مقاربة نقدية للسلفية الدينية في المجال التاريخي الإسلامي – خلفيات الماضي وآفاق المستقبل (1)

أولاً- مقدمة ضرورية
تعتبر دراسة التاريخ الإسلامي –وما فيه من أحداث وأفكار ورؤى- بتقنية علمية وموضوعية من المسائل الشائكة والصعبة.. وهي لا تتوفر إلا للقلة من الباحثين نظراً لطبيعة المادة التاريخية التي قد تتشابك نصوصها، وتتضارب أحداثها ووقائعها، وتتلون تحليلات الكتاب والمؤرخين حولها بمختلف ألوان الاتجاهات السياسية والمذهبية المتبناة من قبل هذا المؤرخ أو ذاك.
وإذا كان التاريخ الإسلامي لا يزال مصدراً أساسياً من مصادر الفكر والمعرفة الإسلامية فإن المنطق العقلي والعلمي يلزمنا جميعاً -كمفكرين منتجين للمعرفة- أن نقوم بدراسة مواقع (ومواضع) هذا التاريخ دراسة نقدية واعية لا تكتفي بنقل مخزوننا التراثي التاريخي الهائل الحجم والاتساع كما هو إلى عصرنا الراهن، ولكنها تنفذ إلى عمق حركة هذا التاريخ لتبحث عن أفكاره وأحداثه ورموزه ومواقعه، وتقوم بتوثيقه من حيث رواته ومضامينه ومحتوياته، وتدرس إمكانية انسجامها أو عدم انسجامها مع حقائق الأشياء والظروف الموضوعية التي تحيط بهذه الفكرة أو الواقعة أو تلك الشخصية التاريخية.
ولعل من أهم الأمراض التي تصاب بها أغلب الحضارات والثقافات في فكرها وتاريخها وحركتها   –والتي تفضي حتماً إلى تخلف الشعوب وانحطاط الأمم- هو مرض التمسك الشديد لنخبها بأفكار ونظريات ومبادئ ومواقف عاشت ونشأت في الماضي، وتجاوزها الزمن، وسبقتها عجلة التطور، ولم يعد لها أي علاقة عملية بالوقائع الجديدة والأحداث المتتالية والمتراكمة، حتى أن العديد من هذه النخب السياسية والثقافية المتمسكة بالقديم ترى تخطئة من يغير مفاهيمه وآراءه لتتلاءم مع روح العصر وتتكيف مع المستجدات ومنطق التطور التاريخي.. فالتخلي عن المبادئ لديها (حتى لو أثبتت التجربة والأيام عقمها وفشلها، وتأثيرها السلبي على حركة الحاضر والمستقبل) يعتبر أعلى درجات “اللاأخلاقية” في العمل السياسي والفكري، ليكون –بحسب أصحاب هذا المنطق- التمسك بالمبادئ والأصول –التي لا تزعزعها التحديات، ولا تقهرها المتغيرات- أعلى درجات “الثورية” والنجاح.. فالمهم الانتصار في اللفظ والخطابة واللغة، حتى لو خسرنا الأرض والواقع والحاضر كله.. وبهذا يمكن تفسير أسباب الجمود والتخشب الفكري والعملي لدى تيارات سياسية وفكرية تفتخر بأنها ثابتة على المبادئ دون الاهتمام بمدى مناسبتها للظروف السائدة، وبمدى وجود فرص حقيقية لنجاحها في الإطار العملي.
ومن هنا تأتي فكرة “السلفية” لتكون فكرة من جملة الأفكار التاريخية الدينية التي انطلقت شراراتها الأولى منذ قرون عديدة، وأصبح لها انتشار وتأييد واسعان في عالم العرب والإسلام حالياً، ولا تزال رائجة ومتحركة بقوة في داخل اجتماعنا الديني والسياسي المعاصر، حتى باتت تشكل عصب التفكير الحركي للكثير من النخب والتيارات والحركات الإسلامية المعاصرة المنتشرة انتشار النار في الهشيم على امتداد مساحة مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
ومنذ بداية التشكل التاريخي لهذه الظاهرة (التي رفع بعض زعمائها وقادتها المحدثين شعار: الحسام البتار، والدرهم والدينار)  لاحظنا كيف انطلقت الخلافات ودبت الانقسامات بين صفوف المسلمين    على اختلاف مللهم وانتماءاتهم ومذاهبهم، بحيث نستطيع القول أن نشوء السلفية الدينية هو من أهم المسببات في إيجاد حدود ومداميك مذهبية أيديولوجية بين عموم أبناء الدين الواحد.. وقد تعمقت تلك الحدود والحواجز الفكرية والثقافية الدينية أكثر من تعمق الحدود الجغرافية-السياسية.
وقبل أن نبدأ بالحديث عن طبيعة الفكر السلفي، ومقوماته، وكيفية مواجهته بالنقد والتحليل، نسأل هنا: كيف يمكن للمرء أن يفسّر بعقلانية ظهور السلفية (والأصولية) الإسلامية اليوم؟ ثم لماذا تتزايد وتتكاثر -في عصر العلم والأنوار والعقلانية- أعداد المؤيدين لبعض المفاهيم والاتجاهات الفكرية المتطرفة وخصوصاً ممن ينتسبون إلى فكر العقلانية والتنوير والاعتدال حيث تراهم ينجذبون لهم ويؤيدون سياساتهم خاصة إذا ما تبنوا فكرة النضال والجهاد ضد العدو، وكأن إطلاق الرصاص على العدو الخارجي يعفيهم من مسؤولياتهم الداخلية في بناء الأوطان على الحرية والديمقراطية والمواطنة الصالحة؟!..  

ثانياً- السلفية: مقدمات فكرية وخلفيات تاريخية ومذهبية
لدى مراجعة كتب اللغة ككتاب لسان العرب مثلاً، يتحدث ابن منظور عن السلفية قائلاً: “سلف: سلفَ يسلف سلفاً وسلوفاً: تقدم، والسالف: المتقدم. والسلف والسليف والسلفة: الجماعة المتقدمون، وقوله تعالى: “فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين”. وقال الفراء: يقول جعلناهم سلفاً متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. ويقول الجوهري: سَلَفَ يَسلف سلفاً مثال طلب يطلب طلباً، أي مضى. والقوم السلاف: المتقدمون. وسلف الرجل: آباءه المتقدمون، والجمع أسلاف وسلاف… والسلف أيضاً: من تقدم من آبائك وذوي قرابتك الفذين هم من فوقك في السن والفضل، واحدهم سالف. وقيل، سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح”(راجع: ابن منظور، لسان العرب، ج6-ص330:331، دار إحياء التراث العربي، بيروت ط1، عام 1988م.).
إذاً كلمة السلف تعني لغةً: الأقدمية الزمنية، أي التقدم الزمني كما يقول الشيخ د. محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه السلفية-مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي (ص16، دار الفكر بدمشق): “كل زمن من الأزمان سالف بالنسبة إلى الأزمنة الآتية في أعقابه، وخلف بالنسبة إلى الأزمنة التي سبقته ومرت قبله”. وقد حدد الشيخ البوطي هذه المرحلة السلفية بالقرون الثلاثة الأولى من عمر التجربة الإسلامية، وقد اختلف كثيرون معه في ذلك.
أما المراد بمذهب السلف فيقول أحمد بن حجر: “ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وما كان عليه أعيان التابعين لهم بإحسان وما كان عليه أتباعهم وأئمة الدين ممن شُهد له بالإمامة. وعرف عظيم شأنه في الدين وتلقى الناس لكلامهم خلفاً عن سلف. كالأئمة الأربعة والسفيانيين والليث ابن المبارك النخعي، والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن دون من رمي ببدعة أو شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية، والجهمية، والمعتزلة وسائر الفرق الضالة”(راجع: السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. نقلاً عن: العقائد السلفية لأحمد بن حجر، آل ابو طامي، ص11)..
وهكذا لا يشير مفهوم السلف أو السلفية إلى فترة أو مرحلة زمنية محددة اختلف المؤرخون في تحديدها، وإنما يتعداه إلى مصطلح ومفهوم “الخيرية” المنتزع من حديث رسول الله المروى في أكثر من كتاب تاريخي: “خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته”.
وإذا ما أردنا التدقيق في الرؤية التاريخية السابقة التي تعتبر أن السلفية مذهب ومنهج له بداياته التاريخية منذ زمن الرسول والصحابة الأوائل ومن ثم الذين يلونهم، فإنه يمكن التأكيد هنا على أن مفهوم “السلفية” لم يتمظهر تاريخياً كتيار له سمات محددة ومعايير معينة في طبيعة المفاهيم والعقائد والسلوك إلا بعد أن بدأ الإسلام ينتشر في العوالم المتعددة المحيطة بشبه جزيرة العرب. حيث انطلق المسلمون فاتحين لبلاد العالم القديم، متسلحين برؤية دينية عقائدية إيمانية محددة، واستطاعوا -خلال فترة زمنية غير طويلة نسبياً- الهيمنة الفعلية على أكبر إمبراطوريات التاريخ آنذاك، وقاموا بنقل إرثها الكبير، كما حاولوا -طيلة قرون عديدة- هضم واستيعاب ميراثها الحضاري العريق والمتراكم.
ونتيجة لهذا التفاعل والاحتكاك الحي المتواصل والمتراكم مع العوالم والحضارات الأخرى، كان من البديهي أن يتأثر الفاتحون المسلمون بأفكار ومعارف وثقافات الحضارات المتنوعة في أفكارها وعاداتها وتقاليدها.. فهؤلاء المسلمون عاشوا في شبه جزيرة صحراوية، ولم يتطبعوا بطباع المدنية، بل سكنوا الخيم في ظروف مناخية بالغة القسوة والشدة، أثرت على طباعهم وأخلاقهم، وعلى طبيعة نظرتهم للحياة والإنسان.
إذاً بدأ التحول يظهر على حياة أولئك الفاتحين، وبدأت قيم وعادات جديدة تسيطر على معيشتهم وأحوالهم من حيث شكل اللباس وطريقة الأكل والمسكن، خصوصاً بعد أن سكنوا المدن واختلطوا مع أفراد تلك المجتمعات الجديدة في البلدان الواسعة التي فتحوها والتي أصبحت تشكل  –مع مناطقهم الجغرافية- ما يسمى بـ”المجتمع الإسلامي الكبير”.
ومنذ ذاك الحين بدأت وتائر الدعوات والنداءات المحذرة والمتوعدة تتصاعد من طرف بعض الناس في تنبيههم وتحذيرهم من هذا التحول ومن خطورة نتائجه، وتدعو للرجوع إلى ما كان عليه الرسول ومجتمع الصحابة الأول. فأمام حركة الترف والتنعم بملذات الدنيا وخيراتها (من امتلاك للمزارع الكبيرة، وبناء الدور والقصور الفخمة، واقتناء الجواري والعبيد والخدم والحشم… الخ) ظهر تيار مناهض لهذه المظاهر وندد بها (راجع كتاب السيد: محمد الكثيري، السلفية بين أهل السنة والإمامية، ص 25، دار الغدير للدراسات الإسلامية، بيروت 1997م، طبعة:1) ، داعياً للتقشف والزهد في الحياة الدنيا. على أن ذلك –كما يدعي أصحاب هذا المنطق- من صميم الدين وسيرة السلف الصالح، وهناك محاورة (راجع كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر (ص302، مجلد2)، وراجع: بداية الفرق نهاية الملوك للشيخ محمد رضا الحكيمي، ص71) بين الإمام الصادق وسفيان الثوري (وكلاهما ينتسب لعصر التابعين) تظهر لنا عدم تقبل الكثير من الملتزمين بالدين الجديد –خصوصاً من العرب- بعض العادات الجديدة في الملبس والمأكل والمسكن. وهذا كله مما يدل على قوة تلك التحولات العميقة وردود الأفعال عليها ضمن الدائرة الإسلامية.. حيث أنه لاحظنا -مع مرور الأيام وزيادة انغماس المجتمع الإسلامي أكثر فأكثر في الحياة المدنية والترف الحضاري المديني-  تصاعد الدعوات إلى ضرورة العودة لاقتفاء “أثر السلف الصالح”، وباتت الدعوة لتقليد السلف في ملبسهم وسلوكياتهم العامة خطاً أو تياراً خاصاً متميزاً في الوسط الإسلامي بجانب التيارات الأخرى. لكن هذه الدعوة ستأخذ ابتداء من القرن الرابع الهجري بعداً مفاهيمياً (فكرياً ونظرياً) له رموزه وشخصياته ممن يدعون للعودة إلى التزام نهج وقيم وآراء ومذاهب السلف الصالح.
ولكننا هنا نطرح عدة أسئلة حول الزمن التاريخي المحدد الذي عاشوا فيه؟ وماهية هؤلاء السلف الصالح؟ من هم؟ ما هو تاريخهم؟ ما هو دورهم في الحياة الإسلامية؟! ما هي أبرز أعمالهم وإنجازاتهم التاريخية التي لا تزال باقية حتى الآن؟! وهل تنطبق مقولة السلف الصالح على كل من عاش في زمن الرسالة الأولى؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل كل من كان مع الرسول كان صالحاً ومؤمناً وصادقاً.. أي تنطبق عليه كل الصفات الحسنة والمحمودة؟!..
في الإجابة نرى أنه عند العمل على تحديد هؤلاء السلف الصالح الذين يقصدهم رموز هذا الخط.. فالمسألة تبدو مبهمة أحياناً ومتناقضة أحايين أخرى، وغير محددة المعالم على وجه الدقة.. إذ أننا عندما نقرأ كتب التراث السلفي –إذا صح القول- نجد أنفسنا أمام مجموعة غير قليلة من التعاريف المختلفة والمتفاوتة والمتناقضة التي تشرح وتحلل فكرة السلفية.. يمكن أن نستنتج معها أن المقصود بالسلف الصالح ليس كل من رافق الرسول الكريم، أو عايشه، أو رافق من رافقه، وعايش من عايشه، باعتبار أن فيهم المؤمن والمنافق، الصالح والطالح، الصادق والفاسق، الملتزم والمنحرف، لا بل إن بعضهم ارتد وأعلن العداوة على الملأ.. وبالنتيجة نسأل: هل تنطبق على كل هؤلاء مقولة “السلف الصالح”؟! بالطبع لا.
كما أننا نعتقد أن الأزمات والنكبات والتجارب الكثيرة التي مرت على عالم الإسلام والمسلمين منذ حادثة “السقيفة” –التي افترق المسلمون بعدها إلى مكونين وفرقتين، لكل منهما طريقتها ومنهجها في فهم النص، ووعي رسالة الإسلام، وأسلوب الدعوة- تدل دلالة أكيدة على وجوب عدم وجود نظرة واحدة أو مستوى واحد في تقدير (وتقييم) كل ما يسمى بالسلف الصالح، وضرورة احترام كل ما جاؤوا به من معارف والتزامات في المستويين النظري والعملي (إذا سلمنا جدلاً بأن ما أنتجوه من تراث ديني يشكل معرفة حقيقية بالمعنى الصحيح للكلمة).. فهم أبناء عصرهم ونتاج بيئتهم، أنتجوا فكراً معيناً نتيجة ظروفهم وكسبهم هم بحسب ما توصلوا إليه من خلال وعيهم وإدراكهم للوجود والحياة، ولا يمكن الجزم مطلقاً أن تجربتهم هي أفضل التجارب، أو أن فهمهم للأمور أفضل من فهم غيرهم له.. كما أن اختلافاتهم وخلافاتهم كثيرة وواسعة حتى أنها ملأت الخافقين، وتجاوزت حدود الاختلاف الفكري المحمود لتصل إلى حد إباحة سفك الدماء والإفتاء بالقتل ضد هذا وذاك، وتكفير الفرق لبعضها البعض، وسحق كل مناوئ أو مخالف أو معارض للرأي والمعتقد الخاص بهذا الطرف أو ذاك . ولكن بالإجمال العام يمكن القول أنه يجب أن نعذر أولئك السلف من الآباء الأوائل (جاء في القرآن: “تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون”)، بأن لا ننقل تجاربهم وخلافاتهم وأفكارهم المضرة إلى عصرنا الحالي، وأن تقتصر رؤيتنا لهم على صورة بشرية عادية وليس إلهية مقدسة.
وفي تصوري أن المنطق الذي تبني السلفية دعواها التاريخية والفكرية عليه لا يستقيم أبداً مع النظرة القائلة: أن السلف صالح وخير بالمطلق، وأن ما ذهب إليه السلف هو الحق، وما دونه هو الباطل، كما هي رؤية كثير من المذاهب والتيارات والنخب الإسلامية السلفية الماضية والمعاصرة. وهذه حقيقةً انتقائية فجة ونظرة ضيقة وسطحية للأمور. فليس كل من هو من السلف صالح بالضرورة، وليس كل من هو من الخلف طالح بالضرورة. التقييم والحكم هنا نسبي من حيث المعيار الحقيقي تاريخياً وواقعياً.

ثالثاً- التطبيقات العملية للفكر السلفي
إننا عندما ندرس “السلفية” كمصطلح فكري فإننا نفهم منها طريقة التفكير غير الموضوعية التي تتحدد بجملة أفكار ومعايير دينية يعمل أصحابها ودعاتها على استنطاق التراث ضمن قوالب جامدة وأنماط شكلية محددة وضيقة غير قابلة للانفتاح على الحياة والعصر مما يوقع المنتمين إليها في أزمة الابتعاد العملي عن الواقع، والعيش في جنة النظريات والأفكار .
وإذا أردنا أن نميز ونحدد بشكل أكثر دقة أهم تطبيقات السلفية في طبيعة فهمها الجامد للنصوص والأفكار والوقائع والتواريخ، فإنه يمكننا تسجيل النقاط التالية:
1.    ادعاء الفكر السلفي امتلاك الحقيقة التاريخية بالكامل (شخصاً أم فكراً)، وعدم وجود معيار علمي موضوعي عقلاني لديه للتمحيص والتدقيق والنقد.. وهذا يؤدي على الدوام إلى إثارة الفتن والبغضاء بين الفرق والمذاهب والتيارات المتعددة والمختلفة. لأنك عندما تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، فلابد أن تثير لدى الأطراف الأخرى هواجس كثيرة، وتستنفر لديها كل ما بحوزتها من مكونات المواجهة ضدك، الأمر الذي يجعل من الصدامات المتبادلة قدراً لا مفر منه، وهذه هي إحدى مميزات الحركة السلفية، فحيث تستعر نار الطائفية والخلافات المذهبية، تجد هناك -دون شك أو ريب- عقلاً سلفياً يؤجج هذه النار، ويمدها بالوقود كي تشتعل أكثر وتدوم. ولا شك أن من يدفع ثمن وتكلفة تلك النيران المشتعلة هم أبناء مجتمعاتنا على العموم، وبخاصة من ينتمون منهم لمذهبي السنة والشيعة على وجه التحديد.
ولعل المتابع والمراجع لتاريخنا الإسلامي –الذي كان الفكر السلفي الديني أحد عناوينه البارزة المؤثرة بقوة قي كل حركته منذ بدايات الدعوة وحتى الوقت الحاضر الذي نبتت فيه حركات وأحزاب السلفية الدينية- لا يمكن إلا وأن يلاحظ وجود إشكالية مهمة يثيرها الأسلوب المنهجي والعملي في طبيعة التعاطي مع قضايا (ورموز وشخصيات وأحداث وأفكار) هذا التاريخ في كثير من مفاصلة الهامة، من خلال أنه ينطلق ضمن أجواء ضاغطة تتأسس على رؤية ضبابية مختنقة في الجانب الذاتي من التاريخ النظري والعملي.. فيما هو الاستغراق (المنتفخ) –إذا صح التعبير– في داخل الساحة التاريخية، والمعبأ بكل ذاتيات هذا العنفوان التاريخي الزاهي والمتألق، في التركيز على الصيغة التاريخية الميكانيكية الخطابية الجامدة التي لا تنتج إلا الانحراف والتحريف في الفكر والممارسة، والفقر في الاغتناء المعرفي الحضاري والإنساني. وعندما يقوم أصحاب تلك الطريقة  بدراسة الظاهرة أو الحدث البشري أو الطبيعي -في محيطه الإنسان والتاريخي- فإنهم ينظرون إلى إنسان التاريخ (أو الحدث أو الفكرة) ككائن ينتمي إلى بعد ذاتي واحد، ينفصل عن الزمان والمكان، ويعيش في مركزيته الشخصية بعيداً عن التأثير أو التفاعل مع حركة الأحداث التي يعايشها، ويمكن أن يؤثر (أو يتأثر) بها فتغتني منه، ويغتني منها.
