المسيح : الأفكار التأسيسية

في الحلقتين السابقتين تحدثنا عن ناسوت عيسى وطبيعته البشرية في كل من الرواية القرآنية والرواية الإنجيلية. وفي هذه الحلقة وما سيليها من حلقات سوف نتحدث عن الطبيعة الفائقة لعيسى، كما تتبدى في أربعة ألقاب إنجيلية هي: المسيح، وابن الله، والابن، وابن الإنسان، وفي لقبين قرآنيين هما: روح الله، وكلمة الله. وبما أننا قد وجدنا أن الألقاب الإنجيلية تجد أصولها في كتاب العهد القديم، فسوف نبتدئ بمعالجة لقب ” المسيح” انطلاقاً من تصورات العهد القديم حول هذا المفهوم المركزي في المعتقد التوراتي.

“المسيح” أو “المشيح” (وبالآرامية مشيحا) كلمة عبرانية مشتقة من الفعل الثلاثي”مَسَحَ”، والتي تعني كما في العربية التمسيد الرفيق بالكف. وبالمعنى الطقوسي التوراتي فإن المسيح هو الممسوح بزيت المعبد المقدس من أجل تبريكه وإسباغ طابع القداسة عليه. هذا الزيت يُحضَّر من زيت الزيتون النقي ممزوجاً بأطياب معينة وفق مقادير خاصة، ويدعى زيت المسحة، ولا يجوز استخدامه في الأغراض الدنيوية. فالمسح الطقوسي والحالة هذه هو نوع من شعائر التعدية والعبور ( Initiation)، ينقل الشيء أو الشخص الممسوح به من مجال ما للناس إلى مجال ما لله.

أول مسح طقوسي بالزيت يصادفنا في كتاب التوراة، هو ما قام به يعقوب في سفر التكوين (28 : 10-19) عندما نصب عموداً حجرياً وصب عليه زيتاً في الموضع الذي تراءى فيه الرب له في الحلم، ودعا المكان “بيت إيل” أي بيت الله. وفي سفر الخروج (30 : 23-32) يبيِّن الرب لموسى كيفية تجهيز زيت المسحة، ويأمره أن يمسح به تابوت العهد وبقية الأدوات الطقسية، ويحرم عليه استخدامه إلا في الأغراض الشعائرية. وبعد ذلك يأمره أن يمسح أخاه هارون وبنيه بالزيت ليصبحوا كهنة على إسرائيل. ومنذ ذلك الوقت صار مسح الكهنة طقساً متبعاً. ولدينا مثال واحد عن مسح الأنبياء، وهو ما قام به النبي إيليا عندما مسح تلميذه أليشع نبياً بعده بأمر الرب.

عندما ابتدأ عصر الملوكية، صار طقس المسح بالزيت بمثابة تنصيب رسمي للشخص الذي اختاره الرب لحكم إسرائيل. وكان شاؤل أول من مُسح ملكاً بأمر الرب على يد النبي صموئيل، ودُعي بمسيح الرب. ومن هذا الموضع في سفر صموئيل الأول: 10، نفهم كيف يحوّل طقس المسح الشخص الممسوح إلى شخص جديد يحل عليه روح الرب، حيث نقرأ:”ويكون عند مجيئك إلى هناك، إلى المدينة، أنك تصادف زمرة من الأنبياء النازلين من المرتفعة، فيجل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر، وإذا أتتك هذه الآيات فافعل ما وَجَدَتْه يدك لأن الرب معك” (10 : 5-7).

بعد أن غضب الرب على شاؤل غادره الروح وحل على داود بعد أن مسحه النبي صموئيل ملكاً. وها هو داود يصف علاقته بإلهه بالكلمات التالية: ” هذه هي كلمات داود، مسيح إله يعقوب ومُرنم إسرائيل الحلو: روح الرب تكلم بي وكَلِمَتُه على لساني. قال إله إسرائيل…الخ” (2 صموئيل 23 : 1-2). نلاحظ هنا كيف أن مسيح الرب يجمع بين الملوكية الدنيوية وبين النبوة والكهنوت، فهو يكلم الرب ويكلمه، ولسانه ينطق بوحي إلهه، وهو الوسيط بين عالم الألوهة وعالم البشر.

عندما شاخ داود واستلقى على فراش الموت، أوصى بالمُلك من بعده لابنه سليمان بمباركة من الرب، وأمر صادوق الكاهن والنبي ناثان أن يمسحا سليمان ملكاً. وهنا تستمر العلاقة المباشرة بين الرب ومسيحه، وهو يتراءى له في أحلامه ويكلمه  دون وسيط. نقرأ في سفر الملوك الأول: ” في جبعون تراءى الرب لسليمان في حلم ليلاً وقال: اسأل ماذا أعطيك؟ فقال سليمان: أعطِ عبدك قلباً فهيماً لأحكم على شعبكَ وأميز الخير والشر” (1 ملوك 3: 5-12)، وأيضاً : ” وكان لما أكمل سليمان بناء بيت الرب، أن الرب تراءى لسليمان ثانية كما تراءى في جبعون وقال له: قدَّستُ هذا البيت الذي بنيته لأجل وضع اسمي فيه…وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك، فإني أقيم كرسي مُلكك على إسرائيل إلى الأبد كما كلمتُ داود أباك” (1 ملوك 9 : 1-5).

بعد وفاة سليمان وزوال المملكة الواحدة المقدسة، التي انقسمت إلى مملكتين واحدة عاصمتها السامرة، والأخرى عاصمتها أورشليم، تغير مضمون طقس المسح بالزيت، ولم يعد معبراً عن مشيئة إلهية واختيار سماوي، بل تحول إلى إجراء روتيني يقوم به الكاهن من أجل تنصيب الملك الجديد الذي انتقل إليه المنصب بالوراثة أو بالاغتصاب. وفيما عدا قيام النبي أليشع بمسح القائد العسكري ياهو ملكاً على السامرة بأمر الرب، فإن مراسم التنصيب كانت تجري في أجواء اعتيادية، وغالباً ما لا يذكر النص الكتابي عنها شيئاً، بل يكتفي بالقول بأن فلاناً الملك قد مات ومَلَك مكانه على أورشليم أو السامرة فلان.

على أن كل ملوك السامرة قد حادوا عن الدين القويم وعبدوا الآلهة الفلسطينية التقليدية وكذلك فعل معظم ملوك أورشليم. وهذا ما خلق لدى أنبياء العهد القديم الذين كانوا يعنفون ملوكهم بشدة على عدم أمانتهم ليهوه، رجاءً في ملك مثالي قادم ومسيح حقيقي للرب. وشيئاً فشيئاً أخذ مفهوم المسيحانية الملوكية بالتغير، وبدلاً من التغني بفضائل الملك المسيح المعاصر، راحت مزامير العهد القديم وأسفار الأنبياء تتطلع إلى الملك المسيح القادم، وتصف مجده وكفاحه وانتصاراته. وقد تكرس هذا الاتجاه بعد زوال مملكة إسرائيل- السامرة عام 721ق.م ، وتحولها إلى ولاية آشورية، ثم زوال مملكة يهوذا عام 578 ق.م ، وتحولها إلى ولاية بابلية ثم فارسية، وانتهاء ما يدعى بعصر الملوكية في التاريخ العبري، والذي انتهى في كلا المملكتين بعمليات سبي واسعة طالت الشرائح الحرفية والمتعلمة من الشعب. وبذلك فقد تحول مسيح الرب من ملك يحكم على شعب يهوه في الزمن الحاضر، إلى شخصية نبوية رؤيوية سوف تظهر في المستقبل لتعيد العصر الذهبي لإسرائيل، وتجمع شتات المنفيين في الأقطار البعيدة وترجعهم إلى أورشليم،وتحارب أعداء شعب يهوه في كل مكان لتجعل في النهاية أمم الأرض قاطبة عبيداً لبني إسرائيل.

وبما أن سلالة الملك داود هي التي حكمت  أورشليم منذ وفاة سليمان إلى دمارها على يد البابليين، فإن المسيح القادم سيكون أيضاً من نسل داود، لأن الرب قد أعطاه عهداً بأن نسله سوف يحكم  أورشليم إلى الأبد: ” لا أنقض عهدي ولا أغير ما خرج من شفتي. مرة حلفت بقدسي أني لا أكذب لداود. نسله إلى الدهر يكون، وكرسيه كالشمس أمامي.” (المزمور 89). فهذا المسيح هو غصن جديد ينبت من شجرة نسب داود ابن يسِّي، على ما نقرأ في سفر إشعيا: “ويخرج قضيب من جذع يسِّي وينبت غصن من أصوله، ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم.” (إشعيا 11 : 1-2). ونقرأ في سفر إرميا: “وأقيم لداود غصن بر فيملك وينجح، ويجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يُخلَّص يهوذا، ويسكن إسرائيل آمناً …حي هو الرب الذي أصعد وأتى بنسل بني إسرائيل من جميع الأراضي التي طردتُهم إليها فيسكنون في أرضهم” (إرميا 23 : 5-6).

