قراءة نقدية في كتاب هشام جعيط : السيرة النبوية / الوحي و القرآن و النبوة (2/2)

كما أن الجزيرة العربية لم تكن خالية من الديانتين التوحيديتين المنتشرتين في ذلك الحين، و نعني بذلك وجود عدد غير قليل من اليهود و المسيحيين العرب، و من بينهم ورقة بن نوفل قريب خديجة بنت خويلد أولى زوجات محمد.  و بخصوص الأنبياء فقد ظهر العديد منهم في الجزيرة و الحجاز ومن بينهم مسيلمة المشهور اسلاميا بالكذاب ، و النبية سجاح التميمية ، والنبي خالد الذي تقول بعض الروايات أن محمدا قد استقبل ابنته  و قال للجمع الذي حوله أثناء ذلك ” هذه ابنة نبي ضيّعة قومه” وفي ذلك كتب جواد علي قائلا:  ” و ذكر أهل الأخبار أن ابنة له قدمت على النبي (محمد ) فبسط لها رداءه و قال :  هذه ابنة نبي ضيّعة قومه و ذكر أنها لما سمعت سورة الإخلاص، قالت كان أبى يتلو هذه السورة” .[1]

و عندما يعرض هشام جعيط ” للشيطان ” يتحدث عنه كما لو كان قد رآه يقول: ” القرآن يذكر الشياطين بكثرة و هم فعلا متكاثرون “[2] .  و عند الحديث عن العرب يرجح في موضع من كتابه أنهم لم يعرفوا الشيطان في ثقافتهم، و في موضع آخر يقول العكس، لنتأمل هذين الموقفين المتضادين ، الموقف الأول يعبر عنه المؤلف بقوله : ” من جهة ، العرب ، الأرجح أنهم في ثقافتهم الأصلية لم يكونوا يعرفون الشيطان أو الشياطين وهي من حزب إبليس أو من ذريته و إنما يعرفون الجنّ فقط”[3]  الموقـف الثـاني فحواه ما يلي : ” نحن نعلم بوجود الهاتف لدى الأعراب ووجود التابع و إن للشاعر شيطانه “[4] ، وهو بذلك يشير إلى ما ألمح إليه العديد من الباحثين و من بينهم حسين مروة الذي يقول : ” نلحظ في مثيولوجيا الجاهلية العربية سمة بارزة هي الطبيعة الحسية التي يخلعونها على المعاني، أي على غير الحسية فهم لكي يعبروا مثلا عن معنى الإلهام الشعري يصورونه بصورة كائن حسي مشخص، و يسمونه شيطانا و يضفون على هذا الشيطان خصائص البشر الحسية المرئية والملموسة و المسموعة “[5]

يورد جعيّط بعض الآيات من سورة النجّم وهي تلك التي تشير إلى اللقاء بين جبريل ومحمّد ، ويسكت عن مسألة الآيات الشيطانية المثيرة للجدل والتي ترى المصادر الإخبارية القديمة أن سورة النجّم قد تضمنتها قبل أن يتمّ حذفها من النصّ القرآني، فوفق رواية الطبري مثلا فإنّ محمّدا لما كان يتلو سورة النجّم ووصل إلى الآيات التالية :  ” أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى ” ألقى الشيطان على لسانه ما يلي:   ” تلك الغرانيق العلا وإنّ شفاعتهن لترتجى “[6]

والمعروف أن سورة الحجّ قد تضمنت تأكيدا لهذه الحادثة وأرجحت إيّاه إلى تدّخل الشيطان وإيقاعه الرسل في الخطأ وقد وردت فيها الآيات التالية : ” وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ إلاّ إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ اللّه ما يلقى الشيطان ثم يحكم اللّه آياته واللّه عليم حكيم “.

والسؤال هو لماذا سكت  عن هذه المسألة رغم أنها تقع موقع القلب من البحث الذي قدمه لنا ؟. إنّ الردّ على أسئلة من قبيل: هل يمكن للوحي أن يخالطه كلام مصدره غير إلهي بل وشيطاني هام دونما شكّ ، كما أنّ البحث في موضوع الآيات الشيطانية من زاوية غير تلك التي قدمها لنا النصّ المقدس يفرض ذاته على الباحث، فإذا كانت لمحمّد مثلا أمنية استغلها الشيطان فنفذ من خلالها وأدخل على الوحي الإلهي تحويرا، فما هي تلك الأمنية ؟

