“أنا أحب ليلى” ماذا نفعل حين نتكلم؟

«أنا أحب ليلى» معنى هذه الجملة أنني أعترف بحبي لليلى، ومعناها أيضاً أنني أقر بوجود تلك المشاعر الإيجابية والطيبة التي أتوجه بها نحو ليلى. ولن يستطيع أحد أن يتأكد من صحة هذا الاعتراف. وحتى لو قبّلتها أمام جمع كثير ممن عرف عنهم سلامة العقل وصدق القول، فإنهم لن يشهدوا على أكثر من أنني قبلتها. ويبقى الشاهد الوحيد على صدق هذا الخبر هو أنني أنا من قال ذلك. وإذا أراد أحدهم إحراجي وقال لي «أنت قلت ذلك» فلن تعجزني الحيلة على التنصل مما قلت، إذ يمكنني أن أقول «نعم، قلت ذلك عندما كنت أحبها، أما الآن، فلم أعد أحبها». بذلك سينتهي هذا الحب ويموت، وستكون ولادته من جديد مرهونة بأن أعيد نفس العبارة وأقول: «أنا أحب ليلى».

من المؤكد أنني، إن بقيت متصفاً بسلامة العقل، فلن أخرج إلى الشارع بثياب النوم بعد منتصف الليل، وأصرخ بأعلى صوتي: «أنا أحب ليلى.. أنا أحب ليلى». وإذ كان لا بد من مناسبة ما، فلربما أقولها لشقيق ليلى على سبيل التبرير بعد أن لمحنا، هي وأنا، واقفين أمام مكان هادئ اعتاد العشاق على ارتياده. وأردف مباشرة ودون تردد: «وسأطلب يدها للزواج». وهكذا أكون قد قمت بفعلين اثنين معاً، الفعل الأول هو فعل التلفظ بهذه العبارة، والفعل الثاني هو التبرير والإيضاح اللذين قدمتهما لشقيق ليلى. وليست هذه المناسبة الوحيدة التي يمكن أقول فيها هكذا عبارة، فقد أوجه هذه العبارة لـ «س» من الشباب، أنطقها بنبرة معينة، فيفهم منها تلميحاً قد يبدو أقرب للتحذير بأن لا يحاول ملاطفتها أو التودد إليها، خاصة إذا كنت قد رأيته سابقاً يحاول ذلك. إذن، فالفعل الذي قمت به هنا هو التحذير.

إن عبارة «أنا أحب ليلى» تقرر كما قلت في البداية، اعترافي بحب ليلى. وأستطيع من خلال التلفظ بها أن أقوم بإنجاز فعل ما حسبما تقتضي مناسبة القول، كفعل التبرير أو التحذير أو الإعلان أمام ثلة من الأصدقاء، أو ربما الاعتذار لأخرى تحاول التودد إلي، أو “بروتوكولاً كلاميا”ً أقوم به في حال طلبت يدها من أبيها، وغير ذلك من الأفعال التي لا تحضرني الآن، المهم في هذا الاعتراف أن لا أحد يستطيع القيام به إلا أنا، أنا الذي يكتب هذه السطور الآن، واسمي شادي. ولنعد إلى صديقنا «س» الذي سبق أن حذرته، إذ ربما يسأله صديق له عن سبب عدم عودته إلى التودد إلى ليلى كما كان يفعل سابقاً. فيجيبه «س» بعبارة مقتضبة، ويقول له «شادي يحب ليلى». إن لهذه العبارة الجديدة نفس المعنى، فقط استبدال ضمير المتكلم بالشخص الثالث، لكنها تختلف عنها تماماً إذ لا تحمل أي اعتراف بحبي لها. بل تحمل تعليلاً يشرح فيه «س» سبب توقفه عن التودد إلى ليلى. أي أنه يقوم بفعل التعليل. أو ربما يقول هذه العبارة لزوجتي، هذا في حال لو كنت متزوجاً، فالفعل الذي يؤديه «س» هنا هو الوشاية، أو قد يقولها «س» لشخص آخر رآه يحاول استلطافها، فيقوم بفعل النصح له، كي لا تصيب الآخر نفس الخيبة التي أصابت «س» قبله. إذن، إن الأفعال التي أنجزها «س» في الأمثلة السابقة هي التعليل والوشاية والنصح. لكنه لا يستطيع أن يقوم بفعل الاعتراف عندما يقول «شادي يحب ليلى»، لأنني الوحيد المؤهل لهذا الاعتراف. في المقابل يستطيع«س» إنجاز بعض من الأفعال التي أنجزها أنا عندما أقول«أنا أحب ليلى»، كأن يقوم بفعل الإعلان أو حتى التبرير. وفي مقابل المقابل، أستطيع أنا إنجاز بعض الأفعال التي ينجزها هو، عندما يقول «شادي يحب ليلى»، لكن من غير المعقول أن أقول هذه العبارة لزوجتي بقصد إنجاز فعل الوشاية، إذ لا يمكن أن أشي بنفسي. ولكن إذا حصل وقلت ذلك أمام زوجتي، فقد يكون قصدي إنجاز فعل الاعتراف بالذنب.

لنناقش الآن صدق أو كذب هذه العبارة. إن شروط الصدق تختلف عندما أتلفظ بها أنا أو يتلفظ بها«س»، فقد تقول لي زوجتي بصيغة استفهامية: «أنت تحب ليلى؟؟» وطبعاً سيكون الشرر متطايراً من عينيها. وسأجيبها بدهشة البريء: «لا» فأكون قد حكمت بكذب هذه العبارة، وأنا لست مسؤولاً عن ثورة الشك التي ستبقى داخلها، طالما أنني كذبت هذا الخبر، وأنا الوحيد المؤهل لفعل ذلك. ولكن لنفترض تتمة للحديث الذي لم يقنع زوجتي بعد. سأفترض أنها قالت: “كيف لا و«س» أخبرني بذلك؟؟”. حينها أستطيع أن أقول: «س يتوهم ذلك». أو ربما أقول: «س كاذب». لكن زوجتي غير مقتنعة، لأنها ستردف بكل حزم: «س ليس كاذباً، أخبرني أنك قلت له ذلك، وأخبرتني زوجة شقيق ليلى بأنك قلت له إنك تحبها». إنه حقاً مأزق صعب. سيدفعني للقول: «يا حبيبتي.. كنت أحبها والآن عدت إلى رشدي وما عدت أحبها». لقد صدقتني زوجتي، لأنها لا ترغب في خراب بيتها. وبذلك أنجزت من خلال هذه العبارة الأخيرة فعل التبرئة وأنقذت نفسي، ولكنني أيضاً جرحت مشاعر زوجتي، ليس بسبب فعل حاضر أقوم به، إنما فعل “أحمق” كنت ارتكبته سابقاً كما حاولت أن أوضح لزوجتي.

المهم، لا تنسوا أنني غير متزوج، والافتراضات التي وضعتها سابقاً كانت للتوضيح فقط. وما أريد قوله حتى الآن، أننا عندما نتكلم كلاماً مفهوماً، فإننا ننجز من خلال هذا الكلام أفعالاً أخرى، وقد وضحت شرطين اثنين- حتى الآن- ليكون إنجاز الفعل الكلامي ناجحاً. هما مناسبة الكلام وأهلية المتكلم وسأوضح في المثال التالي كيف يخفق الكلام في إنجاز أي فعل عندما يزول هذان الشرطان. أتخيل الآن أنني أحضر دروس الجامعة في الأسبوع الأول من السنة الأولى وليلى معي في نفس الصف، لكنني لم أتعرف عليها بعد. وكان الدرس الذي نحضره هو درس اللغة الإنكليزية وأن المحاضرة التي كانت تحاضر فينا قد كتبت على اللوح العبارة التالية (I love Laila) ثم طلبت مني أن أقرأ العبارة، ففعلت. ثم طلبت ثانية أن أترجمها إلى العربية، فقلت بصوت خافت: «أنا أحب ليلى». وطلبت مني أن أرفع صوتي لتتأكد من صحة الترجمة، فصرخت بأعلى صوتي: «أنا أحب ليلى». إن تلفظي بهذا الكلام لم ينجز أي فعل من الأفعال التي تحدثنا عنها سابقاً. والانطباع الوحيد الذي تكون لدى ليلى وغيرها من الزميلات، هو انطباع سلبي عن شاب لا يستطيع أن يرفع صوته أمام الآخرين من المرة الأولى.

في الحقيقة… كل هذه الأحداث افتراضات تخيلتها. والشيء الحقيقي الوحيد هو أنني قلت ذات مرة: «أنا أحب ليلى». وقد حدث ذلك عندما كنت في زيارة لأختي، وبقيت لوقت متأخر، وكانت ليلى، ابنة أختي، مستيقظة وسعيدة بوجودي ولا ترغب في النوم. وشكت لي أمها أنها ترفض شرب الحليب والذهاب للنوم، وطلبت مني أن أتحدث إليها، فقلت على مسمع منها: «أنا أحب ليلى… البنوتة الأمورة التي ستشرب الحليب وتذهب إلى النوم». وهذا ما حصل، أي أنني نجحت في إنجاز الفعل الكلامي هنا ودفعت ليلى لشرب الحليب والذهاب للنوم.

لقد حاول “جون أوستن” أن يجيب على السؤال التالي: ماذا نفعل حين نتكلم؟. وهو فيلسوف إنجليزي، مولود سنة 1911، رائد مدرسة أوكسفورد وأحد أشهر فلاسفة التحليل اللغوي، أو الفلسفة التحليلية، كذلك له نظرية في فلسفة اللغة، تعرف باسم نظرية أفعال الكلام، وله نظرية أخرى في المعنى، تعرف باسم «نظرية المعنى للاستعمال»، وضعهما في كتابه “How to do things with words”. «كيف نصنع الأشياء بالكلمات». وقد انتهى إلى أن المتكلم عندما ينطق عبارة ما بشكل صحيح فإنه يقوم بثلاثة أفعال داخل الفعل الكلامي الواحد، هي الفعل التعبيري والفعل الغرضي والفعل التأثيري.

المقصود بالفعل التعبيري هو مجرد نطق العبارة. وهو يشبه الفعل الذي قمت به عندما ترجمت عبارة (I Love Laila). ويلاحظ أن هذا الفعل يتضمن داخله ثلاثة أفعال تؤدى عندما ننطق العبارة، هي:

الفعل الصوتي: وهو مجموعة الأصوات التي يحدثها المتكلم عندما ينطق بالعبارة.

الفعل الصرفي: وهو القواعد النحوية والتركيبة التي يلتزم بها المتكلم.

الفعل الدلالي: وهو قصد المتكلم استخدام كلمات تشير أو تدل على أشياء أو علامات في الواقع.

أما الفعل الغرضي فيتحدد من الغاية التي من أجلها قيل الكلام. فعندما قلت «أنا أحب ليلى» كان غرضي هو الإخبار أو الإعلام أو الإعلان. ويتحدد الفعل التأثيري من خلال الأثر الذي يتركه الكلام لدى المستمع، كأن يترك أثر الإزعاج عند من افترضتها زوجتي، عندما أخبرتها أنني كنت أحب ليلى. بينما ترك لدى ليلى الصغيرة أثراً ساراً ودافعاً لشرب الحليب والنوم.

{{ أفعال الكلام ونظرية المعنى:}}

تبحث نظرية المعنى في الفلسفة عن الشروط والقواعد التي تجعل الكلام ذا معنى. في بداية القرن العشرين وضع فلاسفة الوضعية المنطقية (إحدى اتجاهات الفلسفة التحليلية المعاصرة، والوارث الشرعي للفلسفة التجريبية الإنجليزية) نظرية في المعنى يطلق عليها «نظرية المعنى للتحقق»، تفترض هذه النظرية أنه لكي يكون الكلام ذا معنى فيجب أن يقبل الحكم عليه بأنه صادق أو كاذب، وانتهى واضعوها إلى وجود نوعين من العبارات يمكن أن يطلق عليهما هكذا حكم. النوع الأول هو العبارات الواضحة بذاتها (توتولوجيا أو تحصيل حاصل)، كالقول إن الكل أكبر من الجزء، أو إن الكل مساو لجميع أجزاءه. وهي دائماً عبارات صادقة. والنوع الثاني هو العبارات التي يمكن التحقق من صدقها أو كذبها بالرجوع إلى الواقع، فعبارة (إنها تمطر الآن في جرينتش) هي ذات معنى لأن معرفة صدقها أو كذبها أمر ممكن، وهذا النوع من العبارات يبقى ذا معنى حتى لو كان كاذباً. أما بقية العبارات من قبيل الاستفهام والتعجب والترحيب والأمر والنهي والطلب والرجاء والتوسل والتحذير….. إلخ فهي ليست ذات معنى حسب معيار الوضعية المنطقية، لأنها لا تقبل الحكم عليها بالصدق أو الكذب، كذلك العبارات التي لا يمكن التحقق من صدقها أو كذبها كالعبارات الدينية اللاهوتية والميتافيزيقية والأحكام الجمالية والأخلاقية.

تعرضت نظرية المعنى للتحقق عند الوضعيين المنطقيين إلى انتقادات شديدة ووجيهة لم تستطع الصمود أمامها. لكنها دفعت الفلاسفة إلى التفكير في ما يجعل الكلام ذا معنى. وتعتبر نظرية (أفعال الكلام) لجون أوستن إحدى أهم نظريات المعنى التي جاءت لتتلافى ثغرات ومغالطات نظرية الوضعية المنطقية في اللغة، وهي نظرية تعود بجذورها إلى (لودفيج فتجنشتين)، الذي قدم في نظرية «ألعاب اللغة» فكرة أن معنى أية كلمة يتحدد بالكيفية التي تستعمل فيها هذه الكلمة. إن نظرية أفعال الكلام أعطت الكثير من العبارات العادية التي نتلفظ بها معنى ما، لأننا عندما نقوم بنطق هذه العبارات فإننا ننجز فعلاً ما، أي أننا نستعمل هذه الكلمات للقيام بفعل من الأفعال. وما يحدد المعنى هو الطريقة التي نستعمل من خلالها هذه الكلمة أو تلك.

الكلام إذن نوع من أنواع الفعل الذي يقوم به الإنسان. فعندما يدخل شخص ما إلى غرفة من الغرف ويراني، فيتحدث إليّ رافعاً صوته. ولأنه ثمة طفل صغير نائم في الغرفة، أستطيع أن أطلب منه بصوت خافت أن يخفض صوته وأخبره أن الطفل نائم، كما أستطيع أن أضع إصبعي السبابة متعامدة على شفتي وأشير بيدي الأخرى حيث ينام الطفل، وفي الحالتين أكون قد قمت بفعل تنبيهه إلى عدم رفع الصوت

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This