أأطلعك على بعض من جغرافيّتي؟

اهدأ.. لا تهرب.. لا أريدك، ليس من الحكمة أن تفعل.

عندما اخترقت المرأة ذاكرة التاريخ ملأت سعة التخزين كاملة، تمّت معالجتها في ذوات ثلاث: الأولى تدعى الغريزة: تقف على يمين الأنثى وواحدة على يسارها وتدعى: الروح و ذات ثالثة تدعى: العقل.

الغريزة: دائمة الثرثرة والصياح: تشرب و تضحك بصخب وتشابك السفر بالمغامرات، وكؤوس الندماء.

إنها هجمة هرج بامتياز. حضورها قويّ على الآذان. إنها تساوم وتحتال وتتوارى ثم تظهر بحلل متنوعة مختلفة.

إنها تبيع وتشتري ثغور النساء والرجال وتساوم على الظباء والغزلان وحتى الضباع، فلا يشبعها قربان مهما يعلُ شأنه.

هذه الذات تردد أبداً إذا ما ووجهت بالرفض: أترفضينني؟!.. استمعي.. أنصتي إليّ:

إن معالجتك تأتي في هذا الجزء وفقاً لفتنة الجسد.. وفقاً لفتنة الوجه، ومعلوماتك عن العالم المرئيّ تنسحب وفق الغريزة على الشجر والماء والجبال.. فهل أحتاج لقبولك، أورفضك؟!

تقول الروح للأنثى:

أفسح لك بجانبي مكاناً.. أمنحك الحرية كلما رفعت للسماء عينيك وأغمضت جفنيك. أساعدك على امتلاك الحقيقة كلما قُلِّّبت أمور الكون.. تحصلين على السعادة بالتوحد مع الخالق.. عزيزتي: معي تكتشفين لماذا تخرج الفتنة من الخافق.. معي تسمع أذناك أصواتا لا ترددها الحناجر البشرية: حديث الوردة للوردة، ومنادمة الموجة للموجة، وهمس حفيف أوراق الشجر للنهر.

معي يتجسد حب الخير في حبة لوز وفي عنقود عنب وفي سنبلة قمح. معي تلمسين ألوان الطيف وتقطفين لأنوثتك قصيدة شعر و تتشكّلين من أحشائي سموفونية حب، و تعرفين السمو كلّما نقبتِ بداخلي.

الذات الثالثة، التي هي على اطلاع بتاريخ كل من الغريزة والروح تمطّ شفتيها وتدلي برأيها: “مهرجتان!”

إن هذا الجزء في الأنثى لا يقلّ عناداً وشراسة عن رفيقتيه.. أحياناً يتعب العقل من مساجلاتهما فيغفو: تفلت زمام الأمور من يديه ويحصل خلل في المسيرة –مسيرة الأنثى- فتختلط الرؤية على الإناث والذكور،ويعييهم تفسير ظاهرة أكل المرأة لكبد عدوها، و حملها للحزام الناسف وسط أطفال وأناس أبرياء كما يفقدون تفسير ظاهرة: التصوّف.

يوجه العقل في حواركهذا حديثاً لائماً للتي على اليمين: مجدك وحركاتك البهلوانية وغناؤك كالسلطة إلى فناء.. كالأميّة في زمن يتطلب فك حروف اللغة وإعادة ترتيبها.. كجحافل المغول حين يضعون أيديهم على مدن ثريّة: يدمرونها ويحرقونها ويأتون على حجارتها وأشجارها وعلى قمحها وعنبها..

ما أنتِ إلا تهمة كتبت على صفحة ماء، لا يمكن إثبات هذه التهمة إلا حين تذبح الظباء على مذبح القانون والتقليد والقيم الاجتماعية..

ثم يلتفت العقل إلى الروح قائلاً:

أنسيتِ أن ليس بالشعر وحده يحيا الإنسان؟!

أأذكِّرك أن مكان القلب داخل الجسد وليس في السماء؟!

متى كانت للوردة أحاديث ذات أهمية وجديرة بالاستماع!

… إن حبّة اللوز.. هي حبة لوز.. خيرها أن تسدّ الجوع.. ألوان الطيف تحصل بعيداً ومنفصلة عن إرادتك….

أأتابع الحديث عني في عيدي؟:

أقف باستمرار -أنا الأنثى- على مفترق طرق و أسمع أصوات الذوات الثلاث وهي تنخر طبلة أذني ثم أتابعها في مقارعتها السيوف: سيوف فرض الإرادات- بجولات وصولات لا تنتهي إلا حين تنتهي إحداهن بامتلاكي، ولهذا ستجد الحال على ما هو آت:

بعضنا -نحن النساء- اختار أن يسير مع الذات الأولى وقوضن سنين من محاولة لمّ الشمل.

وبعض آخر ثان فضّل الروح فرفرفن داخل أكوان خاصة وأهملن ما يدعى بالواقع وتركنه يسير وفق مشيئته وغالباً وسط الفوضى.

نساء كنّ على قدر كاف من الذكاء: أخذن من الأولى اندفاعها وبريّتها، ثم أخرجن الغريزة من صدر الجنون وفككن العقدة التاريخية -كي يعشن مع من اختاره قلبهن.. مع شخص واحد يستحق أفضل ثمار الخلق: الأنثى.

تضيف هؤلاء النسوة الروح إلى الجزء الغريزي، كي يستمر نظم الشعر ولتكتب الروايات ولتتدفق من أصابع المبدعين سيمفونيات معلنة استمرار الحب.

تفسح هؤلاء النسوة للعقل مكانا رحباً في العادة كي يستخدمن سلطته في مواجهة الخواء الروحي والتفكك الاجتماعي.

النساء اللاتي كنّ على قدر من الذكاء فسحن الطريق للذوات الثلاث تترافق المسير في الطريق الطويل.

إن هذا النوع من النساء يساهم في تصحيح الأخطاء التاريخية: قوانين جائرة وتقاليد بالية أو نظرة عنصرية.

هؤلاء النسوة لا يستغنين عن الذكر لأنهن يقدّرن رفقته ويعرفن كيف يعجنّ لحومهن بالعشق..

في الحالات السابقة كافة تعطي المرأة نفسها حق الملكية في اللمسة الأخيرة: لمسة نبيلة، وراقية، وحضارية كما أن العكس صحيح: بصمة قاتلة مجرمة…

إن هذه اللمسة والبصمة هما اللتان توضحان إلى أي من جغرافية الذوات الثلاث تنتمي الأنثى وأي من تلك الإرادات تضيء روحها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق