يا له من..

ياله من صباح !

ماذا يمكن أن تفعل، حين تستيقظ من النوم ، وقد ألقى أحدهم عليك كتلة من الضوء واللونين الأصفر والأزرق؟ كيف يمكنك أن تستقبل يومك هذا ؟ إذا لم تكن قد عرفت هذا الإحساس بعد ، فإليك ما قد تشعر به ، وما شعرت به هذا الصباح ، بعد أن استيقظت وقد ألقي علي بكتلة من الضوء معجونة بالأصفر والأزرق.

تشعر أنك محاط بطاقة من الدفء الداخلي ، مهما كان الجو باردا ، وأنّ ثمة ربيعا يتفتح بداخلك ، رغم أن الشتاء يحيط بكل الأشياء ، وأنك تستدعي الشمس ، فتظهر ، كما قال كازنتزاكي ” قلت لشجرة اللوز ، حدثيني يا أخت عن الله ، فأزهرت شجرة اللوز … ” ، أنت لست كازنتزاكي ، إلا أن الربيع المشع بقوة من داخلك ، يستدعي الشمس ، فتأتي .

تشعر وكأنك ترقص على أرض شفافة من ضوء ، أو أنك تسير على شعاع ذهبي اللون ، ومختلط بشيء من الأزرق . تتحول إلى ساحر للأشياء … يذوب العالم من حولك ، بحزنه ، وضبابه ، بسواده ، وكآبته ، وينفجر الأصفر في المكان ، ليصنع فرحا لا يمكن أن يخلقه سوى مبدع هذا الأصفر . تشعر بالفرح ، مع أنه لم يقل لك أحد أنه يحبك ، ولم يأخذك أحد بين ذراعيه ، ولم تتلق ” شيكا ” تنتظره ، ولا حتى ورقة يانصيب غير منتظرة ، إلا أن خالط الأصفر بالأزرق ، عاجنه بهذا الضوء الغامض ، يستطيع النفاذ إلى روحك المغلقة منذ سنوات ، والمغلفة بأحزان صدئة ، لا علاج لها . إلا أنه صانع هذا الجمال ، الجمال الذي يجعل الدموع تقفز من مقلتيك ، فلا تعرف كيف أنك سعيد ، ولكنك تشتهي البكاء .

يتحول البكاء إلى رغبة ، فهو لم يعد رمزا للحزن ، بل رغبة لمزيد من الحزن الطاهر ، الجمال الذي قال فيه ريلكه ” إن الجمال ما هو إلا بداية الرعب الذي مازلنا بالكاد قادرين على تحمله مبهوتين ” .

تقف الدمعة مبهوتة على خدك ، ويحاول عقلك أن يتدخل ، إلا أن لا وصف لذلك ، إنه الإبداع ، العالم العصي على الوصف ، العالم الذي يتسلل إلى أرواحنا ، بلمسة سريعة ، كما لو أن عصا سحرية ، لساحرة مارقة ، تمسنا وتهرع إلى البعيد ، تاركة أرواحنا تفيض فرحا وحزنا معا …

إن هذا الصباح المتميز ، يستحق منا ، إن كنا نحلم أن نعيش هكذا اختلاطات ، أن نفتش ولو قليلا ، ونبحث عن أعمال هذا الصائغ للألوان ، الساحر الذي رحل منذ سنوات ، وتشرد بين الفقر والبحث عن الضوء ، ترك لنا ألوانه المضيئة ، والكثير منها المعتمة ، ولكني أنصح ، من تجربتي مع هذا الفرح الراقي ، أن يبدأ كل منا ، بوضع هذا الأصفر والأزرق ، في مكان ما أمام أعيننا ، في صباح ما ، لنبدأ رحلة استدعاء الشمس رغم الضباب ، وقد نقول معا ” قلت لفان كوخ ، حدثني يا أخي عن الصباح ، فأشرقت الشمس من ألوانه ، واحتلت صدر السماء ” .

ياله من رسام !

” إن هدف حياتي ، هو اختراع أكبر قدر ممكن من اللوحات والرسومات ، أتمنى ، وأنا أغادر ، في أواخر حياتي ، ناظرا خلفي بحب وحنان نادم ، مفكرا : ياه ، ياله من رسام ذلك الذي يمكنني أن أكونه “

هذه هي العبارات التي كتبها فانسنت فان كوخ لأخيه في إحدى رسائله ، تلك الرسائل التي اعتبرت بمثابة بيوغرافيا فان كوخ .

فانسنت ، كما اعتاد أن يوقع لوحاته ، لا باسم العائلة ، بل باسمه الشخصي أو الصغير ، عاش حياة سريعة وثرية جدا . كان ممتلئا بطاقات جنية ، كما لو أن جنيا يسكن جسده ، وتنقل من مكان لآخر باحثا عن مجده ، ورسم في خمس سنوات فقط ما يقارب 800 لوحة .

وصل فان كوخ إلى فرنسا عام 1886 ، وحط بداية في باريس ، ثم انتقل بعد عامين فقط إلى آرل . ثم انتقل مجدا إلى سان ريمي دو بروفانس وأخيرا في أوفير سورواز ، حيث أنهى حياته .

تختلف مشاهدة لوحاته ، ما بين مشاهدتها في أي مكان ، عما هو عليه الأمر ، حين تتم هذه المشاهدة في متحفه في أمستردام ، تشعر أن عالم فان كوخ يشع بقوة من كل مكان، وأن روحه تشع هنا ، من نقطة ما .

إن لجنونه ومثابرته وولعه بفنه حدودا لا تتوقف، فهو لم يكتف برسم اللوحة للمرة الواحدة، بل راح يرسم اللوحة ذاتها، من وجهة نظر أخرى، وراح يستلهم لوحات سابقيه، في لوحات جديدة، بريشته ، وبمواضيعهم .

روحه التواقة إلى الضوء والحرية ، لم تحتمل الشتاءات الباريسية ، كان ثمة ضوء قوي يشع من روحه الحزينة والنزقة ، كحال معظم الفنانين الحقيقيين .

أجمل ما قد تقدمه زيارة فان كوخ في متحفه، هو موت الزمن، لا تشعر أن ثمة سنوات تفصلك عنه، بل تشعر بأنه لا يزال هنا، قويا ومعاصرا. حيث ألوانه لا تعرف الفناء، وأضواؤه تتحدى الموت. إنه خالد هنا ، في أمستردام حيث متحفه ، وفي فرنسا ، حيث ضريحه ، إنه حي لا يموت … طالما ثمة شمس تشرق من هذه الألوان .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This