هل يكفي النصّ وحده للوقوف على هذه المسألة التي تحصّن جعيّط إزاءها بالصمت،  أم إن استنطاقه ينبغي أن يذهب إلى أبعد من ذلك أي إلى الأسباب السياسية والاجتماعية والنفسية الخ… التي حفّت بتشكله، وقد يكون من المفيد هنا العودة إلى ما كتبه حسن حنفي بهذا الخصوص حيث يكشف عن جانب من تلك الأسباب بقوله ” وما ورد بخصوص الآيات الشيطانية صحيح. ومن بين أسباب النـزول هو أنّ النبيّ محمّدا كان يحمل همّ الوحدة الوطنية للقبائل العربية وتكوين دولة في الجزيرة العربية، وكانت له مشاكل مع اليهود ومع النصارى (مع اليهود بصورة خاصة) ومع المشركين أيضا. فجاء المشركون إليه بعرض جيّد – وأنا أتكلم عن الرسول كرجل سياسي وليس كنبيّ – وقالوا له : نعم أيّها الأخ ما المانع أن تذكر ” اللاّت والعزّى ” لمدّة سنة واحدة وقل إنهم ليسوا بآلهة ولكن لهم دور في الشفاعة عند اللّه، وهكذا نأتي معك ونعمل ما تشاء من تغيير النظام في الجزيرة العربية . وكان هوى الرسول مع هذا العرض ، لأنه يحلّ له قضية المشركين وتقسيم العائلة والأسرة والعشيرة إلى فريقين . فقال بينه وبين نفسه : إنّ هذا العرض يشكل بالنسبة لي كزعيم سياسي شيئا جديدا لأنه يحقق لي مصالحة مؤقتة مع العدو. وماذا يعني لو أنني ذكرت اللاّت والعزّى لمدّة سنة واحدة ثمّ أغيّر بعدئذ ؟ ثمّ إنّ الوحي يتغيّر طبقا للظروف “[7]،  وبذلك يكشف حنفي عما سكت عنه جعيّط.

حري إذن  أن يدرس الوحي في علاقة بمثل تلك الأماني التي لا يمكن فهمها بمعزل عن اللحظة الاجتماعية السياسية التي كان يمرّ بها مجتمع شبه الجزيرة العربية ، فشؤون الناس اليومية وتفاصيل حياتهم الأكثر جزئية بل وبعض كلامهم نجده في عدد غير قليل من الحالات منعكسا في الوحي ذاته ، وهذا ما أسهب في الإشارة إليه حسن حنفي أيضا  بقوله ” بعض الآيات مقتبسة من أقوال الرسول في نشأتها وسبب نزولها فعندما قال الرسول ” دثروني ”  ” دثروني ” نزلت : ” يا أيّها المدّثر ” وعندما قال :   ” زمّلوني ” “زمّلوني ” نزلت : ” يا أيها المزّمل ” وبعد نزول آية ” وإن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يحاسبكم به اللّه ” ضجّ المسلمون فطلب الرسول : قولوا سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربّنا وإليك المصير فتحولت إلى آية : ” وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير ” [8]

وقد كان ذلك من بين أسباب عديدة أخرى دافعا للتشكيك في وجود مصدر إلهي للوحي من قبل بعض الصحابة ، إذ ” يروى أن عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح تكلّم بالإسلام فدعاه الرسول يكتب له فلمّا نزلت ” ولقد خلقنا الإنسان من طين ” ثمّ أنشأناه خلقا آخر ” عجب عبد اللّه من تفصيل خلق الإنسان فقال : تبارك اللّه أحسن الخالقين، فقال الرسول: هكذا أنزلت عليّ عندئذ شكّ عبد اللّه وقال : لئن كان محمّد صادقا لقد أوحى اللّه إليّ كما أوحى إليه، ولئن كان كاذبا لقلت كما قال ، وإرتدّ وفيه نزلت ” ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه ” [9] .

وبالعودة إلى موضوع الآيات الشيطانية فإنّه إذا عرفنا ” أنّ مدّة من الزمن تبلغ حوالي العشر سنوات تفصل بين حديث الغرانيق والآية المدنية في سورة الحجّ التي تشير إلى إلغائه “[10]، أدركنا فعلا أهمية فهم النصّ المقدس في علاقة بـمحدّداته المتخلفة وإلاّ فإنّ ذلك النصّ سوف يظلّ ملغزّا وغير قابل أصلا لأي فهم، وهذا ما توقعنا فيه القراءة موضوع حديثنا، التي فصلت ذلك النصّ عن سياقاته ومقاصده.

و إذا  كان جعيط يتخذ في بعض الحالات مواقف قطعية توكيدية[11]  فإنه في حالات أخرى يتخذ مواقف لا عرفانية ريبية تشككية، فقد أكدّ مرارا في كتابه أن القرآن واضح جلي يكفي أن نقرأه كي ندرك معانيه ،غير أنه عندما تطرق لبعض المشكلات التي تضمنها النص القرآني تحصن باللاعرفانية ، فهو يقول متحدثا عن الوحي ” إنما يذكر القرآن فقط أن محمدا يحرك شفتيه  لحفظ ما أنزل عليه ( لا تحرك لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه و قرآنه ) هل المقصود بالحفظ رسمه في الذاكرة ؟ فتكون الآية هنا متعارضة مع آية أخرى (سنقرئك فلا تنسى) و ما معنى قرآنه ؟ هل الله عن طريق الروح هو الذي يوجه التلاوة ؟ و كذلك عندما يتطرق النص المقدس إلى ما يضعه الشيطان على لسان أي نبي  ( و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ماذا يكون يعني هذا سوى أن لحظة الوحي و لحظة القرآن ليستا تماما منفصلتين، و أن ثمة إشكالا و غموضا لم يخل منهما أي دين “[12]

و هذا الغموض غير قابل برايه للتفكيك و التحليل و بالتالي الفهم ، فكل ما ينبغي قوله إزاءه هو أننا نعجز عن إدراك أسراره، يقول : ” و ليس بالطبع للعلم الموضوعي و لا للفلسفة قول في هذا المجال، و لا معنى لأي فزيائي أن يقرر أن الأنبياء لم يروا الله أو لم يحصل لهم تجل ما، و ليس للفيلسوف أن يفسر عقليا هذه الظواهر كما حاول ذلك مسكويه في الفوز الأصغر و ليس حتى للعالم النفساني قول حصيف في هذا الميدان و لا يحق ذلك للمؤرخ طبعا”.[13]

لا الحل إذن غير التسليم  و القبول، أي إن لا عرفانية جعيط تخلي السبيل في هذا المجال إلى الإيمانية، إنها التضحية بالمعرفة على عتبة الإيمان كما يقول فريدريك أنجلس. و من ثمة ينصح المؤلف العلماء والفلاسفة بمحبة الأديان بل انه يرفع نصائحه إلى مستوى الأوامر قائلا:  ” من ينظر اليوم إلى الأديان الماضية و الحاضرة من أهل العلم و الحكمة و حتى سلامة العقل ينظر إليها بمحبة و تقدير و يجب عليه ذلك”[14] والويل والثبور لمن لا يلتزم بهذه الأوامر !هل نحن أمام خطاب علمي أم أمام خطاب لاهوتي إيماني مشحون بصيغ أمرية زجرية ؟ .

إن أحكام السيد جعيط الوثوقية حينا ، و اللاعرفانية أحيانا أخرى،  تعبر عن أزمة مستفحلة أضحت تهز كيان عدد من المثقفين العرب الذين يعانون حالة ضياع حقيقية، في عالم يغرق أكثر فأكثر في الهمجية ، المقترنة بإهدار كرامة البشر أفرادا و أمما و أوطانا،  إنه القلق على المصير و على الهوية، على المستقبل و الماضي كذلك، فيبحث هؤلاء عن حصن يحتمون به ، و بعضهم يصيح إن ذلك الحصـن هـو الإيمـان فـ”المسألة ذات أهمية قصوى و تخص أنسنة الإنسان و تخليصه من القلق”[15] ، و لكنه إيمان خاو رجراج سرعان ما يكشف عن قصوره ” فالقلق ” يظل ينيخ بكلكله رغم كل شيء،  و الحل يبدو بعيد المنال و لا ضوء في النفق،  لذلك نرى جعيط ذاته يكتب نافيا ما سبق تأكيده قائلا : ” مع أن الأديان لم تخلصه [الإنسان] من آفاته، و أدخلت عليه أيضا عنصر الرهبة “[16]

إنـه خطـاب مشـوب بالتردد و التلعثم لا يكاد يضع قدميه على أرض حتى يغادرها ممارسا ترحاله الأبدي في بيداء مقفرة. و هذا الخطاب هو فعلا ابن اللحظة الراهنة التي لم يفصح فيها الواقع بعيد عن اتجاهات سيره القادمة ، فالسيد جعيط “يربط في موضع و يحل في موضع آخر”[17]  بحسب تعبير الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل.

[1]  جواد علي ، الـمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج  6   ، دار العلم للملايين/ بيروت، ومكتبة النهضة /بغداد 1970، ، ص 84

[2]  جعيط ، القرآن والوحي والنبوة، م س، ص 88

[3]  م ن، ص 88

[4]  م ن، ص 89

[5]  حسين مروة ، النزاعات المادية في الإسلام، م س، ص 288

[6] أنظر ، تاريخ الطبري ج 2، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ،  دار المعارف،  القاهرة 1961 ، ص ص ، 338 – 340

[7] حسن حنفي ، ندوة مواقف ، الإسلام والحداثة ، دار الساقي ، الطبقة الأولى ، لندن 1990

[8] م ن، ص 157

[9] م ن، ص ن

[10] صادق جلال العظم : ذهنيّة التحريم ، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي ، الطبعة الثانية ، نيقوسيا ، قبرص

1994، ص 182

[11]  من بين هذه المواقف قوله في الصفحة 98 من كتابه الوحي والقرآن والنبوة ما يلي : “فظاهرة الوحي التي لم ينكرها أحد من الفلاسفة والعلماء” ولا نرى أننا في حاجة لكي نعدد أسماء الفلاسفة والعلماء الذين لم ينكروا الوحي فقط وإنما المقدسات جميعها، والذين لم يخل منهم أي عصر.

[12]  جعيط ، الوحي والقرآن والنبوة، م س، ص 92

[13]  م ن، ص ن

[14]  م ن، ص 93

[15]  م ن، ص 93

[16]  م ن، ص 94

[17]  ابن طفيل، حي بن يقظان، تحقيق فاروق سعد، الدار العربية للكتاب، الطبعة الرابعة، تونس 1983، ص 113


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق