أشهر قصيدة بذيئة في تاريخ تونس زمن الاستعمار الفرنسيّ (2/3) عبد الرحمان الكافي من النضال الوطنيّ إلى الانكسار واليأس

لا بد من التشديد على أن هذه القصيدة اكتسبت شهرتها من بذاءة قافيتها لا من بديع نظمها و اشتهرت ”الملزومة ” أكثر من صاحبها الذي ظل نسيا منسيا وقد عمدنا في الجزء الأول من المقال إلى التعريف بالقصيدة ” الملزومة” و بمعانيها و ذلك في محاولة لتحقيقها و إخراجها مع شيء من ”التهذيب ”الضروري الذي فرضه الحياء الأخلاقي لا العلمي.

لماذا راهن الكافي على البذاءة في نظمها خلافا لباقي قصائده الكثيرة؟

ذلك هو السؤال الذي حملنا للتعريف بالشاعر و المناضل عبد الرحمان الكافي بوصفه فاعلا ثقافيا و سياسيا مغمورا فقد كان ضحية شهرة قصيدته التي زجت به في مطاوي النسيان و التهميش و صنفه المتسرعون ضمن السوقة و الدهماء و الأغفال.

يخرج المتمعن في القصيدة باستنتاج أساسي يتمثل في تبحّر الشاعر في” أدب البذاءة” وهو لون أدبي قديم عرفته كل الحضارات تقريبا و لم يخضع كثيرا لقواعد النقد الأدبي و معاييره .

و يذهب الى الظن في البداية ان الشاعر عبد الرحمان الكافي هو من ”البذّائين ”المدمنين غير ان مجريات الواقع التاريخي الذي عاشه الشاعر بوصفه فاعلا اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا تجبرنا على تعديل الحكم السطحي و المتسرع فالبذاءة لم تكن خيارا أوليا بقدر ما كانت مرحلة عارضة و اضطرارية لجأ إليها عبد الرحمان الكافي في فترة يأس و قلق و توتر انتاب جل المثقفين و النابهين الذين قاوموا الاستعمار الكولونيالي الفرنسي في النصف الثاني من عشرينات القرن التاسع عشر.

ليس من عادة المؤرخ إطلاق الأحكام الثابتة لكننا نجازف بذلك في حالة الكافي بحكم توفرنا على مادة أرشيفية هامة عرّفتنا بمسيرته الطويلة في النضال الثقافي و الاجتماعي و السياسي و رغم ان هذه الأرشيفات منحازة للإيديولوجيا المستعمر إذ حبّرها أعوان الأمن الفرنسي فالتاريخ كما نعلم يكتبه دوما المنتصرون.

لقد فرضت شخصية الكافي نفسها على القلم الأمني الذي لم ينجح في مداراة ” نضالية” هذا المثقف الشعبي الذي صنفته دوائر الاستعلامات من بين ” المشبوهين” السياسيين الخطيرين الذين يجب مراقبتهم عن كثب .

تصلح حياة عبد الرحمان الكافي أن تكون مادة لرواية مشوقة أو دراما تلفزية ناجحة فالرجل لم يكن انضباطيا تقليديا بل كان مجددا و ثوريا و ”مشاكسا” تحدّى سلطات الاستعمار وتوابعه من رموز سلطة القهر التقليدي . لكن أغلب منتجي المسلسلات التونسية لا تعنيهم ” الفنطازيا التاريخية” في بلد يزخر بالرموز و الأبطال و المشاهير الذين يتذكرونهم في ومضات إشهار البسكويت و التفاهات السكرية فقط .

ولنعد إلى شاعرنا الذي ولد حسب تقارير الأمن الفرنسي سنة 1885 و توفي سنة 1934 و هو في مقتبل العمر شابا على مشارف الكهولة مثله مثل الطاهر الحداد و أبي القاسم الشابي و غيرهم من مبدعي الثلاثينات وبقدر ما يبدو تاريخ الوفاة ثابتا و معروفا فان تاريخ الولادة حسب المصادر الشفوية المأثورة فيه خلاف ويصعب معرفة سنوات الولادة بالتدقيق خصوصا ان الحالة المدنية و عمليات التسجيل الرسمي في تونس لم تنطلق إلا مع سنة 1911 و يزداد الأمر تشعبا في حالة سكان البوادي و الأرياف و –الكافي منهم- إذ يؤرخ هؤلاء بسنوات ” المسغبة ” أو التطرف المناخي مثل عام ”بوبراك” (سنة مجاعة وهزال) و عام ”الحلبة ” و عام ‘الروز ” (مواد غذائية طارئة التجأ اليها السكان لتعويض نقص الحبوب) أو عام بوعنبة ( صنف من أصناف العملة وهو الريال و رسم عليه كرم العنب)…

كانت حياة عبد الرحمان الكافي العبيدي قصيرة نسبيا و قد مات قبل بلوغ سن الأربعين و ينحدر الرجل من مضارب أولاد بوسالم وهي مجموعة عروشية و قبلية هامة في الشمال الغربي التونسي و ينتسب الكافي الى عرش العبيدية و بالتحديد الى أولاد سيدي عبيد وهي ”قبيلة” مرابطية كبيرة و متوزّعة على المنطقة الغربية الحدودية مع الجزائر و تتوزع فلولها على جهات جندوبة و الكاف و القصرين و الجريد و قفصة و مجموعات أخرى بالشرق الجزائري من سوق أهراس حتى تبسة وعروش أولاد سيدي عبيد هي من العروش المرابطية مثل أولاد سيدي تليل و ينتسبون الى طريقة و زاوية جدهم وهو أحد صلحاء العصر الحديث ودأبت الذرية المنتسبة إليه على الجمع بين حياة الزراعة و حياة المرابطة و الزوايا مع ميل الى الزهد و المسالمة فلم تشتهر بحرابتها بقدر ما اشتهرت ببروز ” القوّالين” و ”الشعراء” و ”العريفين” و على كل حال فالعرش العبيدي المستقر حول حوض مجردة الأوسط و في تخوم منطقة” سوق السبت”كان من صنف العروش المستقرة و المتعاطية للزراعة و أنجب تلك الربوع عديد “الشعراء” و الأدباء الشعبيين بالأمس و حتى اليوم و لنا في جهة ”بلطة” خير مثال .

كان والده محمد الكافي زيتوني التكوين و الثقافة فعمل عدل إشهاد (موثق عدلي) بمدينة تونس ثم تولى القضاء لفترة قصيرة بنواجع أولاد عيار ومكثر وقد عزل من عمله بسرعة نتيجة مواقفه الرافضة لأوامر القياد و المعمرين وسرعان ما لفقت له تهمة الفساد و قلّة الكفاءة فاضطر مع زوجته عائشة و ابنه عبد الرحمان الى فلاحة أرضه بجهة السرس وربما من هنا جاء لقب ”الكافي” فهو كنية أكثر منه لقبا عائليا وقد كانت عملية إبعاد الأب عن سلك القضاء بحكم مواقفه ”المشاكسة” أول المنعطفات الصادمة في حياة الشاعر الذي لم يتنعّم كثيرا بعطف والده القاضي الذي توفي مبكرا وتركه يتيما.

تطوع شاب الثامنة عشر سنة1903 في الجندية الفرنسية أين خبر ضنك الحياة العسكرية الصعبة في جيش فرنسي يحمل صوريا اسم بلده تونس وقد أسعفته مرحلة الجندية على قساوتها بمعرفة نصيب محترم من اللغة الفرنسية لكنه لم يتمكن من النجاح في كسب الترقي العسكري فقد قام سنة1905 بمحاولة تغيّب و هروب أدت الى سجنه من قبل قيادة الفيلق التاسع بتونس مدة أربعة أشهر وبدأت منذ ذلك العهد مرحلة ” السجنيات” المتكررة و التي زودت الشاعر بثقافة ” ناقمة” رمزها الشعر ” الزندالي” الذي كان ينظم في الزنازين وهو شعر ضعيف الوزن فيه ميل للحزن و القتامة و البذاءة أيضا.

عمل الكافي بعد مرحلة التطوع في الجندية بائع صحف في مدينة تونس و كان يراوح بين النزوح الى المدينة و العودة الى حياة الريف لفلح أرض الأسرة و أخذته الغيرة و الحمية سنة 1911 للتطوع في حرب ” طرابلس ” لمناصرة الليبيين ضد الاحتلال الايطالي مثله مثل الزعيم محمد علي الحامي الذي أسهم في نقل معونات الهلال الأحمر العثماني من تونس الى طرابلس سنة 1911 ولا نملك معلومات كثيرة حول هذه المرحلة من حياة الكافي التي انتهت بالذهاب الى تركيا و العودة الى تونس سريعا .