إنها الطريقة التبسيطية التبريرية التي تواجه المشكلة أو الهدف بشكل حماسي يتميز بوجود كمّ هائل من ركام الشعارات المنتفخة والمثيرة، والمهرجانات الصاخبة “غوغائية التقديس المفتعل” الخالية من المحتوى الفكري، والمضمون الاعتقادي الهادف والفاعل الذي يخطط للمستقبل بوعي وثبات، ويرسم حدوده وتفاصيل تحركه بكل تركيز وتخطيط.
2.    الفهم الخطير لموضوع الجهاد والقتال:
ولعل من أهم التطبيقات العملية الواضحة للفكر السلفي هي الفهم الخاطئ والملتبس لمعنى مقولة (وركن) الجهاد في الإسلام، فمفهوم الجهاد (الأكبر=جهاد العدو) أساساً يعني الدفاع الوقائي عن الذات والأرض في حال تعرضها لاعتداء خارجي داهم، أما عند السلفيين فإنهم يعزلون الجهاد –بما هو فعل قتال دفاعي- عن ظرفه وملابساته ومناخاته المختلفة، فيظهر المعنى عندها حاملاً لمعنى القسر والضغط والعنف والإكراه والتسلط كمفردات لتنظيم العلاقة مع الآخر. وقد يفاقم من حضور هذا المعنى طبيعة الجهاد نفسه في الإسلام، أي الطبيعة العقيدية للجهاد، الأمر الذي قد يعني أن الجهاد إنما شرع من أجل إكراه الآخرين وإكراههم على الدخول في العقيدة الإسلامية. وهذه هي الصورة النمطية الوحيدة المأخوذة حالياً لدى العالم كله عن الجهاد.. إنها الصورة التي يقدمها السلفيون من حيث تركيزهم على معنى الجهاد في غزو الآخر وإجباره على الرضوخ والخضوع إلى درجة الإذلال، حتى لو كان هذا الآخر مسلماً يدين بالإسلام. وأن الجهاد الأكبر لدى هؤلاء هو الإطاحة بالأنظمة (الجاهلية) بالعنف وبالقوة المسلحة، مما جعلهم يعيدون من جديد إحياء مذهب الخوارج، ولكن هذه المرة بطريقة مؤثرة أكثر ومكلفة أكثر.
وطبعاً لو سلمنا هنا بالفكرة السلفية القائلة بأن فكرة الجهاد المسلح ضد الطواغيت والظالمين والمستكبرين واجبة وحق مشروع في كل زمان ومكان (الجهاد السلمي الحضاري أفعل وأنضج برأينا، وأكثر ديمومة عبر الزمان) نسألهم: هل هم الوحيدون المؤهلون أساساً للسير في هذا الاتجاه؟! وهل مهمة الجهاد والدفاع والقتال تقع على عاتق هذا التيار ومنوطة بذاك الحزب، أم هي وظيفة الدولة المدنية القادرة والعادلة والراشدة التي لا تحصر الجهاد بمعانيه الضيقة (الكامنة أساساً في تعميم ثقافة العنف والقسر والإكراه والتعصب) ولكنها تؤسسه على بعد إنساني راسخ هو الجهاد الأصغر أي جهاد النفس، وتوسع من معانيه السامية حتى يصل إلى حدود إقامة حلف عالمي لرفع الظلم والمعاناة عن الإنسان أينما كان وبأي دين دان؟!.
3.    تحريف التاريخ الإسلامي:
أجمع كثير من علماء السنة والجماعة على وجود تحريف كبير في نقل أفكار ووقائع وعقائد الفرق والمذاهب الإسلامية قام بها كثير من زعماء السلفية ومنظروها.. وسنأخذ مثالاً على ذلك “شيخ الإسلام” إبن تيمية الذي كان غير أمين إطلاقاً في عملية نقل آراء الخصوم والمخالفين له والاستشهاد بها، بل تعمد تحريف أقوالهم. وهذا ما يظهر من خلال الأمور التالية :
– الكذب في الإجماع على فكرة التأويل.
–    تضعيف الأحاديث النبوية المخالفة لأتباع السلفية.
–    انتقاء الأحاديث الموافقة فقط.
–    عدم وجود فهم حقيقي عميق لأفكار وطروحات المخالفين.
–    غلبة الكذب الصريح على خصومهم ومخالفيهم في الرأي والمعتقد.
–    الطعن في السند، والتحريف في النص التاريخي.
