حتى متى يكون الأزهر والدين هما المرجعية؟

ما إن يظهر كتاب في سوق النشر وبه بصيص من النور، أو أمل في تنوير عقول القراء، أو كشف لحقائق سوداء، أو هدم لأصنام أمتنا العربية، إلا سارع الأزهر ـ الشريف؟ ـ إلى مصادرة الكتاب ومحاكمة مؤلفه. وتظهر القضايا الجنائية في المحاكم من الأزهر ذاته، باعتباره حامي حمى الإسلام لا صوت يعلو فوق صوته، ولا تفكير يناقضه، ولا عقل يفكر فيما يقول ويدعي. ويبدأ مسلسل التكفير من شيوخه. يرفع المتشنجون أصوات الإرهاب الفكري ضد مؤلف الكتاب, وتتصاعد أصوات دعاة النقل من التراث بدعوى صلاح كل الماضي، وليس في الإبداع أفضل مما هو كائن في كتب الأولين ـ الأكرمين على طول الخط ، والسلف ـ الصالح دائما؟؟!! ـ ولا يجب أن تعرف لماذا؟؟؟

وليس مهماً أن يغيب العقل مع النقل!!!

كتاب الحب والجنس في حياة النبي، كتبته بسنت رشاد، ونُشر عام 2007، ويقع في 181 صفحة.

تداولت الصحف والمواقع الإلكترونية أن هناك طلب “إحاطة” في البرلمان المصري لمنع الكتاب من السوق، وطلبا من الأزهر بمصادرة الكتاب ومحاكمة مؤلفته. وصل الأمر ـ كما قالت بعض الصحف ـ إلى إباحة دم الكاتبة وإهداره في بعض القنوات الفضائية الدينية. هذه الأحداث تدعونا إلى وقفة فكرية مع الكتاب، وما حدث له، وماذا كتبت المؤلفة حتى يمنعه الأزهر، ويطالب المتشنجون بإهدار دم كاتبته؟

{{أولاً: حتى متى يستمر الإرهاب الفكري للأزهر؟}}

فما أن يظهر كتاب فيه ما يتماشى مع العقل، أو يعطي بصيص نور لتفكير أفضل، أو يناقض النقل في سبيل إعطاء فرصة للعقل كي يفكر في ما هو موروث، حتى تجد الأزهر يقف وقفة إرهاب فكري للكاتب والناشر ويصل الأمر إلى المنع والمصادرة، بل وإهدار الدم.

حتى متى يرتفع صوت الأزهر عالياً ضد كل فكر لا يتماشى مع مدرسته أو نقله من التراث، حتى لو كان هذا التراث غير صالح لزماننا أو لا يتناسب مع العقل أو المنطق؟

كم من جهود الإرهاب الفكري بُذلت في السنوات الماضية وما زالت تبذل في سبيل مصادرة وإرهاب مؤلفين “نبشوا” في الماضي واستخرجوا التراث العفن من أجل تطهيره، لتقديم فكر وتفكير راقيين للمجتمع العربي يجعله يفيق من غيبوبته الفكرية والحضارية والعلمية التي تجعلنا في أسفل السافلين؟

نعم قصدت أن هناك كتّابا من المحترمين المستنيرين الذين “ينبشون” في التراث الميت الذي يسير تفكير أمتنا العربية ويغيبه من خلال مشايخنا الأجلاء رجال السلطة وحُماة الكراسي الرئاسية من أجل مزيد من الاحتلال وتبرير الأفعال الضارة والسالبة لمجتمعاتنا. أو تغييب الجماهير العريضة من الشعب العربي عن واقعه المرير الفكري والحضاري.

إن الكُتاب المستنيرين “ينبشون” في هذا التراث العفن الميت، لا لسرقته وإعادة إصداره من أجل مزيد من أموال الملوك والرؤساء، لكن من أجل إحياء العقل العربي الذي استلذ النوم في طين التراث الرجعي، حتى لو تنافى مع العقل.

ألا يستطيع رجال الأزهر ـ الشريف ـ أن يمسكوا أقلامهم التي تطالب بإهدار الدم ومصادرة الحريات ويتناولوا الحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة ويردوا على الأفكار بأفكار بدلاً من رفع سلاح الإرهاب الفكري، وهو الخطوة الأولى في الإرهاب الجسدي كما حدث مع فرج فودة ونجيب محفوظ؟

وقد يحدث من الإرهابيين الفكريين أن يقوموا بمطاردة الكُتاب والمفكرين والمصلحين حتى يخرجوا من البلاد مثل ما حدث أخيراً مع نوال السعداوي، ونصر حامد أبو زيد، وأحمد صبحي منصور، وغيرهم الكثير الذين فضحوا التفكير المعتمد على النقل حتى لو تعارض مع العقل.

