الإسلام واليهوديّة – المسيحيّة

أصبح الحوار بين الأديان التوحيدية الثلاثة: يهودية، مسيحية، إسلام يشكل ضرورة ملحة في وقتنا الحاضر، ومعلوم أن عالم اللاهوت الألماني الشهير هانز كونغ Hans Kung يقول ويكرر القول باستمرار: لا سلام في العالم بدون سلام بين الأديان. والحوار بين الإسلام والمسيحية انطلق منذ عدة عقود من السنين، وكثرت الندوات والملتقيات بين الطرفين. وإذا لم يستطيعا حل كل المشاكل العالقة إلا أنه حصل تعارف على الأقل وتقارب في وجهات النظر حول بعض القضايا. ولكن أزمة الرسوم الكاريكاتورية المشينة تجيء لكي تذكرنا بان المشاكل التاريخية لا تزال عالقة بين الطرفين وانها قد تنفجر في أي لحظة. كما وتبرهن على ان الموقف العتيق والعدائي من الاسلام لا يزال رازحا في العقلية الجماعية للغرب منذ مئات السنين. وهذا لا ينفي بالطبع عدم مسؤولية الجهة الاسلامية ،وبالأخص التيار الاصولي المتطرف فيها، عن هذا الوضع ولو جزئيا على الأقل. وبالتالي فالمشكلة ناتجة عن جهتين لا جهة واحدة. والواقع ان المشكلة عويصة واكثر عمقا وتعقيدا كما يتجلى من خلال عرضنا لهذا الكتاب.
وأما الحوار الإسلامي-اليهودي، فكان متعذرا و لا يزال بسبب الصراع العربي- الإسرائيلي والاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية وقمع شعب بأكمله من قبل قوات هذا الاحتلال بالذات.
والكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو لمفكر فرنسي مشهور كان قد مات عام 1994 عن عمر يناهز الثانية والثمانين. ولكن كتابه بقي صفحات مخطوطة في أدراجه حتى نشر مؤخرا في باريس.
وقد قدم له المؤرخ المعروف آلان بيزانسون وهو مدير بحوث في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس. ويعتبر إحدى الشخصيات اليمينية المرموقة في فرنسا. وأحيانا يوقع مقالاته في جريدة الفيغارو العريقة الواسعة الانتشار. وعموما فهو أكاديمي معروف وذو توجه مسيحي كاثوليكي. وسوف نركز هنا على أفكاره لأنها لا تختلف كثيرا عن جاك إيلّول، على الرغم من أن هذا الأخير بروتستانتي الأصل وعالم لاهوت وعالم اجتماع في آن معا. وكان قد نشر أكثر من ألف مقالة في حياته وثلاثة وخمسين كتابا. وترجمت كتبه إلى أكثر من عشر لغات. وكان أستاذا في جامعة “بوردو” طيلة حياته كلها. وقد اهتم أساسا بنقد الحضارة الحديثة المهتمة فقط بالتكنولوجيا والتي تهمل الأبعاد الإنسانية والروحية والأخلاقية ولا تنشغل إلا بالمردودية الاقتصادية وتراكم الثروة والغنى الى ما لا نهاية. وبالتالي فهيمنة التكنولوجيا على العالم الحديث أدت في رأيه إلى انحسار القيم الإنسانية والروحية العا لية دون أن يعني ذلك إنكار فائدة التقدم التكنولوجي والعلمي. ولكنه طغى وبغى أكثر مما يجب في رأيه.
ولكن الشيء المثير للجدل والاستغراب في كتابه الجديد هذا هو أنه يأخذ موقفا مضادا لموقف المستشرق الكبير لويس ماسينيون الذي كان يدعو إلى التقارب مع الإسلام. ومعلوم أن ماسينيون طرح الشعارات الثلاثة التالية: نحن جميعا أبناء النبي إبراهيم الخليل عليه السلام. نحن جميعا من أتباع الديانة التوحيدية، نحن جميعا من أديان الكتاب. والمقصود بجميعا هنا: اليهود، والمسيحيون، والمسلمون. فكلهم ينتسب إلى إبراهيم، وكلهم يؤمن بالتوحيد، ولدى كل منهم كتاب يعتمد عليه: التوراة، أو الإنجيل، أو القرآن. وبالتالي فلماذا كل هذا الصراع والخلاف الدامي على مدار التاريخ؟ لماذا لا نتحاور ولا نتقارب؟
هذا ما كان يقوله ماسينيون باستمرار ويدعو المسيحيين الفرنسيين إليه. ولكن الطرف المتعصب والكاره للإسلام في فرنسا رفض دعوة ماسينيون هذه وركّز على نقاط الخلاف مع الإسلام لا نقاط التقارب واللقاء. وجاك إيلّول وألان بيزانسون ينتميان للأسف الشديد إلى التيار الأخير كما سيتضح من خلال هذا العرض. نقول ذلك على الرغم من أهمية الرجلين جامعيا وأكاديميا بل وأخلاقيا فيما يخص جاك إيلول على الأقل.
ومعلوم أنه يوجد تيار مضاد للإسلام في الغرب منذ العصور الوسطى والحروب الصليبية. وهو تيار لم يمت حتى الآن، وإن كان قد ضعف بسبب انتشار العلمانية والحداثة والتنوير في كل أنحاء أوروبا.
لنتحدث الآن عن مقدمة ألان بيزانسون الطويلة لهذا الكتاب. فهي لا تقل أهمية عن الكتاب نفسه إن لم تكن أكثر أهمية. فألان بيزانسون مؤرخ مشهور ويكتب من حين لآخر في جريدة “لوفيغارو” كما ذكرنا ويتدخل في الشؤون السياسية والمناقشات الكبرى. وبالتالي فله تأثير على الرأي العام في فرنسا. وهو يشبه إلى حد ما المحافظين الجدد في أميركا ولكن مع تلوين ديني هذه المرة. وقد اتخذ مؤخرا موقفا ضد تركيا أو ضد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي بحجة أنها ذات ثقافة إسلامية تتنافى مع الإرث الثقافي الأوروبي الذي هو مسيحي في جوهره أو يهودي- مسيحي كما يقولون الآن.

نلاحظ أن الأوروبيين لم يضمّوا اليهود إليهم إلا مؤخرا، لأن المسيحيين كانوا في الماضي وطيلة قرون عديدة يتهمون اليهود بقتل المسيح. وبالتالي فموقفهم كان سلبيا جدا منهم. ولكن بعد قيام دولة إسرائيل وبعد محرقة اليهود على أيدي النازيين تضافرت عوامل عديدة لكي تقرب بين الطرفين. وهو تقارب تم على حساب الجهة الإسلامية كما يبدو.  فقد تشكل تكتل لاهوتي بين اليمين اليهودي واليمين المسيحي من أجل نبذ الإسلام أو عدم الاعتراف به. وازداد هذا التكتل قوة بعد ضربة 11 سبتمبر الإجرامية. وهو ما سنراه للأسف من خلال استعراض محاور هذا الكتاب وأفكاره.
يقول ألان بيزانسون في مقدمته لهذا الكتاب: في عام 622 ميلادية ولد رسميا في المدينة (المنوّرة) دين جديد مضاد مباشرة للعقائد الأساسية للمسيحية أي التثليث والتجسيد (تجسّد الله في المسيح)، وخلاص البشر على يد المسيح (أو الافتداء: أي افتداء البشرية من قبل المسيح وعذابه على الصليب ). واليوم قد يصبح أبناء هذا الدين، ولأول مرة في التاريخ، أكثر عددا من المسيحيين بكل طوائفهم ومذاهبهم. فمنذ خمسين سنة حصلت عدة أشياء غيّرت المعطيات والصورة.
أوّلها استقلال البلدان الإسلامية من عربية أو غير عربية بعد أن كانت واقعة تحت نير استعمار الإمبراطوريات الانجليزية، والفرنسية، والهولندية، والروسية. لقد نالت كل الدول استقلالها ما عدا الضفة الغربية الفلسطينية. (أفتح قوسا هنا وأقول لحسن الحظ انه يعترف بوجود شيء اسمه فلسطين..)
ثم يقول بيزانسون بأن العامل الثاني الذي قلب المعطيات أو موازين القوى بين الإسلام و المسيحية يكمن في الشيء التالي: حتى بدايات القرن العشرين كانت هناك أقليات مسيحية لا تزال عديدة وضخمة في تركيا، ومصر والشرق الأوسط.
ولكنها غيرت دينها واعتنقت الإسلام تحت ضغط الجو المحيط الذي هو إسلامي في غالبيته العظمى، أو أنها طردت كما حصل لليونانيين الأتراك، أو تعرضت للمجازر الضخمة والجماعية كما حصل للأرمن من قبل الأتراك أيضا. وعلى هذا النحو تقلص عدد المسيحيين في الشرق إلى حد كبير. وأما العامل الثالث المستجد فهو مجيء جاليات عربية عديدة واستقرارها في أوروبا. وقد كبرت هذه الجاليات الآن كثيرا وبخاصة في فرنسا، وألمانيا، وانجلترا، وهولندا، وبلجيكا، إلخ. وربما كانت الجالية الإسلامية تشكل الآن 10 % من العدد الإجمالي لسكان فرنسا. وسوف تشكل 20% خلال العشرين سنة القادمة. وهو رقم ضخم ولا يستهان به. وسوف تكون له أبعاد وانعكاسات مستقبلية كثيرة.  صحيح أن النسبة أقل في ألمانيا، وانجلترا، والولايات المتحدة، ولكنها ذات أهمية أيضا. وهذه التطورات تثير القلق في الغرب حاليا من وجهة نظر ديمغرافية، ثم من جهة عدم القدرة على هضم وتمثل هذه الجاليات بالسرعة اللازمة. ولكن نادرا أن يتحدث أحد عن الجانب الديني من المسألة.