4.    تحديد فهم القرآن (والنص الديني عموماً) في عصر ورجال وتفاسير بعينها:
يرى الفكر السلفي أن الرجوع إلى الخلف يعني المشي إلى الأمام. وأن فهم القرآن فهماً حقيقياً واضحاً وصريحاً لا يتحقق إلا كلما كان المفسر أقرب زمنياً إلى عصر الخلافة الأولى، أي كلما غاص أكثر في مغارة الماضي البعيد، فالأقرب للماضي أقرب للفهم الصحيح.. وهكذا فتفسير الطبري أفضل من القاسمي، وتفسير القرطبي أفضل من رشيد رضا.
ومقتل الفكر السلفي في هذا المجال هو في أنه يحدد فهم القرآن في عصر معين ورجال وتفاسير محددين دون غيرهم. بينما المنطق الفعلي والحقيقي يقول أن التفسير ليس في العصر والرجال، بل في آيات الآفاق والأنفس. وهو مرجع القرآن. والقرآن طلب بذاته السير خارج النص فقال: “سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق”. وقال: “وتدبروا.. وتعقلوا… وتفكروا..”.
والسلفية عموماً التي دائماً ما يحتكم إليها العقل التقليدي السلفي –المكون من قوالب ثابتة، ونصوص جامدة، ومفسرين محددين، وأنماط تفكيرية واحدية- تجعل كل المستجدات العصرية محكمة (بفتح الكاف) من قبل هذا العقل بما يتماشى مع تقليديته وسلفيته.. فأي متغير جديد، أو مستجد أو طارئ أو قضية جديدة خرجت على المجتمع بحكم تبدل التاريخ وتغير المعطيات والمواقع والأدوار، فإنها لابد من أن تمر على محكمة العقل التقليدي (نص يفسره شخص عاش في الماضي، وقوله فصل) فإن توافقت مع ما تعوّد عليه هذا العقل فإن مصير القضية إلى القبول، وإن لم تتوافق فمصيرها إلى الرد بعد عمليات التفسيق والتضليل والتبديع (راجع: أزمة المعاصرة في الخطاب الديني، شتيوي الغيثي، صحيفة الوطن السعودية، 29/9/2006م).
5.    انفكاك النص عن الواقع (اعتبار النص أصل والواقع فرع=اشتقاق الواقع من الفكر):
تظهر أفكار السلفيين في حالة صدام شبه دائم مع المجتمعات حتى الإسلامية منها التي لا يخلو فيها مجتمع من الأزمات الكارثية التي تسبب بها أتباع هذا المنهج التفكيري اللاعقلاني لأبناء بلدانهم والبلدان الأخرى التي هاجروا إليها وتربوا وتعلموا فيها. وهذا الأمر ناتج عن تحجر وجمود تفكير هؤلاء، واستغراقهم الأعمى في المرويات والنصوص التاريخية القديمة، وعيشهم في جنة أحلامهم الوردية البعيدة عن واقع الحركة والتطور الحياتي المتواصل، وابتعادهم عن ملامسة حركة الفكرة في الواقع، وضرورة التواصل مع المستجدات، والتكيف مع الأحوال والمواقع والتطورات، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بإعادة قراءة النص من خلال العقل والواقع العملي لحركة التغير والتراكم البشري، حيث أن الكلام لا يمكن أن يرسخ وينمو بدون جدلية تفاعل النص مع الواقع.
من هنا علينا –في هذا الإطار- أن نعيد الاعتبار لدور العقل في فهم النص المؤسس كما ذكرنا، وأن يكون الفقيه والمثقف متحرراً من أي قيد معرفي أو مزاجي في دراسة النص، وأن تكون الحرية هدفه ومنطلقه في ذلك، وهذا ما سيؤدي عبر استمرارية التجربة وتراكم الفعل الإنساني المسؤول والواعي إلى تكثيف الفعل الثقافي والاجتماعي لتحرير دينامية التحول الاجتماعي في مجالنا الإسلامي من كوابحها ومعوقاتها الذاتية والموضوعية، حتى تأخذ التعددية في السياسة والتعبير موقعها الأساس في تنظيم الخلافات والصراعات وضبطها، وحتى تتجه كل الجهود والطاقات نحو البناء والسلم والاندماج الاجتماعي والوطني وتعميق موجبات العدل والمساواة والحرية.
إن الفكر الإسلامي الحقيقي لا يمكن أن يعيش ويتطور ويتكامل إلا بالتفاعل الصريح والواضح مع الواقع المعاش، وإن بقاء النص غائباً (أو مغيباً) عن الواقع سيقلص مساحة الحرية أكثر فأكثر في داخل اجتماعنا الديني والسياسي.
فعلاً إننا بأشد الحاجة لعنصر الحرية من أجل تطور ونمو وتصاعد مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لتتنفس الحرية في الهواء الطلق بعيداً عن مناخات القهر والاستعباد والاستبداد التي تقبع في داخل سجونها، وتكبل مواهب وقدرات أبنائها عن العمل والنهوض الفعال لبناء حاضرها ومستقبلها.. ونحن نقولها بالفم الملآن كما قالها وأعلنها أحد المثقفين الإسلاميين المعتدلين: نحن بحاجة إلى أن نقتحم فضاء الحرية، ونكشف المضمون الثري لهذا الفضاء في قيم الإسلام ومثله. إذ أن هذا الاقتحام سيقدم للفكر الإنساني أبعاداً ومضامين جديدة، ويزيد من إمكانية المسلمين للتفاعل مع العصر وقضاياه الكبرى، ويساهم في خلق شروط الحرية الفعلية والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الإنسان.