هذا المسيح يولد كطفل خارق له من صفات الآلهة والبشر معاً . نقرأ في سفر إشعيا: ” الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً…الجالسون في ظلال الموت أشرق عليهم نور…لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفيه، ويدعى اسمه عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية، على كرسي داود وعلى مملكته من الآن إلى الأبد” (إشعيا 9 : 2-7). وهناك إشارة واحدة في الكتاب إلى ولادة هذا الطفل من عذراء: ” ويعطيكم السيد نفسه آية.ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل” (إشعيا 7 : 14). وهو يدعى رباً وسيداً، ويجلس عن يمين يهوه في آخر الأزمنة ليدين الأمم ويحاكمها وينتقم لشعبه: “قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك… يدين بين الأمم، ملأ جثثاً أرضاً واسعة، سحق رؤوسها” (المزمور 110). وهو يولد في مدينة بيت لحم: “وأنت يا بيت لحم أفراته، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل ومخارجه منذ القديم. منذ أيام الأزل ” (ميخا 5 : 2).

وبتأثير الأفكار الزردشتية التي شاعت في المنطقة عقب استيلاء قورش الفارسي على المنطقة المشرقية ووراثته للإمبراطورية البابلية عام 539 ق.م، قامت الإيديولوجيا التوراتية بالمزاوجة بين فكرة المسيح القادم، وفكرة المخلص الزردشتي. فوفق التعاليم الأصلية لزردشت، يظهر في آخر الأزمنة مخلص البشرية الذي يقود المعركة الفاصلة الأخيرة ضد الشيطان ورهطه ويقضي عليه. عندها يقوم الله بتدمير العالم القديم الملوث بعناصر الشر، ثم يعمل على تجديده ليغدو فردوساً يعيش فيه الأخيار الصالحون في زمن مفتوح على الأبدية. وفيما بعد أدخلت التطويرات اللاهوتية اللاحقة تنويعات جديدة على فكرة المخلص الزردشتي؛ فهذا المخلص المدعو ساوشيانط سوف يأتي من نسل زردشت، عندما تحمل به عذراء تنـزل إلى الاستحمام في بحيرة معينة، حيث تتسرب إلى رحمها بذور زردشت التي حفظتها الملائكة في البحيرة إلى اليوم الموعود.

لقد أثرت فكرة نهاية الزمن هذه بقوة على فكرة ملكوت الرب القادم على الأرض، في الفكر التوراتي، ولكن بعد تحويرها بما يتلاءم مع الإيديولوجيا التوراتية الشوفينية. فإذا كان التاريخ في المفهوم الزردشتي يسير نحو استئصال الشر من العالم والارتقاء به وبالإنسانية إلى مستقبل ماجد وجليل في الأزمنة الأخيرة، فإن التاريخ في المفهوم التوراتي يسير نحو سيادة الإله يهوه الكاملة على الأرض ليحكمها بنفسه حكماً مباشراً، بعد أن يرسل مسيحه أمامه ليهيئ له الطريق، وليكسر شوكة أعداء إسرائيل ويعيد أمجاد أورشليم الضائعة. وفي هذا يقول النبي ملاخي: “ها أنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تسرون به. هو ذا يأتي قال رب الجنود، ومن يحتمل يوم مجيئه، ومن يَـثْـبُتُ عند ظهوره ” (ملاخي 5 : 1-2). إن مراحل التاريخ السابقة على قيام ملكوت الرب، لا يوجهها صراع الخير والشر كما هو الحال في المعتقد الزردشتي، بل صراع يهوه ضد الآلهة الأخرى، ومحاولته تنصيب نفسه معبوداً أوحد لدى الشعب الذي اختاره، ثم قيادة هذا الشعب ضد بقية الأمم والشعوب لإخضاعها وتحويلها إلى خدم وعبيد لدى بني إسرائيل. عند ذلك ينتهي التاريخ ويحل ملكوت يهوه على الأرض، ملكوت يديره بنفسه.

يبتدئ ملكوت الرب بما تدعوه أسفار الأنبياء بيوم الرب. في ذلك اليوم يرسل يهوه على الأرض عدداً من الكوارث الطبيعانية التي تمهد لهجومه الكاسح. فالسماوات تطوى كدرج من ورق (إشعيا 34 : 4). والشمس والقمر يظلمان والنجوم تنطفئ (يوئيل 3 : 15)، والأرض تنسحق وتتشقق وتترنح مثل السكران، وتنفتح عليها ميازيب من الأعالي (إشعيا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This