في الواقع أن الكنائس المسيحية أي الكاثوليكية والبروتستانتية لا تشعر بالقلق من وجود الإسلام على أراضيها. على العكس فإنها تستقبله بكل ترحاب وتفتح له صدرها. وهذا موقف جديد أو مستجد قياسا إلى الماضي. و لكن أغلبية الشعب لا تشاطرها هذا الترحيب الذي ربما كان ينم عن تضامن بين الأديان ضد العلمانية. وهكذا لم يشعر الفرنسيون إلا وقد استقر الإسلام بينهم وأصبح جزءا كبيرا من مجتمعهم. ولم يشعروا بالقلق إلا مؤخرا بعد أن انفجرت مشكلة الحجاب في المدارس الفرنسية. عندئذ عرفوا أنه توجد مشكلة بالفعل مع الإسلام والمسلمين.
في الواقع أن الفرنسيين كانوا يخشون أن يتهموا بالعنصرية أو بالتعصب ضد الأجانب ولذلك فلم يفعلوا شيئا ضد هذا التواجد الكبير للمسلمين على أراضيهم وتركوه ينمو ويزداد على مدار السنوات. فالتيار المسيحي في فرنسا يركّز على نقاط الالتقاء مع الإسلام لا نقاط الاختلاف. وفي صحافته نلاحظ الترحيب بالإسلام والمسلمين. وكثيرا ما تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن العمال المغتربين وتهاجم جان ماري لوبن واليمين المتطرف كله الذي يكرههم.

فلماذا غيّر المسيحيون الأوروبيون موقفهم من الإسلام يا ترى ورحبوا به بعد أن ناصبوه العداء لقرون طويلة؟ هل يريدون الانتقام من العلمانية التي همّشتهم وحلّت محلّهم في مختلف الدول المتقدمة؟ هل يرون في الإسلام نصيرا لهم في معركتهم ضد الإلحاد المادي السائد في بلدان أوروبا الغربية؟ أم أن تطور اللاهوت المسيحي بعد الثورة اللاهوتية التي حققها المجمع الكنسي للفاتيكان الثاني هو السبب؟ ومعروف أن ذلك المجمع الكنسي التحرري الذي جدد اللاهوت المسيحي وتخلى عن فتاوى القرون الوسطى اعترف لأول مرة بالإسلام كدين محترم يؤدي إلى النجاة في الدار الآخرة مثله في ذلك مثل المسيحية تقريبا…ولكنه اعترف أيضا باليهودية وأسقط عنها تلك التهمة الرهيبة المتمثلة بقتل المسيح. كما واعترف بمشروعية الأديان الأخرى كالبوذية والهندوسية. وهكذا انفتحت المسيحية على كافة الأديان والعقائد العالمية وتصالحت مع فلسفة التنوير بعد أن أدانتها لمدة مائتي سنة وحققت بذلك ثورة لاهوتية غير مسبوقة.
كل هذه الأسباب لعبت دورها بدون شك. فالمسيحيون في بلاد متقدمة كفرنسا، أو ألمانيا، أو انجلترا، أو هولندا… ليسوا هم المسيحيين في بلدان شرقية متخلفة كاليونان، أو روسيا، أو صربيا (يوغسلافيا) او حتى البلدان العربية. وذلك لأنهم تأثروا بالانقلابات العلمية والفلسفية التي حصلت في أوروبا الغربية بدءا من القرن السادس عشر ولم يعودوا متعصبين كما كان عليه الحال في القرون الوسطى.لقد اضطر المسيحيون الأوروبيون إلى التجديد اللاهوتي والتصالح مع العالم الجديد وقيمه بعد أن أصبحت الحداثة العلمية والفلسفية تحيط بهم من كل جانب..
ويرى المؤرخ ألان بيزانسون أن موقف المسيحيين في الماضي من المسلمين لم يكن مرحبا ولا إيجابيا على عكس ما هو حاصل الآن. ويضرب على ذلك مثلين: الأول يوحنا منصور الدمشقي، والثاني القديس توما الاكويني أستاذ المسيحية الأوروبية في القرن الثالث عشر. فيوحنا الدمشقي كان ينتمي إلى عائلة دمشقية كبيرة لعب أفرادها دورا مهما كموظفين في الإدارة البيزنطية التي كانت سائدة قبل وصول الإسلام. ويقال بأنه لعب دورا في استسلام دمشق للفاتحين العرب. ولذلك قربه الخليفة الأموي منه ووظفه في مصلحة إدارة الضرائب. ولكن حصلت بعدئذ الموجة الأولى للاضطهاد ضد المسيحيين. وعندئذ التجأ يوحنا الدمشقي إلى الدير المسيحي حيث مات عام 754م، أي بعد وفاة الرسول بمائة وعشرين سنة وبعد موت عثمان بن عفان بمائة سنة فقط. وهذا يعني أنه شهد اللحظات الأولى للفتح الإسلامي وانتشاره خارج الجزيرة العربية في سوريا وفلسطين ومصر، الخ. وبالتالي فشهادته مهمة جدا عن تلك الأحداث الحاسمة لأنها من أولى الشهادات التي وصلتنا. وقد خلّف وراءه مخطوطة سرية بعنوان : “كتاب البدع” (أو الهرطقات والزندقات) وفيه يصنّف الإسلام باعتبار أنه الزندقة رقم 100! وهذا يعني أنه لم يكن واضحا في ذلك الوقت المبكّر من عمر الإسلام فيما إذا كان دينا آخر أم مجرد هرطقة أو نسخة أخرى متفرّعة عن المسيحية. لم تكن أقدام الإسلام قد ترسخت بعد ولم يكن قد أصبح ذلك الدين الكوني الذي نشهده حاليا. ثم يردف ألان بيزانسون قائلا: وأحيانا لا نزال نطرح حتى اليوم نفس هذا التساؤل: هل الإسلام دين مستقل بذاته أم هو عبارة عن صورة من صور المسيحية أو اليهودية. فهو مليئ بقصص موسى وعيسى ومريم وأنبياء التوراة..نلاحظ انه لا يزال يطرح هذا السؤال الرغم من وجود مليار وثلاثمائة مليون مسلم في العالم اليوم!
لكن لنتابع مع المؤلف سلسلة أفكاره التي تمثل تيار اليمين المسيحي في فرنسا كما قلنا. في كتابه المذكور آنفا يقول يوحنا الدمشقي بأن “محمد” لم يكن نبيا حقيقيا، وإن عقائده عبثية ولا معنى لها لأنها تنكر الحقائق المسيحية. ولكن يبدو أن يوحنا الدمشقي خلّف وراءه كتابا آخر بعنوان: محاورة بين مسلم ومسيحي. وفيه يدافع بشدة عن المسيحية ويحذر سكان سوريا الذين كانوا لا يزالون مسيحيين في أغلبيتهم آنذاك من اعتناق الإسلام. ومعلوم أن سوريا ظلت مسيحية في أغلبيتها حتى القرن العاشر الميلادي وربما أكثر من ذلك. وهذا شيء نجهله نحن حاليا أو قل إنها حقيقة مسكوت عنها. بعدئذ قلبت الأمور في جهة الإسلام والدين الغالب وتحول المسيحيون عن دينهم إلا أقلية معينة لا تزال موجودة حتى الآن.
وفي هذا الكتاب الأخير يدافع يوحنا الدمشقي عن إرادة الإنسان وحريته ضد قدرية المسلمين واستسلامهم للمقدور أو للمكتوب كما يزعم.  ثم جاء بعده بقرون طويلة القديس توما الاكويني لكي يدحض الإسلام أيضا، وهو يهاجم الإسلام من خلال المنطلقات التالية:

1.    الإسلام دين شهواني. وقد استطاع محمد أن يغري الأتباع ويجذبهم إليه عن طريق وصف الجنّة وشهواتها ونسائها وملذاتها في القرآن. يضاف إلى ذلك أن محمد كانت له عدة نساء وهذا لا يليق بنبي على حد زعمه أيضا.
2.    الإسلام لا يقدم إلا حقائق عادية يسهل على الناس العاديين أن يفهموها. إنه دين البسطاء والجهلة وعامة الناس بحسب رأيه. وذلك على عكس المسيحية المعقدة وذات الأسرار الربانية التي لا يفهمها إلا الراسخون في العلم.
3.    الإسلام لم يقنع الناس بالحجة أو البرهان وإنما بقوة السلاح. فقد خضعوا له خوفا من قطع الرقاب. وهذه هي براهين الطغاة وقطاع الطرق! والفتح الإسلامي تم بالسيف لا بالإقناع. نلاحظ أن البابا استعاد هذه التهمة بشكل غير مباشر في محاضرته الشهيرة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها..
4.    لا يوجد أي ذكر للإسلام أو تنبؤ بحصوله في العهد القديم أو العهد الجديد : أي التوراة والإنجيل وبالتالي فهو مرفوض من قبل اليهودية والمسيحية على التوالي. وذلك على عكس ما يزعم المسلمون الذين يقولون بان اسم النبي ورد في الكتب السابقة على صيغة أحمد ولكن اليهود والمسيحيين حذفوه وبالتالي فكتبهم محرفة..
5.    لقد شوّه قصص العهد القديم والعهد الجديد: أي قصص أنبياء بني إسرائيل وبخاصة موسى وهارون، وكذلك سيرة المسيح وأمّه العذراء عن طريق ذكر قصص جديدة مختلفة تشبه الأساطير.
6.    إنه يمنع أتباعه من قراءة التوراة والإنجيل لكيلا ينكشف أمره وسرقته للقصص والأفكار الواردة فيهما. فهو مليء بقصص بني اسرائيل وموسى وعيسى الخ..
وباختصار فإن من يعتقد بصحة كلامه ساذج وجاهل.
هذه هي محاجات توما الاكويني ضد الإسلام في عزّ القرون الوسطى. وفي ذلك الوقت كان المسيحيون يحاربون الإسلام بكل قوة بعد أن اكتسح مواقع ضخمة في حوض البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي فقد أصبح منافسا جديا وخطيرا بالنسبة للمسيحية التي كانت هي الدين السائد في تلك البلدان قبل فتح الإسلام لها.. وبالتالي فالفتوحات الإسلامية تمت على حساب المسيحية في الواقع. ولذلك غاروا منه وكرهوه وحاربوه. ثم يردف ألان بيزانسون قائلا: هكذا نلاحظ أن يوحنا الدمشقي في القرن الثامن للميلاد، وتوما الاكويني في القرن الثالث عشر رفضا الإسلام أو دحضاه من وجهة نظر لاهوتية والآن يجيء جاك إيلّول لكي يدحضه من جديد لاهوتيا ودينيا أيضا.
ثم يقول بيزانسون بأنه يشاطر إيلّول نفس الأفكار فيما يخص الإسلام! وهذا يتعارض مع حصول تجديد في الفكر اللاهوتي الأوروبي أو حصول تطور في المواقع الفكرية تجاه الدين الإسلامي كما ذكرنا سابقا. ولكن يبدو أن ذلك لا يزال غائبا على الأقل بالنسبة لشريحة واسعة من مفكري الغرب.أو قل بان الآن بيزانسون ينتمي إلى التيار المتزمت والمتعصب في الكنيسة المسيحية. وهذا ما يتجلى من خلال كلامه بوضوح لا يقبل الشك.
ولكن هذا لا يعني عدم وجود التيار الآخر: تيار الانفتاح على الإسلام من قبل ماسينيون وجاك بيرك وهنري كوربان وغيرهم كثيرين. وكذلك التيار اللاهوتي المنبثق عن المجمع الكنسي للفاتيكان الثاني. وبالتالي فهناك موقفان تجاه الإسلام في الغرب الأوروبي: موقف قديم رافض للحوار أو اللقاء أو المصالحة، وموقف ساع لهذه المصالحة ويفتح صدره للإسلام والمسلمين.
هذا فيما يخص التيار المسيحي الذي أصبح يشكّل أقلية الآن في أوروبا العلمانية الحديثة. أما التيار العلماني فلا يعبأ بالمسيحية ولا بالإسلام كثيرا وإنما يستند إلى مرجعية أخرى لا دينية: هي المرجعية العلمية والفلسفية لعصر التنوير. وهذا يعني انه ينظر إلى جميع الأديان والمتدينين نفس النظرة ويعتبرهم بمثابة بقايا متخلفة من العصور السابقة. وبالتالي فنحن لا نتحدث هنا إلا عن التيار المسيحي ولا نتعرض لمواقف التيار العلماني الذي يشكل أغلبية السكان في فرنسا وعموم أوروبا والذي يتبنى الحداثة أو الفلسفة العقلانية كدين بدلا من المسيحية. والآن يطرح ألان بيزانسون هذا السؤال الحاسم: ما هي المكانة التي يمكن لعلم اللاهوت المسيحي أن يخصصها للإسلام؟ هل يمكن اعتبار الإسلام كدين وحي، أم كدين طبيعي بشري؟ يقول الكاتب كجواب على هذا السؤال ما معناه: إن اللاهوت المسيحي يقسّم البشرية إلى قسمين: قسم تابع للأديان الطبيعية أو البشرية، وقسم تابع للأديان الإلهية التي أوحى بها الله إلى موسى في طور سيناء ثم أكملها بإرسال المسيح من بعده. والإسلام على الرغم من أنه يقول بوحدانية الله إلا أنه دين طبيعي، أي بشري، وليس دين وحي! ولكن اليهود والمسيحيين يشعرون بالانزعاج لتصنيفه في خانة الدين الطبيعي لأنه يقول بالوحدانية، وحدانية الله… وبالتالي تنتج عن ذلك صعوبة تصنيف الإسلام. فهل هو يحتل مكانة وسطى بين أديان الوحي، و الأديان الوثنية؟ ولماذا لا يمكن اعتباره دين وحي بالكامل كاليهودية والمسيحية؟
في رأي بيزانسون أن تصور المسلمين للرب (أو الله) يختلف عن تصور اليهود أو المسيحيين. فالله في تصور المسلمين بعيد جدا في أعالي السماء وغير قريب من البشر. أما عند اليهود فله تاريخ وعلاقة خاصة بموسى وشعبه المختار. انه اله خاص باليهود فقط أو مؤمم من قبلهم إذا جاز التعبير. وأما عند المسيحيين فقد نزل من السماء إلى الأرض وتجسد في شخص بشري هو يسوع المسيح. وبالتالي فهو قريب جدا من البشر في كلا التصورين. أما عند المسلمين فهو بعيد ومتعال أكثر من اللزوم ولا يحبّ البشر! تخيلوا هذه السذاجة في التفكير لمؤرخ وعالم كبير. فتعصبه لدينه او انغلاقه داخل مرجعياته وتصوراته منعه من رؤية الحقائق كما هي. ويستنتج الباحث من كل ذلك أن الإسلام في نهاية المطاف دين طبيعي أي بشري ولكنه يؤمن بوحدانية الله! وهكذا يضعه في مكانة وسطى بين الأديان البشرية والأديان السماوية ويرفض أن يرتفع به إلى مستوى الأديان السماوية لكيلا يصل إلى مستوى اليهودية والمسيحية!