فالأفكار التي تنمو في الخفاء والظلام، بعيداً عن العلم وأهله ستكون خطرة وهدامة. أما الأفكار التي تنمو في جو الحرية وفي العلن وتناقش ويتم الحوار حولها والتداول بشأنها، فإن ولادتها الاجتماعية ستكون يسيرة، وستكون هذه الأفكار في مسار البناء لا الهدم. ولهذا شرط أولي هو الإنصات الواعي إلى تحديات وأسئلة الواقع القائم، كي تكون أفكارنا وممارساتنا متوازنة ومنسجمة مع قوانين التطور الحياتي ومنطق التاريخ الإنساني. بما يؤدي إلى جعل خياراتنا واستراتيجيات عملنا واضحة وناضجة وسليمة في المقدمة والنتيجة.
إن فتح عقولنا على الحياة والعصر وعلى كل الآفاق التي يتيحها أمامنا هذا الوجود الإنساني هو الذي يصقل تجربتنا، وينوع في خياراتنا وسبل حركتنا، وبالتالي يزيد من قدرتنا وإمكانياتنا على طريق إنجاز البناء الحضاري المطلوب لأمتنا ورسالتنا في مختلف مناحي التنمية والعمران الحضاري.
وبالنتيجة ليس لنا من خيار في سبيل الانتقال من الواقع الفكري والسياسي والاجتماعي القائم حالياً في عالمنا العربي والإسلامي –والمرتكز على وجود ثقافة سلفية شديدة التمركز والانغلاق لأسباب كثيرة ذاتية وموضوعية لا مجال لذكرها الآن- سوى عبر تطوير أساليب وطرائق العمل المدني-السلمي، وتربية المجتمع وتدريبه عملياً على فهم وممارسة ثقافة الحرية والمسؤولية والديمقراطية، وتعميقها شيئاً فشيئاً داخل البنية الروحية والمفاهيمية لمجتمعاتنا، حتى يتم التحول النوعي في هذه العلاقة بعد تراكم البناء والعمل المتواصل في توطيد أركان المجتمع المدني ومؤسسات الدولة العادلة والمقتدرة والقادرة –في الوقت نفسه- على الإجابة العملية عن حسابات وتحديات أسئلة الزمن الصعب الذي نعيش في قلبه حالياً. وفي هذا الطريق علينا ألا ننجرف وراء الأوهام، وإنما أن نحاول بناء خياراتنا وقناعاتنا ومواقفنا استناداً إلى منطق وروح العقل والحقائق العقلية والوقائع القائمة وليس المتخيلة، وذلك ليس من أجل الانحباس فيها أو الخضوع إلى السيئ منها، وإنما لكي تكون حركتنا عاقلة وهادفة ومنسجمة (راجع كتاب: الأمة والدولة، محمد محفوظ، المركز الثقافي العربي، ط:1، ص7-بيروت 2000م).
من هنا نحن نؤكد دعوتنا مرة أخرى للاهتمام الكبير بالعلوم العقلية والإنسانية لا النقلية فقط، في داخل الجامعات العربية والإسلامية لكي ننهض من كبوتنا ونستدرك ما فاتنا، ونلحق بركب الحضارة. كما إننا ندعو –مع من يدعو من المفكرين والمثقفين- إلى بلورة لاهوت جديد غير اللاهوت التقليدي الطائفي (فقه السلاطين والتكايا) الذي يسيطر علينا ويتحكم بوجودنا منذ مئات السنين.. وهذا اللاهوت الجديد أو التفسير الجديد للدين هو وحده القادر على تجاوز الانقسامات والتعقيدات الطائفية والمذهبية التي لا تزال تشعل الحروب بين أتباع الأديان التوحيدية الثلاثة، وتمنع حوار الحضارات والأديان.
وهذا اللاهوت الجديد الذي نريده ونسعى له ليحل محل اللاهوت القديم هو لاهوت منفتح، متسامح، يرفض الانغلاق والتعصب وادعاء ملكية الحقيقة من أية جهة جاء. كما أنه لاهوت منفتح على كل العلوم الإنسانية والمعرفة البشرية.. إنه لاهوت الحداثة أو ما بعد الحداثة.
6.    إتباع أسلوب العنف والترهيب لتحقيق الغايات والمطالب، ورفض النقد الذاتي:
يستوقفني بقوة نمط من أشكال هذا الخطاب الديني السلفي الطاغي حالياً على معظم ساحات واتجاهات العمل في عالمنا العربي والإسلامي، وهذا النمط هو ما ينتهجه الخطاب السلفي المتطرف من أساليب الترهيب والتخويف والتكفير والرجم بالغيب، لا بل إن منهم من نصب نفسه حاكماً يحاكم الناس بمظاهرهم، وكأنه يعلم ما في قلوبهم وضمائرهم ونواياهم، كي يقيس على ضوء ذلك إيمانهم ويحاكمهم بما في صدورهم. ومنهم من اتخذ نفسه منبراً يصدر فتاوى الحلال والحرام، ويضع الخطوط الحمراء والخضراء، ويصرح بالفتاوى لسفك دم هذا وذاك. وإن كنت لا أفهم ما الفائدة التي يمكن أن يجنيها الداعية أو الخطيب نفسه من ممارسة هذا الشكل غير الإنساني في الخطاب الديني، مع أن القاعدة الفقهية تقول: “الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل أو نص شرعي من القرآن والسنة”.
إننا نعتقد أن تلك القوى -ذات المنهج والتفكير السلفي القديم- لا تزال تجتر مجمل الثقافة القديمة، وهي تعمل باستمرار على مواجهة ورفض كل ما هو جديد وحديث تحت ذريعة انتهاكه للهوية والتراث، كما إنها تواصل اشتغالها على استيلاد الظروف وتعميق الأسباب التي ساهمت في تعزيز وجودها وهيمنة خطابها الديماغوجي على واقعنا الديني والثقافي عموماً.. وهي:
-افتقادنا للديمقراطية والتعددية السياسية.
-شيوع الاستبداد والفساد والإفساد المقنن.
-انعدام فرص العمل لأجيال الشباب من خريجي المعاهد والجامعات.
-انتشار الفقر والجهل والأمية الثقافية، وإعادة إنتاج ثقافة التخلف.
-عدم وجود إرادات جدية في التوجه إلى حل المشكلات القائمة والصراعات العبثية التي هدرت كثيراً من مواهب وطاقات أهل المنطقة.. والطاقة الأهم هي تفعيل وعي وإرادة شبابنا العربي المعطلة والمغيبة عن سابق تصور وتصميم، وانعدام أي فرص للاستخدام الفعال لمواهبهم في طريق العمل الصالح والنافع لمجتمعهم ككل.. أما ما يحدث على الأرض فهو عكس ذلك تماماً، إذ نلاحظ كيف يهجر كثير من شبابنا بلدانهم وأوطانهم الحقيقية ويرتمون في حض أوطان وهمية فكرية أو عملية.. تتأسس على خطاب ثقافي مأزوم يتلقاه شبابنا ويحقن في داخل نفوسهم بصورة تقليدية جامدة، مما يجعل (من كل هذا المنتوج المعرفي الكمي المتضخم باستمرار) غير قادر لا بل عاجز تماماً على تقديم إجابات شافية لهم عن واقع الحياة وتطورات العصر، بل تجري عندنا باستمرار عملية غسل دماغ حقيقية لشباب مجتمعاتنا وعلى نطاق واسع من قبل كثير من رموز ونخب الثقافة الدينية السلفية تنطلق أساساً من خلال تعميق استراتيجية تجنيدية إغرائية في داخل وعيهم بما يجعلهم خاضعين لتلك الثقافة (التي تقدم لهم بصيغة الترهيب قبل الترغيب) ومستنفرين لها دائماً.

—————————————————————————-

  في إشارة إلى قول الشيخ كاشف الغطاء: “لو كنا نعلم أنهم يقنعون بالحجة البالغة، ويخضعون للأدلة القاطعة، لملأنا الطوامير من الحجج الباهرة التي تترك الحق أضحى من ذكاء، وأجلى من صفحة السماء، ولكن سلطان نجد له حجتان قاطعتان يعتمد عليهما، وإليهما يستند، ولا فائدة إلا بمقابلتهما أو بأقوى منهما، وهما: الحسام البتار والدرهم والدينار، السيف والسنان، والأحمر الرنان، هذا لقوم وذلك للآخرين”. (راجع: مجلة تراثنا، العدد الرابع “13”، السنة الثالثة، شوال 1408هـ، ص186). والحسام البتار والدرهم والدينار هما إشارة إلى الأساليب التي اعتمدت في نشر الخطاب والفكر السلفي منذ بداياته الأولى وحتى مراحله اللاحقة وبخاصة في المرحلة الوهابية، حيث ركبت الدعوة السلفية مطية الجهاد المسلح والفتوحات العسكرية، ولم يكن هناك احتكام إلا للسيف والعنف المسلح. والكل يعلم علم اليقين الحجم الكبير للأموال والطاقات الهائلة المصروفة على المؤسسات الإعلامية والدينية السلفية الوهابية وغير الوهابية لكي تقوم بتعميم ونشر المد الأصولي السلفي في مختلف الأرجاء من أفريقيا إلى آسيا، وغيرهما، كي تتماشى هذا الثقافة السلفية مع بعض الاستراتيجيات السياسية والاجتماعية لهذه الدولة أو تلك. وهذا النشر والانتشار للفكر السلفي لا يقتصر على مذهب واحد ولون واحد، وإنما يتعداه ليصل إلى مذاهب دينية أخرى أيضاً مدعومة من تيارات ونخب ودول في المنطقة لها مصالحها في هذا الشأن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This