جارية للإله الخفي: حياة “ميرا” كلّها ليلة طويلة من الاشتهاء

“امرأة ممسوسة،
أجولُ متثاقلةً عبر المَحَجّات الثمانية والستين،
لكني لا أملك الفطنة كيما أدرك معنى الفشل.
حنانيكَ “موراري”، اسمع ندائي،
لا شيء في الأرض يبدو أنه “ملكي”.
ميرا منحتكَ الثقة،
الآن جاء دوركَ،
أطلق سراحها من هذا الشَرْك
الذي نسمّيه “العالم””.

“ميراباي”

في حياتها نادوها بالمجنونة، وفي مماتها بالقدّيسة؛ شاعرة هندية من القرن الخامس عشر، اسمها “ميراباي”، والناس في مختلف أرجاء الهند، لازالوا حتى يومنا هذا يردّدون أشعارها ويرقصون على ألحان أغانيها.

ليست كثيرة المعلومات التاريخية المتوفّرة حول حياة “ميراباي” المعروفة أيضاً بـِ “ميرا”، رغم كونها واحدة من أشهر شعراء وشاعرات “البهاكتي” في الهند الشمالية، وهي حركة عمّت معظم أرجاء الهند من القرن الثالث عشر ولغاية القرن السابع عشر، وتميّز أصحابها بتكريس أشعارهم للتعبير عن المحبة المنزّهة الفاضلة الكاملة للإله، ولتجسيد طبيعة حياتهم المنذورة لخدمته، وطُرُق تفانيهم لأجله ولأجل البشرية جمعاء. وقد شكّلت أعمال “ميراباي” الرصيد الأهم، والمرجع الأمثل لما شهدته الهند الشمالية من انتعاش في الحياة الدينية ومظاهر العبادة والتصوّف في تلك الآونة.

بغض النظر عن مدى صحة ما تناقلته الألسن من سيرة حياة الشاعرة، فالاعتقاد السائد أنها كانت أميرة؛ ابنة لإحدى الأُسَر “الراجبوتية” المنتمية إلى الطبقة الهندوسية الحاكمة. ولدت عام 1498 في قرية تدعى “مرتا” من ولاية “راجاستان”، على مقربة من مدينة “أجمير”، وعلى مسافة حوالي المئتي ميل من العاصمة “نيودلهي”. عام 1516 تزوجت من “بهوج راج” ولي عهد إقليم ميوار، إلا أنه قضى في إحدى المعارك ولم يمض على زواجهما أكثر من خمس سنوات. عام 1527 يموت والدها أثناء تصدّيه لهجوم يشنّه مسلمو أفغانستان وينتقل عرش ميوار إلى الورثة. والمعروف أن “ميراباي” كانت في العقد الثالث من عمرها عندما تركت البلاط لتتحوّل إلى متسولة جوّالة، تقضي معظم أوقاتها في العبادة والصلاة للإله “كريشنا”، وتشرع في زيارة واستقبال رجال الدين المعروفين بـ “السادهو”. مؤكداً، لم يكن نمط الحياة هذا ليليق بامرأة من الطبقة الأرستقراطية، وتالياً ليحظى برضا عائلتها، مما دفع بأخ زوجها وخَلَفه “راتان سينغ” وبوريث العرش من بعده “فيكرام سينغ” إلى التآمر ضدها. غير مبالية بمعارضتهما، تعلن” ميراباي” عصيانها المفتوح، متمردةً على أعراف المجتمع وعاداته ومفاهيمه التقليدية. وعلى خلاف معظم شعراء “البهاكتي” الذين كانوا ينتمون إلى طبقات اجتماعية دنيا، نجد أن “ميراباي” تمتعت بامتياز الانتماء إلى طبقة راقية، مما يعني أنها كانت ذات خلفية مكّنتها من تحصيل العلوم والمعارف باللغة السنسكريتية، والإحاطة بفنون الرماية والرقص ونظم الشعر.

مع الوقت يزداد تعلّق “ميراباي” بالإله المتعالي “كريشنا”، الذي تجده شديد الإغواء بتكبّره، وتنذر له حياتها، متبنيّة طقوس حياة رجال الدين، لتغدو هي نفسها “سادهو”. ولأن “ميراباي” كانت تغنّي أشعارها معتمدةً ألحاناً متنوعة، ولكون قصائدها لم تُدوّن إلا بعد مدة من مماتها، سوف نجد أن بعضاً منها عُدّلت معانيه أو بُدّلت، وفق لهجات الذين غنّوه، وبعضاً آخر ليس مؤكداً أنه ينتمي إليها. وعلى رغم الصعوبة البالغة التي واجهها الباحثون في تمييز قصائدها الحقيقية من بين الكم الهائل من الأشعار المنسوبة إليها (حوالي 1300 قصيدة)، تبيّن أن هناك حوالي المئتي قصيدة (بهاجان) تخصّ الشاعرة فعلاً. والمعروف أن “ميراباي” كانت تغني هذه الأشعار فيما هي ترقص أو تتسوّل حافية القدمين، تعبيراً عن حبها الكبير للإله “كريشنا”، ولم تكن تنشد أي مكانة أدبية رفيعة من وراء ما أنتجته منها. ورغم أن غايتها كانت شأناً تعبّدياً صرفاً، فإن بعضاً من قصائدها الغنائية اُعتبِر من بين أعظم الأعمال الشعرية في الآداب الهندية. وهي كانت مؤمنة بأنها في حياة سابقة، كانت واحدة من راعيات البقر الشهيرات، وتسمى واحدتهن بـِ “الغوبي”، اللواتي تركنا عائلتهن كي يتبعن “كريشنا” حين كان لايزال راعي بقر وفتى عابثاً في مدينة “فريندافان”.