موقف غريب الشكل ومستمر منذ ألف وأربعمائة سنة ضد الإسلام، لم يتغير ولم يتبدل. فهل يليق بمؤرخ كبير يعيش في عزّ الحداثة الأوروبية؟ هل يليق به أن يكرر نفس محاجات القرون الوسطى المعادية للإسلام وإن بثوب جديد؟ ألم يتطور الفكر في أوروبا طيلة كل تلك القرون؟ فلماذا لم يتطور هو أو يتغيّر تجاه الإسلام يا ترى؟ فإما أن تكون كل الأديان التوحيدية طبيعية أو بشرية وإما أن تكون كلها إلهية أو سماوية. لماذا يتعب مؤرخنا العتيد نفسه بكل هذه الحذلقات لكي يخرج الإسلام من التعالي الرباني ولا يبقي إلا على المسيحية واليهودية؟
بالمقابل يعترف المؤلف بأن المسلمين يقترحون تصنيفا آخر للأديان غير هذا التصنيف. فالمسلمون يفرقون بين الوثنيين أو المشركين من جهة، وبين أولئك الذين تلقوا الوحي الإلهي كاليهود والمسيحيين والمسلمين من جهة أخرى: أي أهل الكتاب. بمعنى آخر فإن المسلمين يعترفون باليهود والمسيحيين ولكن اليهود والمسيحيين لا يعترفون بهم!! ولا تزال الحالة مستمرة على هذا النحو منذ العصور الوسطى وحتى اليوم دون أي تغيير أو تعديل. فكيف يمكن أن يحصل حوار مجد بين الطرفين؟ إذا لم يغيّر اليهود والمسيحيون موقفهم اللاهوتي من الإسلام، إذا لم يعترفوا به كدين وحي بالكامل فمن الصعب إن لم نقل من المستحيل أن يجري أي حوار ناجع. إذا ما أصرّوا على اعتبار القرآن في مرتبة أدنى من التوراة والإنجيل فإن ذلك يعني أن الحوار سوف ينتهي حتى قبل أن يبتدئ. لكن هنا يطرح سؤال نفسه: ما الذي يقصده المؤلف بالدين الطبيعي؟ وما الفرق بينه وبين دين الوحي؟ وجوابه هو على النحو التالي: الدين الطبيعي هو دين الوثنيين الذي يظهر في الطبيعة هكذا والذي قد يتوصل إلى مفهوم الله الحق بشكل واضح قليلا أو كثيرا من خلال التجربة البشرية وحدها لا من خلال وحي منزل. إنه دين بشري يشبه تديّن الفلاسفة الذين يتوصلون إلى مفهوم الله عن طريق العقل والمنطق لا عن طريق الوحي الإلهي. فأرسطو توصل إلى ذلك سابقا ودعاه: بالمحرك الأول، أو الصانع: أي محرك الكون وصانعه. فيكفي أن نتأمل في بديع الخلق وجماله وتنظيمه بسمائه وأرضه لكي نتيقن أن هناك صانعا أو ربا لهذا الكون.

ولكن بالنسبة لألان بيزانسون فإن أفضل إيمان بالله هو ذلك الذي ينتج عن وحي إلهي خارق للطبيعة كالوحي اليهودي المتضمّن في التوراة (العهد القديم)، أو الوحي المسيحي المتضمن في الإنجيل (العهد الجديد). ولكن ليس عن طريق الوحي القرآني!! لماذا؟ لا نعرف. لا نعرف لماذا يكون الكلام الموجود بين دفتي التوراة والإنجيل وحيا والكلام الموجود في القرآن الكريم غير وحي..انه قرار تعسفي اتخذه مؤرخ يعيش في عز الحضارة الفرنسية أو الأوروبية. ولكن صاحبنا نسي أو تناسى أن اليهود لا يعترفون بالمسيحية وإنما يعتبرونها بدعة أو انشقاقا عنهم مثلما أن المسيحيين لا يعترفون بالمسلمين..وهكذا نكون قد دخلنا في صراع لاهوتي قروسطي له أول وليس له آخر..ومن الذي يوقعنا فيه؟ مؤرخ فرنسي يعيش في خضم الحداثة او حتى ما بعد الحداثة! فتخيلوا هذا الانفتاح الفكري العظيم..
لكن لنواصل عرضنا لأفكاره على الرغم من كل شيء. يقول بما معناه: ان الكنيسة المسيحية لا تعتقد بامكانية الوصول إلى الإيمان بالله عن طريق العقل وإنما من خلال التجلّي الإلهي في التاريخ و توصيل الإرادة الإلهية إلى البشر عن طريق الأنبياء وعن طريقهم فقط. لقد أراد أن يوصل لهم بعض الحقائق التي تتجاوز إمكانيات العقل البشري: أي التي لا يستطيع التوصل إليها بمفرده. فالعقل عاجز ويقف عند حدود معينة لا يستطيع تخطيها..جيد. ولكن الفلاسفة العقلانيين يا سيدي لا يعتبرون هذه الأشياء حقائق وإنما مجرد عقائد دوغمائية لا يمكن البرهنة عليها. فالعقيدة الأساسية في المسيحية والقائلة بأن الله نزل على الأرض وتجسّد في شخص بشري هو يسوع الناصري من فلسطين ليست حقيقة في نظر الفلاسفة وإنما مجرد اعتقاد دوغمائي يؤمن به فقط المسيحيون… بل وحتى المسيحيين العلمانيين او الليبراليين في أوروبا المتقدمة أصبحوا يرفضونه.  ويرى الكاتب بأن المسلمين قد ردّوا على رفض اليهود والمسيحيين لهم بشكل عنيف فقالوا بأنهم حرّفوا كتبهم، أي التوراة والإنجيل. وهكذا اشتعلت المعارك اللاهوتية الحامية بين المسلمين والمسيحيين على مدار التاريخ. فكل طرف يتهم الطرف الآخر بشتى التهم. وهذا صحيح.
ثم يردف ألان بيزانسون قائلا: لقد رفض المسلمون رفضا قاطعا أن يكون القرآن تقليدا للكتب السابقة له او حتى متأثرا بها. فالمسلمون اخترعوا فكرة أن النبي محمد كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة لكي يقولوا بأنه لم يطلع على كتب اليهود والمسيحيين قبل أن ينطق بالقران. وبالتالي فكيف يمكن أن يكون متأثرا بها وهو يجهلها تماما، ولا يعرف أن يقرأ!؟
أما بيزانسون فيؤكد بأن النبي محمد كان مطلعا على كتابات اليهود والمسيحيين قبل أن يعلن دعوته. ويرى انه اطلع عليها من خلال كتابات هراطقة المسيحية. والواقع أن المطلع على التوراة والإنجيل يجد أصداء لهما في القرآن. ولكن استعارات القرآن من الكتب السابقة له تبدو واضحة ومشوّهة في آن معا. فإبراهيم المذكور في القرآن ليس أبراهام التوراتي، وموسى القرآني ليس بالضبط موسى المذكور في التوراة، ويسوع ليس عيسى ابن مريم الوارد في كتاب المسلمين. لنأخذ حالة عيسى مثلا. إنه يبدو في القرآن وكأنّه خارج الزمان والمكان وبدون أي علاقة مع بني إسرائيل. وأمه، أخت هارون، ولدته تحت نخلة! وهذا مخالف لما ورد في الإنجيل. ثم إن معجزات عيسى المذكورة في القرآن تبدو مستمدّة من الإنجيل المحرّف لا الحقيقي الذي يتداوله المسيحيون ويعترفون به رسميا.
ثم يردف ألان بيزانسون قائلا: المسيحيون يفرحون أحيانا للمكانة التي أولاها القرآن للمسيح ويعجبون بذلك أشدّ الإعجاب، ولكن عن جهل. فالواقع أن المسيح المذكور في القرآن ليس مسيحنا، وإنما يختلف عنه اختلافا جذريا. وبالتالي فلا داعي للفرح الزائد عن الحد.. فالإسلام لا يعترف بنا كما نحن عليه في الواقع وإنما كما يحب هو أن نكون..
وبالتالي فبالنسبة لليهودي والمسيحي لا توجد استمرارية تواصلية بين التوراة والإنجيل من جهة، والقرآن من جهة أخرى. وذلك لأن القرآن يشوّه القصص والأفكار الواردة في كتب اليهود والمسيحيين. وحتى تصوّر المسلمين لله يختلف جذريا عن تصورنا. فإله المسلمين متعال جدا بل وحتى متعجرف! إنه يطلب من الإنسان الطاعة والخضوع فقط بدون اي مساءلة او نقاش. ولا يقيم أي علاقة محبّة مع الإنسان كما نفعل نحن المسيحيين عندما ندعو الله بالأب. فالله بالنسبة لنا نحن المسيحيين قريب منا، بل إنه تجسد في سيدنا يسوع المسيح وتواضع وقبل أن يتقمّص شخصية إنسان بشري، لقد قبل بأن ينزل من السماء إلى الأرض. وأما عند المسلمين فالله يتعالى على البشر بطريقة مخيفة وينفصل عنهم انفصالا كليا في أعالي السماء. وهنا أيضا نسي صاحبنا أن كل سورة من سور القرآن تبتدئ بالآية التالية: بسم الله الرحمن الرحيم..