و على كل حال فقد وجد الكافي نفسه خلال الحرب العالمية الأولى مثل ثلة من خيرة شباب الجزائر و المغرب جنديا ”مدعوا” مدافعا عن العلم الفرنسي و طرفا في معركة امبريالية أوروبية وهو ما زاده ا شعورا بالغبن و النقمة على السلطات الاستعمارية.

وقد عاد الكافي الى مدينة تونس خلال الحرب و استقر منذ سنة 1916في منطقة رحبة الغنم وهي عبارة عن ربض صغير مجاور للمدينة المسورة وهي منطقة شعبية ومختلطة يتجمع بها نازحون و آفاقيون من أصول ريفية و قروية الى جانب مجموعات من أهل المدينة ”البلدية” و قد عمل الكافي نسّاجا ونشير هنا الى ان العديد من أفذاذ الشعر الشعبي في تونس اشتغلوا بمهنة ” الحياكة” أي نسج الثياب الصوفية وفق تقنيات خشبية تقليدية وهي حالة الأديب الكبير محمد ملاك و قاسم شقرون وغيرهما كثير .

وقد ولع الكافي بالشعر كأغلب “الحوكية” الذين يزاوجون بين نسج الصوف ونظم الكلمات و لعل صعوبة المهنة ودقتها هي التي زجت بأصحابها في بحور الإبداع الشعري بحثا عن السلوان و الترفيه و تعويضا عن الشقاء و الكبت .

غير إن المؤهل الحرفي لا يفسر وحده شاعرية الكافي التي زادتها ”السجنيات” خبرة و مهّد لها المنحدر القبلي و العائلي فلا يمكن أن يبلغ المرء مرتبة ”الأديب ” – وهو النعت الذي تطلقه العامة على قوّالي الشعر الشعبي- دون أن يكون متوفرا على حد أدنى من القراءة و الكتابة عارفا ب”أليف الأدب” معتبرا من التجارب و المحن و هو ما توفر في ابن الزاوية و ابن القاضي ، السجين، بائع الصحف السيارة ،المتطوع، العسكري، الحوكي ،ابن رحبة الغنم.

ُصقلت شخصية الكافي و نحتت معالمها الأساسية بل النهائية في ذلك الزمان و المكان أي (رحبة الغنم سنوات 1916-1920) ففي ذلك الحي الشعبي الشهير امتهن النازح العبيدي الحياكة و اختلط الشاعر بغيره من النابهين و الأدباء و أصبح يتردد على المقاهي و المجالس الأدبية و اقترب أكثر حسب تقارير البوليس الفرنسي من مجالس الصحفيين و الظرفاء الذين كانوا يشرفون على إصدار الصحف الهزلية الساخرة التي تخيرت طريق ”النكتة” و ”الملحة” لمقاومة الاستعمار و التخلف وتفيد التقارير انه كان يتجول بين الأسواق الشعبية لإلقاء القصائد و الملزومات الناقدة و الساخرة فقد تعقبه رجال الأمن في رحلة سنة 1922 دامت عشرة أيام من 6 حتى 16 سبتمبر انتقل فيها بين أسواق ابة قصور وسوق الأربعاء ووادي مليز وغار الدماء و طبرقة وباجة في منطقة الشمال الغربي التونسي و قد كان يلقي شعره مقابل بعض الفرنكات التي يجمعها الحاضرون و المستمعون وقد دفعته الظروف الصعبة للتكسب من شعره ضمانا لقوته اليومي .وقد أكدت التقارير على أهمية جمهور الكافي و مدى رواج شعره في الأوساط الشعبية و العالمة على حد السواء.

تطلق التقارير الأمنية على عبد الرحمان الكافي خلال سنوات 1917 -1920 صفة الوطني ”و الثوري والمعادي للحكومة .Un nationaliste révolutionnaire”

لم تكن بالبلاد التونسية بعيد الحرب الأولى حركات سياسية مهيكلة وحتى حركة الشباب التونسي فقد عرف زعماؤها المنافي و السجون و الإبعاد قبيل الحرب و لم تنشأ الأحزاب الوطنية و تتهيكل إلا بداية من سنة 1920 . في هذه الفترة المعروفة باستفحال الفراغ ”التنظيمي” برزت إرهاصات وطنية تونسية اعتمدت على المبادرات الفردية و المحدودة التي تزعمها الشيخ الثعالبي و بعض ”قدماء” حركة الشباب وليس من السهل أن ينعت شخص بنعوت الثورية و الوطنية (أو القومية) وهي ”الشهادة ” التي حازها الكافي من قبل قلم الاستخبارات الفرنسي .

تعمّمت شهرة عبد الرحمان الكافي مع مرحلة الصحوة الوطنية التي بدأت في العشرينات مع تأسيس الحزب الحر الدستوري و مع تفاقم نشاط التونسيين ضمن التنظيمات الاشتراكية و الشيوعية وذاع صيت الكافي من خلال مواقفه و أشعاره الناقدة للسلطات الاستعمارية والتي أصبحت تنشر بصفة دورية في صحف ”جحا” و ” جحجوح”و ”النديم ” و ”المضحك ”و أصبح الكافي يلقي أشعاره في المقاهي الشعبية بباب سويقة و الحلفاوين و رحبة الغنم و باب الجديد و قد كان يتجول بين مجالس الأعيان والمثقفين الذين استظرفوه وأفادت التقارير أن الشيخ الطاهر بن عاشور مكنه من السكن في تربة العائلة الموجودة بنهج سيدي الزواوي وزوّجه من إحدى خادماته، وقد حاول الكافي أن يعمل بواسطة الشعر والكلمة والأدب كداعية للإصلاح والنهوض .

كانت شخصية الكافي ”الثورية ” و المتحمسة سهلة الاستقطاب من قبل الحركات السياسية ”الراديكالية” وقد انتمى لفرع الجامعة الشيوعية التونسية سنة 1922 وانجذب بحماس للأفكار العمالية والمساواتية فأصدر عددا من القصائد بنظم شعبي دارج امتدح فيها مزايا الشيوعية وتوحد العمال والفقراء وحرّض فيها على النضال ولعل أشهر هذه القصائد هي الملزومة الشيوعية التي طبعت في ثلاثة آلاف نسخة ووزعت و سجن بسببها الكافي الذي سرعان ما أصيب بخيبة أمل من جرّاء انحسار نشاط الشيوعيين خصوصا بعد حملات التشهير التي أظهرت أتباع الحركة في ثوب الزنادقة والملحدين فانطلق سنوات 1923-1924 في تجربة جديدة مع الحزب الدستوري الذي امتدحه مرارا (ملزومة دستورية) وراهن على شعبيته وتأطيره للأهالي في مقاومة الاستعمار غير أن الرهان سرعان ما خاب مرّة أخرى بعد الفراغ الذي تركه الزعيم عبد العزيز الثعالبي إثر مغادرته البلاد سنة 1923 وسقوط الحزب في يمّ النخبوية المتعالية” خاصة عندما تبرأ من محمد علي الحامي ورفاقه النقابيين في أواخر سنة 1924، ولم ييأس الكافي فترك الدعاية السياسية التي اقتنع بعقمها وانبرى يحث بقصائده على الإصلاح الاجتماعي داعيا لمحاربة الجهل والفقر والمعتقدات الزائفة ومقاومة تفشّي المخدرات (التكروي ) والملهيات (ملزومة الشاي)وقد كان يجوب الأسواق والقرى ويلقي قصائده في المقاهي وحفلات الأعراس والختان مقابل بعض الأموال و الصدقات العينية وقد أدت به جرأته ونقده اللاذع للاستعمار والقصر والحاشية إلى دخول السجن عدة مرات بتهم التطاول على الهيئات الرسمية ولم يتمكن الرجل من الصمود فانساق بداية من سنة 1926 في طور جديد من ”النضال” الفردي وراهن هذه المرة على البذاءة في نقد الواقع المزري في هذا السياق أصدع بملزومته الشهيرة ” الصبر لله و الرجوع لربي…”

ليست الملزومة لونا من ألوان الفن ”الهامشي” وان بدت كذلك للوهلة الأولى فهي قصيدة مناضلة رغم شكلها ” الصادم” و ”الاستفزازي” فالكافي لم يكن مثقفا انضباطيا تقليديا بقدر ما كان مناضلا ”ثوريا ” قطاعيا خرج عن ”لمألوف” فانجرف بقصد أو بدونه إلى صفوف الهامشية التي تولد عنها التغييب و الإقصاء من الذاكرة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق