هل انتصر بابا الفاتيكان على ديكارت؟

1-
اهتمام الإنسان القديم بالماورائيات أكثر من اهتمامه بالمحسوسات و الطبيعة، بل إن الأولى هي التفسير و المدخل إلى الثانية في الآلية البنيوية للمعتقدات الدينية القديمة: و هذا ما نجده في الأفكار التوحيدية و التجزيئية القديمة، والأمر الذي يحدد هذه أو تلك، هو الإقرار بالترابطية العلائقية بين هذين الحدين، العلوي و السفلي، مما يجعل التوحيد أو التركيب محددا للطريق إلى الأعلى عبر تسلسلية تدرجية تبدأ من الجسد و الطبيعة، بينما التجزيئية تقوم على قفزة باتجاه السماء عبر القوى الداخلية في الإنسان، قفزة تقوم على تجاهل الطبيعة، أي إنها باتجاه الفراغ وبواسطته و عبره، لذلك فمحصلتها العملية   هي  التلاشي و لا  شيئية  الإنسان  :  أي إنها لا ترى ( الضرورة )  طريقا  إلى (الحرية ), و بالتالي فهي لا تقر بالطبيعة ممرّا إلى (الفردوس ) ، بعكس التركيبية .

 إن هناك توقاً قديماً لدى الإنسان إلى المطلق، للإتحاد به و فيه، و هذا التوق لا يمكن تفسير أصله بالمحيط الخارجي للإنسان ، أي بالطبيعة و المجتمع فقط ، وإنما يجب التأكيد على أن أساسه هو في البنية الداخلية والعضوية للإنسان ، بينما المحيط الخارجي يقدم له المحركات . و ربما يعود هذا إلى أن ما قبل التعضي كانت فيه وحدة، تمثل مطلقية الوجود، و أن الدخول في التعضي، أي نشوء ثنائية ( العضوية – الطبيعة )، كان يعني فقدان المطلق، و بالتالي تجزؤ التركيب البدئي،أي الدخول في اغتراب الذات عن الموضوع . و مع نشوء الوعي الذي أتى كنتيجة للفعالية الغائية التي مثّلها العمل   حصل وعي لهذا الانفصال عن ( الكتلة ) التي تمثلها الطبيعة بالنسبة للإنسان، و في الوقت نفسه، كانت القوى العضوية في بنية الإنسان تدفع به إلى تجاوز هذا الانفصال، والعودة إلى الوحدة السابقة، و التي   أدى امتلاك  الإنسان للوعي إلى جعله مدركا لذلك( الفقدان ) الذي مثلته عملية الدخول في الطبيعة.

 وهذا ما يفسر أن الدين البدائي كان تعبيرا عن عبادة ظواهر الطبيعة، أي محاولة للتوحد معها، عبر إيجاد علاقة معها تمثلها العبادة التي تعني نوعا من تماهٍ ( ما ) مع موضوعها، كما أدى تطور الوعي ، الناتج عن تقدم وسائل العمل ، إلى وضع كائنات في موضع التمثيل لتلك المظاهر ، وصولا إلى مفهوم الكائن الواحد الممثل لظاهرات الطبيعة و الكون ، حيث عبر الشكل الأخير ،

وهو التوحيد أو التركيب ، عن وصول الحضارة إلى مرحلة متقدمة من سيطرة الإنسان على الطبيعة ، و في الوقت نفسه ، هو ، أيضا ، تعبير عن طموح إلى مزيد من هذه السيطرة ، و التي تعني ، في النهاية ، سلب خارجية الطبيعة و تحويلها إلى دواخل الذات الواعية و لمصلحتها : إن اكتمال العضوية الإنسانية،   المسلحة بالوعي ، وتحقق سيطرتها على الطبيعة يعني تجاوز تلك الثنائية ، و امتلاك تلك الوحدة الأولية التي انبثقت الثنائية منها ، و الوصول إلى التركيب الموحد للذات والموضوع..

2-                                       

لم تخرج الأديان عن تلك الآلية المعرفية التي وجدت في الدين البدائي: تفسير الكون بدءاً من كائن علوي مثَل لحظة البدء وفعل الخلق والتكوين. وما كانت الفلسفات القديمة خارجة عن ذلك:الانطلاق من مبدأ مفارق وغير مندمج بالطبيعة كان هو المحرك والمنظم للأخيرة التي هي في حالة فوضى وعطالة بنيوية(مفهوم العقل الكلي(nous)عند انكساغوراس)، الشيء الذي نرى وظيفية مماثلة له في مبدأ(المُثل )الأفلاطوني من حيث علاقته بالعالم الحسي،بينما نجد أرسطو يضع (المحرك الأول)كمبدأ مفارق للكون ومتعال قام بخلق العالم ثم تركه لقوانينه ونواظمه الذاتية،لتأتي الأفلاطونية الحديثة لتقول بأن(المتعالي)هو المبدأ الأول للعالم إلا أنه لم يخلقه بل قام بذلك توسطه الذي هو(الإله الصانع).

 

 3-

قام ديكارت(1596-1650) بقلب التفكير الديني والفلسفي القديم، حيث كانت الإلهيات، وما وراء الطبيعة، هي المنطلقات والمبادىء المعرفية الناظمة والمحددة للأفكار والتصورات حول الطبيعة، والإنسان، والمجتمع، والدولة:لقد وضع الكوجيتو الديكارتي(=أنا أفكر، إذاً أنا موجود)الإنسان في مركز الفعالية الكونية، وجعل كل ما هو خارجي بالنسبة لذاته، بما فيه الله والماورائيات، مجرد موضوعات لذاته.

إن هذا وإن قاد ديكارت إلى انطلاق من تلك الذات العارفة إلى محاولة إثبات عقلي للمقولات الميتافيزيقية عنده، إلا أنه عملياً قد فتح طريقاً فلسفياً جديداً مهده جون لوك(1632-1704) الذي أسس بنية فلسفية جديدة أنهت حالة التماثل في الهوية بين العقل والمطلق، التي تشكل أساس إمكانية المعرفة الميتافيزيقية من قبل العقل الإنساني للمواضيع الماوراء طبيعية بما فيها الله في البنى الفلسفية والدينية السابقة،ليبين بأن العقل الإنساني ذو طابع حسي ومتحدد بالطبيعة،ليقلب المعادلة القديمة-الدينية والفلسفية- بأن هناك انفصالاً بين الفعلين العقلي والحسي.

هذا قاد إلى ثورة فلسفية، امتدت من نقد ديفيد هيوم(1711- 1776  )لمبدأ العلة الأرسطي، الذي انبنت عليه كل الأدلة اللاهوتية والفلسفية القديمة لإثبات وجود الله، لتصل إلى ذروتها مع فصل عمانوئيل كانط(1724-1804 )بين(الظاهرة)و(الجوهر)، حيث أثبت في كتاب”نقد العقل المحض”1781أن الذات العارفة تتصور الموضوع من خلال صورتها وبناها الذاتية ذات الطابع الحسي المحض، وتشكله على صورتها، ولذلك فهما-أي الذات والموضوع- ضمن دائرة الحس، بشكل محدد تماماً، وبالتالي فلا يمكن للذات أن تثبت الموضوعات الميتافيزيقية، ولكن يمكن أن تبنيها:هذا أدى إلى تحطيم معرفي لكافة الأدلة المستخدمة، منذ أرسطو، لإثبات وجود الله، وإلى جعل الدين محصوراً في الغرب عملياً في إطار الشعور الأخلاقي الفردي، وإلى تعايش الدين والإلحاد واللاأدرية خلال القرنين الماضيين.

 4  –

كان هذا مدخلاً إلى نشوء الفلسفة الوضعية مع أوغست كونت(1798- 1857) وقد كانت الإطار الفلسفي لليمين السياسي بفرعيه الراديكالي والليبرالي، كما كان ذلك مشكلاً للجذر الفلسفي للمادية بأشكالها السابقة للماركسية، وأيضاً للماركسية ذاتها.

يلاحظ الآن مع المحافظين الجدد (الذين مزجوا فلسفة ليو شتراوس مع الليبرالية مستبعدين النزعة الوضعية الفلسفية لمؤسس الليبرالية جون ستيوارت ميل1806- 1873)اتجاهاً عندهم- وهم المسيطرون فكرياً على الإدارة الأميركية الحالية- إلى استرجاع فلسفي لأفكار لاهوتية- فلسفية سابقة ومناقضة للديكارتية أو كانت معادية للمسار الذي اختطته، مثل  تلك التي كانت عند شيلنغ1775-1854وشلايرماخر1768-1834اللذين عبرا عن مسار فلسفي مسيحي لاهوتي كان نقيضاً لتراث ديكارت ومرحلة عصر الأنوار.بالمقابل لم تعد الماركسية قوية على الصعيد الفلسفي مثلما كانت في فترة صعودها السياسي.

بالتوازي مع ذلك، بدأت الكنيسة، بفرعيها الكاثوليكي والبروتستانتي، تستعيد قوتها السياسية والاجتماعية والثقافية في الغرب منذ الربع الأخير من القرن العشرين، وكانت مساهماً كبيراً في هزيمة الكتلة السوفيتية.

في هذا السياق، شن بابا الفاتيكان، الخريف الماضي، هجوماً على الأيديولوجيات التي سادت في القرنين الماضيين والتي”كانت تأمل في إشاعة العدل في عالم جائر دون الإشارة إلى الله………لأن العالم الذي يصنع عدالته الخاصة به هو عالم من دون أمل……..” معتبراً أن “المادية كانت تعتمد بشكل أساسي على المنطق، لكنها قدمت رأياً ناقصاً حول الوجود ولم تجد الحلول الملائمة للمشاكل التي تعانيها الإنسانية، ولذلك كان التقدم الذي أحرزته ملتبساً”.

يسود هذا الرأي الفلسفي الآن أوساط اليمين السياسي الغربي، بعد تنحية أوغست كونت جانباً، فيما يعيش اليسار الماركسي حالة انحسار وضعف على الصعيد المعرفي والفلسفي في فترة ما بعد سقوط موسكو.

 السؤال الآن:هل تمت هزيمة ديكارت هناك، كما ينتصر الآن في الشرق العربي- المسلم، معرفياً، سيد قطب، وفي الهند أفكار الأصولية الهندوسية على غاندي ونهرو؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This