وفي الختام نلاحظ أن ألان بيزانسون يحمل على المستشرق الكبير لويس ماسينيون لأنه حاول التقريب بين الأديان التوحيدية الثلاثة وقدم صورة إيجابية عن الإسلام في فرنسا. فقد زرع هذا العالم الكبير في الأوساط المسيحية الفرنسية فكرتين أساسيتين: الأولى هي أن القرآن، على طريقته الخاصة، وحي إلهي أيضا. صحيح أنه مختصر وبدائي ولكنه وحي على الرغم من كل ذلك. وهو استمرارية للوحي التوراتي والإنجيلي. والثانية هي أن الإسلام دين إبراهيمي مثله في ذلك مثل اليهودية والمسيحية. وعندما ننظر إلى رفوف مكتباتنا نلاحظ وجود كتب عديدة تدافع عن الإسلام أو محبّذة له. وهي في معظمها من تأليف الكهنة المسيحيين التابعين لمدرسة لويس ماسينيون.
وإعجابهم بالإسلام له عدة أسباب. أولها كرههم للحضارة الغربية الحديثة الليبرالية والمادية حتى درجة الإباحية. فالتيار المسيحي في الغرب ينتقد هذه الحضارة بشدة لأنها بالغت في الشهوات. ومن هنا إعجابه بالحضارة الإسلامية التقليدية التي تذكّره بالحضارة المسيحية في القرون الوسطى من حيث الالتزام بالدين وطقوسه وشعائره، ومن حيث عدم الغرق في حياة الاستهلاك الحديثة واللهاث المحموم وراء الملذات.
وأخيرا فماذا يمكن أن نقول عن هذا الكتاب؟ يمكن القول بأن ألان بيزانسون على الرغم من شهرته كمؤرخ كبير لم يستطع تجاوز النظرة المسيحية التقليدية الموروثة عن القرون الوسطى والتي تكره الإسلام بشكل أعمى وجذري. كما أنه لم يتحرر من المسلّمات اللاهوتية العتيقة السائدة في الجهة المسيحية. ولم يتبنّ النظرة الحديثة والمقارنة للدين. وهي التي تنظر إلى الأديان التوحيدية كلها من زاوية واحدة ولا تفضل أحدها على الآخر بشكل مسبق. وهي نظرة تاريخ الأديان المقارنة التي ظهرت مؤخرا في أوروبا. ولكن يبدو أن بيزانسون لم يسمع بها حتى الآن!! وبالتالي فما الفرق بينه وبين الأصوليين الاسلامويين الذين يرفضون المسيحية أيضا ويستهزئون بعقائدها؟
كما ونستخلص النتيجة الأساسية التالية: وهي أن الحوار الإسلامي المسيحي أو الإسلامي اليهودي لن يصل إلى أي نتيجة حاسمة إذا لم نخرج كليا من لاهوت القرون الوسطى بكل مسلماته ومقولاته وطروحاته الطائفية. ينبغي أن نخرج مما يدعوه محمد أركون بعقلية النبذ اللاهوتي المتبادل. وهي عقلية تشكلت في القرون الوسطى وأدت إلى كره الأديان التوحيدية الثلاثة لبعضها البعض وتكفيرها لبعضها البعض. فراح كل دين يعتبر نفسه بمثابة الدين الوحيد الصحيح المرضي عند الله وبقية الأديان ضلال في ضلال. وهو لاهوت لا يزال الآن بيزانسون مسجونا داخل جدرانه كبقية الأصوليين على الرغم من انه مؤرخ مشهور ويعيش في ظل الحداثة الفرنسية الأكثر تقدما. وسوف يظل هذا الحوار حوار طرشان لأن كل طرف سوف يعود إلى قواعده سالما بعد انتهاء الحوار ويهاجم أبناء الأديان الأخرى التي يكفّرها أو يستسخف إيمانها على الأقل.
ولكن يبقى وجود هذا الحوار أفضل من عدم وجوده. ولقاء رجال الدين ببعضهم البعض أفضل من عدم اللقاء. نقول ذلك ونحن نقصد رجال الدين المنفتحين الذين يبذلون بعض الجهد لتفهّم الدين الآخر واحترامه وليس المتعصبين الذين ينغلقون داخل أسوار التزمت والتعصب لدينهم الخاص أو لعقيدتهم ومذهبهم. ولهذا السبب فاني أفضل ألف مرة عالما لاهوتيّا (أي رجل دين) كهانز كونغ على مؤرخ شهير يدعى: الان بيزانسون..لقد مللنا من التعصب والمتعصبين: من الانغلاق والانغلاقيين..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This