الرّسوم “المسيئة للرّسول” (1)

حرّيّة التعبير خير وأبقى

أثارت الرسوم الكاريكاتورية “المسيئة للرسول” والتي نشرتها صحيفة يلاندز-بوستن الدنماركية في أيلول عام 2005 جملة من الاحتجاجات في عدد كبير من الدول الإسلامية، حيث اعتبرها المسلمون إساءة إلى مقدساتهم الدينية، ودعا بعضهم إلى مقاطعة المنتجات الدنماركية، وعمل آخرون على حرق السفارات الدنماركية في بعض الدول العربية، ولجأ آخرون إلى تنظيم مسابقة لنشر رسوم كاريكاتورية ساخرة حول الهولوكوست، فيما اعتبر الكثير من المثقّفين نشر هذه الرسوم  مظهرا من مظاهر حرّيّة الرّأي والتعبير.

بناء على هذا، قام موقع الأوان باستطلاع آراء بعض المثقفين العرب حول هذا الموضوع، طالبا منهم الإجابة عن الأسئلة التالية :

  1. برأيك ما سبب نشر الصحف هذه الرسوم؟ هل يدخل ذلك في إطار حرّيّة التعبير أم في إطار اختبار ردود فعل العالم الإسلامي حول الإساءة إلى مقدساته؟
  1. ما سبب امتناع ناشر الرسوم الكاريكاتورية عن نشر الرسوم الإيرانية حول المحرقة اليهودية؟ وما الفارق بين النوعين من الرسوم؟
  1. كيف تقرأ ردود الأفعال الكبيرة التي خلفتها الرسوم الكاريكاتورية لدى المسلمين، وهل يتشابه ذلك مع الأزمة التي أثارها كتاب “آيات شيطانية” لسلمان رشدي قبل عقدين؟
  1. برأيك هل تكفي الخطوات التي اتخذتها الحكومة الدنماركية لحل الأزمة، من خلال توزيع عدد كبير من المصاحف وتدريس القرآن في جامعاتها، ومن ثم عقد عدد من المؤتمرات في بعض الدول العربية حول العلمانية وحوار الأديان؟
  1. كيف تقرأ إعادة نشر هذه الرسوم مؤخرا من قبل عدد كبير من الصحف الغربية، وكيف تقرأ ردود الفعل عليها من قبل المسلمين؟ وما هو تصورك للحل؟

ونقدّم اليوم الإجابة التي تفضّل بإرسالها إلينا حميد زناز :

حرية التعبير خير و أبقى

حميد زناز

 

مهما كانت أسباب نشر الرسوم الكاريكاتورية فهي ليست مهمّة، لأنها تبقى مجرد تخمينات و إسقاطات تصل في النهاية ككل مرة إلى أُطروحة المؤامرة والحكم على النّوايا و هذه خاصية عربية بامتياز. وغياب حرية التعبير والديمقراطية في الوطن العربي  يجعل الناس لا يفقهون ما يحدث في الغرب، حيث يعتقد أغلبهم أن  الدولة هي التي  تأمر و تنهى  وأن  كل شيء يحدث بإيعاز من المخابرات كما هو الحال في بلدانهم.

 

وقيام الجريدة بدورها الإعلامي بنشر رسوم كاريكاتورية أمر عاديّ جدا، حيث حاول صاحبها أن يشير إلى ظاهرة يعيشها العالم اليوم، ولم يُعالج الإسلام كدين أو كعقيدة بل عالج الإسلام عندما تحول إلى مشكلة، عندما  أصبح بعض المسلمين يمارسون الإرهاب تحت يافطته.

 

وفن الكاريكاتور هو  غَمَزات، ومَضَات سريعة  مركّزة تُفهم حسب قدرة المشاهد المعرفية والتأويلية وليست علما نطلب من الرّسام أن يكون فيه موضوعيا ومتخصصا. وقد حاول الرسام  أن  يشير إلى  ظاهرة  الإرهاب الإسلامي، مستخدما حقه في المبالغة الدراماتيكية فرسم ما رسم، وتعبّر الرسوم عن علاقة ما بين العنف والإسلام لا يستطيع أحد أن ينكرها، وهي حرية تعبير يكفلها القانون الدانماركي والباقي افتعال قضايا لإلهاء الرعية.

 

بالمقابل، كيف يمكن لجريدة تحترم قراءها أن تسمح لنفسها بنشر رسومات موجّهة مفبركة مؤدلجة (الرسوم الإيرانية حول المحرقة اليهودية)، افتعلها نظام  فاشيستي  ثيوقراطي لا يحترم  أبسط مباديء حقوق الإنسان والمواطن، وتهدف إلى إعادة النظر في مأساة إنسانية  تثبتها الوثائق التاريخية؟

 

وبالتالي هناك فرق أساسي بين رسوم فرد لا يمثل إلا ضميره المهني ورسوم مصدرها نظام لا ديمقراطي، لا يعترف بحرية التعبير أصلا، ويمارس التمييز الديني و العنصري والجنسي.. ويرجم النساء ويدعو صراحة إلى تدمير شعب.

من ناحية أخرى أعتقد بأن ردود أفعال المسلمين والعرب على الرسوم ليست ردود أفعال عفوية، بل هي من صنع بعض الأنظمة العربية وفقا لأجندة سياسية معينة، بدليل أنها كانت غير متزامنة مع نشر الرسوم.

 

والمجتمع المدني هو الذي يبادر إلى تنظيم المسيرات والمظاهرات. هل هناك مجتمع مدني في هذه البلدان؟ لو كان موجودا لما توقفت المسيرات ضد الأنظمة القائمة المنتهكة لحقوق الإنسان والمحتكرة للسلطة منذ عقود. وكل هذا التضخيم ما هو إلا استغلال لجماهير تم تجهيلها من أجل الضحك عليها وإلهائها وصرفها عن المطالبة بحقوقها السياسية والاقتصادية. كم من هؤلاء رأى الرسوم وكم منهم قرأ ‘ آيات شيطانية’؟

 

وأعتقد أن الأزمة ستزداد عندما يكتشف الدانماركيون حقيقة الإسلام. عن أي حوار بين الأديان يتحدث القوم وعن أي انفتاح؟  يحتقرالمسلمون كل الديانات. “من يرتضي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه”، هذا ما يقوله الله والمسلمون الذين لا يزالون يعلّمون صغارهم أن من تعلم لغة قوم أمن شرهم.

 

وأرى أن إعادة نشر الرسوم ليست تضامنا مع الدانمارك وصحافته فحسب، بل هي شعور أوروبي بالخطر الذي يهدد حرية التعبير في الغرب كله. الحل هو عدم التنازل عن حرية التعبير ووجوب الوقوف بشكل جماعي ضد الهجمة الأصولية. على الأوروبيين أن يتضامنوا لأن الخطر بدأ يهدد الجميع، ففي كل أسبوع نسمع عن مسرحية أُلغيت هنا وحفل يُؤجل  هناك. على الإسلام أن يتأقلم مع الحرية  وليس العكس.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق