هل التعصّب ضرورة فكريّة؟

يبدو أننا لن نجد فكرة ما متداولة مع أقرانها في إطار التفاهم الاجتماعي بدون مفكر خرجت هذه الفكرة من عقله وشقت طريقها اللغوي إلى ميدان الكلام والتفاهم والعلاقات الاجتماعية، وباعتبار أن للفكرة (بماهي منتج العقل)، مفكرا (منتجا)، فهو بالضرورة مالكها، ويتصرف بها كيفما يشاء، عبر الكلام والكتابة وشتى أشكال تبادل وتجاذب الأفكار،وتداولها، ولهذه (الفكرة،كمنتج للعقل) قيمتها، وسعرها الرمزي، في حقول التبادل والتداول وعمليات التفاهم والتواصل الاجتماعي.

وهنا سنجد أنفسنا أمام ثنائية(فكرة /مالكها)،تستتبع ثنائية(ملكية/حماية ملكية)،وبالتالي (حقوق الملكية) منسوبة إلى المالك الذي تربطه قرابة العصبة (من خلال هذه الحقوق) بالملكية، وهو هنا متعصب لها (لغةً: منتصر لها وغيور ومدافع عنها) كما التعصب لكل الملكيات التي تشكل مصادر لمقومات ومرتكزات ومكونات حياته المادية والمعنوية .
وبهذا سيقف أفراد المجتمع على قدم المساواة أمام ثلاثة عناصر تحدد الكينونة (الشخصية/ الاجتماعية) بالحد الأدنى لكل فرد:
    الفرد المالك
    الملكية وحق التصرف فيما يملك ( تعصب شخصي )
  حماية الملكية، وهو السور التشريعي القانوني والأخلاقي الذي يصون الملكية (التعصب الاعتباري) بما هي سيادة الفرد على حياته.

وهذه العناصر الثلاثة المعيارية لمساواة الناس،فيما هم أحرار فيه داخل قواقع كينونتهم/ملكيتهم تشكل ترجمة ًوتجسيد اً للإباحة كأصل في الأشياء.

فالناس والحالة هذه متساوون فيما يملكون من أفكار ومن تعصب حامي لهذه الأفكار أياً تكن هذه الأفكار ومصادرها،سواء أكان المصدر دينياً أودنيوياً، والمصادر بطبيعة الحال تبث أفكارها وتصوراتها ذات الطابع التبشيري العام لتشمل أكبر سعة ممكنة من المريدين والأشياع تأسيساً للصلات الاجتماعية والاستقطاب الأوسع، وبالتالي فإن الحوار كتقنية للتفاهم وبناء العلاقات الاجتماعية يقتضي تبادل ثنائية (الفكرة/التعصب وتبني الفكرة) عبر مختلف وسائل التبادل بنفس الحرية التي يتبادلون فيه ثنائية(الصمت/التعصب،عدم نشر الفكرة)،وكذلك تبادل مادة الاحترام ومحظور انتهاك السيادة الشخصية،وبالتالي فالناس متساوون أمام السلام الاجتماعي.

لكن يبدو أن الانتهاك التاريخي للسيادة الشخصية، ولحالة المساواة تلك وبالتالي للسلام الاجتماعي، وعند درجة من تطور المجتمع، قد ارتكبته السلطات حينما ظهرت وصايتها بولادة الدولة، الأمر الذي جعل الحوار الاجتماعي/الصلات/التبادل/التفاهم، مشوباً بعنصر الإكراه والوصاية ضمن مستويين لهذا الحوار:

·    الحوار بين السلطة(منتجة ومالكة الإكراه) وبين المجتمع(مستهلك الإكراه)،والذي يتكاثف فيه إملاء ووصاية السلطة(حافظة النظام، وضابطة لإيقاع التناقضات من أن تلتهم بعضها) وذلك عبر لوائح الأوامر والنواهي والمحظورات والمؤيدات الجزائية بحيث يغشى الحوار طابعه الشكلي من خلال ارتكاب فعل مصادرة السلطة للمجتمع،ولمضامين الحوار.

·    الحوار داخل المجتمع، بين أفراده حيث يتبادلون الأفكار(ملكية/حماية وتعصب) مشوبةً بأفكار السلطة المتبناة والتي تعشش داخل حقل الموالاة الاجتماعية حيث يتقمص الفرد فعل السلطة وإكراهها.

بعد ذلك سنجد أن مجموعة عناصر باتت مكونات أساسة داخل تقنية الحوار/التفاهم/التواصل منها إكراه السلطة ووصايتها،وحدود ملكية الأفراد لأفكارهم وتعصبهم لها ، مايجعل المجتمع بحالة اقتحام وإقصاء متبادل في مسعىً متواصل لتحطيم أسوار الحريات،وحدود السيادة الشخصية (التعصب /دفاعات ملكية الفكرة)،وبحالة دفاع مستميت لمنع سقوط التعصب بما هو ضرورة عضوية لكينونة(الفرد الاجتماعي العاقل) الذي لابد وان ينقل هذه الضرورة من الحالة العمياء (التعصب الأعمى المتحرك بمنطقه الداخلي)إلى حالة الترشيد الذي يتحول فيها التعصب الأعمى إلى تعصب عادت إليه نعمة البصر ففتح باب الحوار المشروط بالحريات بما يكفل حماية الأفكار التي تمد الحوار بأسباب وجوده كشرط لوجود(الفرد/ المجتمع )ذاته من خلال استهلاك وتمثل أفكار الحوار.

وهنا نجد أنفسنا أمام ضرورة التفريق بين الأفكار كمحميات فردية ضمن أسوارها والتعصب الخاص الحمائي لها (معتقدات،تصورات…الخ) وبين تبادل هذه الأفكار حينما يأخذ هذا التبادل شكل الإكراه والإقصاء وتحطيم التعصب واستباحة هذه الأفكار، وهنا نضع يدنا على المشكلة الاجتماعية الكبرى المتمثلة بفعالية ثنائية(شح الحوار/التنافر الاجتماعي) وبدء موات الحياة الفكرية وانقراضها في نهاية المطاف.

لذلك، مثلاً ففي قضيتي الإيمان والإلحاد وبالتالي التكفير داخل جميع حقول الاعتقاد والانتماء الفكري ،لايتركز التناقض والصراع بين فكرة الإيمان من جهة وبين فكرة الإلحاد من جهة ثانية،أي الانتماء للأفكار وحرية الاعتقاد بها وتملكها وحبسها في الوجدان وإطلاقها في طاحونة العمليات العقلية، وإنما يتركز في الانتهاك المتبادل لإقصائي لحدود وسيادة الملكية الفكرية، (ولحرمة التعصب بماهوسياج الفكرة))، الذي يتطلبه الحوار الفعال كضرورة فكرية.ذلك أن المتدين والملحد كلاهما يواجه الآخر منتهكاً تعصبه وحدوده وسياج سيادته على أفكاره، وهذا نراه في الانتهاك المتبادل بين شتى الأطياف الفكرية كوباء اجتماعي.

وإذا افترضنا الآن أن الإقصاء بحد ذاته يقوم على أساس الحاكمية المرجعية للأفضل، فهذا الأفضل لايتحقق للفكرة المحمولة (حبيسة العقل)مالم تحقق قيمتها /مستواها/ منسوبها/بيانها المعياري/، وهذا لا ندركه إلا بالحوار وخروج الفكرة من العقل إلى سوق (تبادل الأفكار) وبالتالي فنتائج الحوار تؤسس لبناء المرجعيات كحالة معيارية لاحقة، أو مرحلة لاحقة، مسبوقة بمرحلة لا وجود فيها للمرجعيات، بحيث يفترض أن تتحرك الأفكار في سوقها وحقول تداولها بطاقة ووقود الحرية(أوقل بالفطرة) وصولاً إلى محطة المرجعيات ،والقيود الإكراهية التوافقية والانقياد الحر إلي شروط الحوار(القبول الإرادي بالإكراه) بما هي:

·         وجود فكرة

·         حرية التبادل والتفاهم
·         مالك الفكرة ومتعصب لها وحارس عليها
·         قبول نتائج الحوار والتفاهم الحر كأسس ومرجعية ودستور لمسارات الحوار اللاحقة
من هنا أود تجنب الخلط بين الفكرة كسلعة استهلاك عقلي معنوي نفسي وجداني ،وكضرورة للحياة الفكرية للكائن الاجتماعي،وبين التعصب كضرورة وجود للفكرة ذاتها(قشرة الفكرة وصندوقها وسياجها الحمائي، وبالتالي( فوجود الفكرة ووجود الحياة الفكرية )عمليتان حيويتان متداخلتان ومتباينتان وتشكلان ميداناً لوطأة الإكراه والانتهاك وشيوع الاستبداد، كما لإنشاء أبنية التفاهم الحروالمرحعيات ومرتكزات الالتزام والمبدئية.

والآن هل ظلمنا مصطلح التعصب تاريخياً ولانزال حينما شاع استخدامه الفكري بمعنىً سلبي،وخلطنا بينه وبين الإكراه سيء الصيت؟!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This