{{ثانياً: أين حق المؤلف في الدفاع عن نفسه؟ وأين حرية التعبير عن الرأي؟}}

مثلما خرج كتاب “الحب والجنس في حياة النبي” للنور أول مرة، وبعدها انهالت عليه دعاوى التكفير والإرهاب الفكري من الشيوخ سواء كانوا قرؤوه أو لم يقرؤوه. هكذا كانت الدعاوى السابقة لتكفير أصحاب الكتب التي تنير العقول الفاسدة وإرهابهم، وأصحاب الدعاوى لا يعرفون عن أي كتاب سوى عنوانه، أو اسم كاتبه، وينهالون على المؤلف والكتاب بالتكفير والتقريع واتهامات الخروج عن العقيدة وازدراء الدين.

إن الإله الحي الخالق القوي حين يعرض علينا تعاليمه ومبادئه، مع إعطائنا عقلا ناضجا وحرية اختيار هو وحده لا شريك له في المُلك والعظمة والسلطان يستطيع أن يهدي مَن يشاء الهداية، ويُعطي فرصة التوبة لمَن يشاء.

إن اتهامات الخروج عن العقيدة وازدراء الدين تجعل الإنسان العاقل يفكر: هل الدين ـ أي دين ـ يحتاج إلى إرهاب فكري حتى يتبعه أتباعه!

ألا يُسمى هذا الإرهاب الفكري العبادة بالرعب؟

ويصبح الله وقتها كأنه عاجز عن الدفاع عن مبادئه وتعاليمه، والدين وقتها يحتاج إلى إرهاب فكري حتى يتبعه أتباعه.

{{ثالثاً: المؤلف أنثى!}}

وتستمر الفتاوى والأحكام الهادرة للدم والمانعة لحياة مؤلف الكتاب.

آه يا عزيزي القارئ، لو كان المؤلف أنثى وقتها تنهال دعاوى نقص عقلها ونقص دينها، وكيف تكون تلك السيدة داعية للحق وهي لا ترقى إلى أن تكون ولية أمر أو إماما لتشبهها بالحمار أو الكلب، ولأنها ربما كانت من أهل النار، لأن أكثرهن من أهل النار، فكيف تفكر وعقلها ناقص فشهادتها بنصف شهادة رجل؟

وهكذا استمر خروج الفتاوى والأحكام الهادرة للدم والمانعة لحياة مؤلفة الكتاب بدون إعطائها فرصة لمجابهة الفكرة بالفكرة والرأي بالرأي.

إننا نعيش في مجتمع أحادي الرأي، وأحادي الفكرة، كما هو أحادي السلطة وسلطة الواحد الأحد الذي لا شريك له في المُلك ولا شريك له في التفكير واتخاذ القرار للرعية المغيبة عديمة الأهلية. وللحفاظ على سلطة الفرد الأحد، لا يُسمح لمكان تفكير يتفق مع العقل والعلم يخرج بنا من قاع التخلف والجهل والظلام الفكري والعلمي والاجتماعي والحضاري الذي نعيش فيه.

{{رابعاً: حتى متى يكون الأزهر والدين هو المرجعية لكل مناحي الحياة الاجتماعية والعلمية، وحتى الجنسية؟}}

إن سبب تخلفنا الحضاري عن جميع دول العالم النامية والمتقدمة أن الدين والمؤسسات الدينية هي مرجعية كل عمل أو فكر لا علاقة له بالدين، بداية من جميع فروع الطب والهندسة، ونهاية بالعلاقة الزوجية بين الرجل وزوجته كعلاقة شخصية اجتماعية تتم في كل بلاد العالم ويمارسها كل البشر باختلاف أجناسهم ودياناتهم. إن شيوخنا ـ الأفاضل؟ ـ يستمتعون بإصدار الفتاوى الجنسية الخاصة بالنكاح وما قبله وما بعده، وكيف يتم في إطار الدين، وما هي الأدعية والصلوات التي نقولها قبل النكاح وبعد، والعوامل المساعدة له من أحاديث السلف ـ الصالح جدا ـ باعتبارهم كانوا خير أمة أخرجت للعالم تهتم بأمور الجنس والنكاح ومسمياته ولا هَمّ لهذه الأمة إلا الفتحات السفلية من أجساد النسوان.

وتستفيض كتب الفتاوى الدينية وشرحها من العلماء والمتخصصين في فتاوى الجنس والنكاح على الهواء. وهكذا نكون خير أمة ضحكت من نكاحها الأمم المتقدمة التي تتسلى بمشاهدتنا كأمة من القرود المسلسلة(المقيدة بسلاسل حديدية) في حديقة الحيوان.

وتتواصل فتاوى الجنس على الهواء مباشرة عن طريق إجابة أسئلة عن العملية الجنسية بكل ما تحمله من احتمالات ومع افتراضات وهمية ومحاورات جدلية قد لا تكون إلا في العقل الباطن لقائليها من المفسرين المرضى وشيوخ فتاوى الجنس العراة من أي أخلاق حميدة.

حتى متى نعمل على تغييب العقل العربي وراء النقل من كتب التراث؟

حتى متى نقدس أحاديث وأفعالا جنسية وننسبها إلى لأنبياء الأولين، ولو تنافت مع العقل والمنطق والعلم؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق