ودوي القنابل في الأحياء المجاورة، الألعاب والشهب النارية التي تُطلَق في السماء للدلالة على قدوم شحنة كوكايين جديدة، الكرنفال، الرطوبة القادرة على تفسيخ أي كائن أو أي شيء، الشارع والحانات الصاخبة، الأجساد الخلاسية الشهوانية الصلبة والمتينة، كل هذا الصخب المدوِّخ، هو الأرضية التي فرشت عليها وحدتها وانطفاء الحب لديها، وصمتها الداخلي المزمن “إنها تمثال نصف حي للحزن، لا يصيب أحدًا بعدوى تعاسته”. أرادت أن تعي ذاتها بمحاولة وعيها للواقع ولكن ريو التي تحولت السطحية فيها إلى فن ودين معاً، ابتلعتها.

الموت الحاصل كخاتمة للتجرية الحياتية يغلق الدائرة على بدايتها ويمنع تسرب أي بصيص أمل بالتغيير سوى على الصعيد الروحي والشخصي بشكل تبدو فيه الحركة ضمن الواقع المادي تجربة روحية، تطهرية، خلاصية، مقرونة بالموت. “عودي إلى قفصك أيتها الكناري الصغيرة! عودي قبل فوات الأوان.. تلك النافذة المفتوحة هي هاوية هلاكك!”، وبالطبع لن تعود أوزغور “الحرة”، عادت مارا ، عالمة الأنتربولوجيا وصاحبة الإرادة الفولاذية، إلى لندن مهزومة بعد أن عايشت ريو وأخفقت في تجربة حب أوصلتها إلى حافة الإنتحار، فلملمت جراحها واستسلمت واختارت الضباب في لندن على الموت في ريو، مع إنها “جالت في أمريكا الوسطى خمس سنوات، حاربت في نيكاراغوا، وعاشت مع قبائل بدائية في غابات عذراء” رونالدو، كاتيا لوثار وغيرهم وكل على طريقته، هزمته ريو واختار سبيلاً آخر غير الخروج من النافذة ومعاينة الهلاك كما فعلت أوزغور.

اللغة الشعرية العالية التي وقفت عليها الرواية، تم استخدامها بدقة واقتصاد بالغين لنحت واستجلاء صورة علاقة شائكة بين الوعي الإنساني والواقع المادي، وأضفت نوعاً من البهاء الحسي حتى على ما يقع في دائرة المرض والخوف والضعف وأكثر من ذلك ربطت الجسد الخلاسي الشهير بالفراغ والتعب ولم تَنْجَّر إلى لغة إنشائية احتفالية منفصلة عن موضوعها ” ينتعلون أحذية رياضية تشبه قبور الأطفال الرضّع”، “ثمة كذلك من انتهى أمرهم فباتوا عاجزين حتى عن التسول، بلغوا حد الموت جوعًا، أي المستوى الأكثر تجريدًا ونقاء من الوجود: محض مادة حية . .”، “لم تكد تلتقط أنفاسها حتى سمعت صوتاً نسائياً خشنًا، تتدحرج الكلمات داخل فم صاحبته كحبات البطاطا الساخنة”، “متجاهلة إيماءاتهم وسخرياتهم ونظراتهم التي تتحرك على جسدها كالبزاقات الندية”.

في قلب الإعصار المدمر يقال إن ثمة منطقة تدعى عين الإعصار تتميز بسكون وهدوء شبه كامل، في مكان كهذا وفي حالة مشابهة كتبت أصلي اردوغإن روايتها “المدينة ذات المعطف القرمزي”، لتعبر عن إعصار ريو، ومع أن الإعصار يرحل تاركاً خلفه الدمار والخراب إلا أن إمكانية العمل والبناء تبقى قائمة على يد من عانوا منه، ولكن إعصار ريو، مع إردوغان، راسخ متجذر وبلا نهاية ولا أمل بالنجاة.

رواية “المدينة ذات العباءة القرمزية”

تأليف: أصلي إردوغإن

ترجمها عن التركية: بكر صدقي

إصدار: قدمس للنشر والتوزيع

الطبعة الأولى 2008

دمشق – سورية


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This