الحكايات الأشهر من بين الحكايات الكثيرة التي تدور اليوم حول حياة “ميراباي”، هي تلك التي تشير إلى محاولات الاعتداء الثلاث على حياتها، وذلك عقب انتهاجها طريقة العيش المستقلة، لتغدو “سادهو” متجوّلة: الأولى بالسمّ، والثانية من خلال أفعى سامّة خُبئت في سلّة، والثالثة بواسطة سرير من مسامير حديدية ناتئة. وقد نجت منها جميعها، لكنها في النهاية مضت تطوف في شمال غرب الهند ساعيةً وراء إلهها المعشوق، الذي أطلقت عليه أسماء عدة: الإله الخفي، صاحب لون الغراب، غيرادهار أو غيريدهارا، رافع الجبال، ماناموهان، مبدّل القلوب، هاري، الخاطف، وغيرها الكثير. وكما هو واضح، هو إله ممنوح قدرات متنوعة.

ويلاحظ الكاتب وأستاذ علم الأديان في جامعة كولومبيا جان ستراتون هولي في كتابه “أغاني قديسي الهند” بأنه “لاشكّ في أن ميراباي أوقدت الخيال بجسارتها وتحدّيها الشجاع. وهي من ناحية استحقّت التوقير كزوجة روحية لكريشنا، هادئة، متواضعة، ومتفانية، مثلما هو متوقع من كل امرأة أن تكون في علاقتها مع زوجها الإله. ومن ناحية أخرى، استحقّت الاحتفاء بها لكونها شخصاً من النوع الذي يهشّم مظاهر الخضوع والرضا أينما حلّ، وخصوصاً عبر توضيحها لمسألة أن موقع المرأة وفق مفهوم المجتمع، ليس بالضرورة هو الموقع الذي ترغب المرأة في أن تكون فيه. انطلاقاً من هذين المظهرين، ولكونها الوحيدة من بين بنات جيلها لتحظى بمكانة على دورها المتميز كواحدة من قديسي البهاكتي في شمال الهند، فقد مارست نوعاً من السحر، لم يستطع أحد من نظرائها الذكور أن يضاهيها أو يماثلها فيه”.

لاحقاً بعد الشهرة الواسعة التي حققتها الشاعرة، ورغبةً في الإفادة من نفوذها القويّ ومكانتها الروحية في نفوس الناس، تسعى العائلة الحاكمة؛ عائلة زوجها، إلى استرجاع الكنّة المتجوّلة، والذائعة الصيت الآن، فترسل جماعة لتعقّب آثارها، وعندما يهتدي أفرادها إليها، تسألهم السماح لها بقضاء ليلتها الأخيرة في معبد مع تمثال لإلهها المحبوب كريشنا، ولكنها مع طلوع الفجر تختفي نهائياً، غير مخلّفة وراءها سوى ردائها وشَعْرها.

ثمة ترجمات عدة لمجموعة من قصائد ميراباي إلى اللغة الإنكليزية، أهمها تلك الترجمة البديعة التي أنجزها الشاعران الأميركيان الشهيران، روبرت بلاي وجاين هيرشفيلد، وصدرت في كتاب عام 2004. فهما منحا قصائد الشاعرة روحاً طازجة عبر لغة مرنة جذّابة، أشبه بروحها القديمة، عندما غنّتها الشاعرة قبل خمسة قرون، للمرة الأولى. ننقل بعض هذه القصائد إلى العربيّة.

1 – محبوبي يقيم في القلب لا يدخل ولا يغادر

ميراباي
(الهند الشمالية 1498 – 1550)

حقاً إني ذهبتُ إلى السوق

يا صديقي، قد ذهبتُ إلى السوق وابتعتُ الإله الخفي.
أنتَ تزعمُ في الليل،
وأنا أزعمُ في النهار.
في الواقع، كنتُ أقرعُ طبلاً طوال مدة شرائه.
أنتَ تقول، أعطيتُ فيه أكثر مما ينبغي،
وأنا أقول، أقلّ.
في الحقيقة، أنا وضعتُه في ميزانٍ قبل شرائه.
ما دفعتُه كان جسدي الذي أخالطُ به الناس،
جسدي الذي للقرية، جسدي الذي للعائلة،
ومجوهراتي الموروثة كلّها.
ميراباي تقول: الإله الخفي هو زوجي الآن.
لازمْني حين اضطجع؛
أنتَ عاهدتني بهذا في حياةٍ سابقة.

لا ترحل، لا ترحل

لا ترحل، لا ترحل. أخرُّ ساجدة عند قدميك،
فأنا مبذولة لك.
ما من أحد يعرف كيف يهتدي إلى سبيل “البهاكتي”،
أرِني أين أمضي.
أرغب في أن يضحي جسدي
كومةً من بخور ومن خشب الصندل
وأن ترميه بمشعل.
وحال أؤولُ إلى رماد، تمسح بي كتفيكَ وصدرك.
ميرا تقول: أنتَ يا رافع الجبال، فيّ بعضٌ من نور،
أودّ أن أمزجه بنورك.

كل ما كنتُ أفعله هو التنفّس

شيءٌ امتدّ واستحوذ على نور عينيّ.
ثمة صبابة تعتريني إلى جسده،
إلى كل شعرة على جسده الداكن.
كل ما فعلتُه أني تواجدتُ،
و”طاقة الرقص” مرّت بداري.
بدا لافتاً أنّ محيّاه كالقمر،
رأيتُه من خلال صورةٍ جانبية، مبتسماً.
عائلتي تتهدّد: “لا تريه مجدداً قط!”
وتلمّح إلى أمورٍ بصوتٍ خافت.
ولكنْ لعينيَّ حياتهما الخاصة؛
هما تهزآن بالقوانين، وتدركان لمَنْ هي.
أعتقد أني أستطيع تحمّله، أياً يكن رأيكَ فيّ.
ميرا تقول: من دون الطاقة التي ترفع الجبال،
أنّى لي أن أعيش.

لِمَ لا تستطيع ميرا العودة إلى بيتها القديم

قد تغلغلتْ ألوانُ الإله الخفي في جسد ميرا؛
الألوان الأخرى كلها زالت.
ممارسةُ الحبّ مع الإله الخفي، والأكلُ قليلاً،
هما ثروتي من اللؤلؤ والعقيق الأحمر.
سُبحة التأمل، وخطوط الجبين،
هما أوشحتي وخواتمي.
تلك مفاتن أنثوية تكفيني. معلّمي لقّنني هذا.
سواءَ أَثنيْتُم عليّ أم ذمَمتمُوني: فأنا أمجّد مقدرة الجبل ليلَ نهار.
أسلكُ السبيل الذي اتّخذه المريدون قبلي لقرونٍ خلت.
لا أسرقُ المال، لا أتعدّى على أحد.
بماذا ستتّهمونني؟
قد خبرتُ طعمَ الترنّح على كتفَي فيل،
والآن تسألونني أن أمتطي حماراً؟!
حاولوا أن تكونوا جدّيين.

2 – حرارة دموع منتصف الليل

اسمع يا صديقي، هذه الدرب هي تفتحٌ للقلب،
تقبيلٌ لقدميه، انكسارٌ للمقاومة، دموعٌ طوال الليل.
لو كنا نستطيع بلوغ الإله عبر الغطس في المياه،
لكنتُ طلبتُ في هذه الحياة أن أولدَ سمكة.
لو كنا نستطيع بلوغه عبر لا شيء سوى ثمار العليّق
والجوز البرّي،
فإذاً لكان القدّيسون عندما خرجوا من الرَحِم مؤكداً قردة!
لو كنا نستطيع بلوغه بمضغنا لأوراق من الخسّ
وأوراق نباتاتٍ يابسة،
فإذاً لكان الماعز بلا ريب قد بلغ الإله المقدّس قبلنا!
لو كانت عبادة التماثيل الحجر يمكن أن تقطع بنا المسافة كلها،
لكنتُ منذ سنين عبدتُ جبلاً من الصوّان.
ميرا تقول،
حرارة دموع منتصف الليل،
سوف تحملكَ إلى الإله.

3 – قصائد بلا عناوين

مطوِّقةً كاحلَي بالفضّة، رقصتُ.
الناسُ في القرية لقّبوني بالمجنونة.
سوف تُفْسدُ العشيرة، ردّدتْ حماتي.
والأمير أمر لي بكأسٍ من السمّ.
ضحكتُ فيما كنتُ أحتسيه.
ألا يمكنهم أن يروا؟
الجسدُ والعقلُ ليسا شيئين قابلَيْن للخسارة،
فالإله الخفي كان استحوذ عليهما قبلاً.
إله ميرا، في وسعه رفع الجبال،
إنّه ملاذها.

**

أختاه، الإله الخفي محجمٌ عن مخاطبتي.
لِمَ هذا الجسدُ العقيم يواصلُ التنفّس؟
ليلة أخرى ولّت،
وما من أحد رفعَ ردائي.
إنّه محجمٌ عن مخاطبتي.
أعوامٌ مرّت، وما من إيماءة.
كانوا أكّدوا لي
سوف يجيءُ مع مَجيء المطر،
لكنّ البرقَ يخترقُ الغيوم،
الساعةَ تدقُّ حتى طلوع الفجر،
والشعورُ القديمُ بالرعب، يعاودني.
جارية للإله الخفي،
حياةُ ميرا كلّها،
ليلةٌ طويلة من الاشتهاء

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق