خريطة الطريق نحو الإصلاح ( 4 ) ماذا جرى لمصر؟

لم يسبق أن مرت بلاد المسلمين بمثل هذه الفترة التي تغطيها الفوضى الكاملة ، فمنذ الصحوة الإسلامية و الحرب الأفغانية ضد السوفيت ، و حتى أحداث 2001 و ما بعدها و حتى اليوم ، حدثت تحولات انتكاسية عنيفة ، فدخلت البلاد الإسلامية في طور من الإضطراب و التخلف زيادة على تخلفها الأزلى ، و انتشار الأمراض الاجتماعية حتى وافت على غيبوبة ما قبل خروج الروح . مع هذا و رغم كل مظاهر الانحطاط التام فإن دعاة الفكرة القومية العنصرية ، و دعاة الفكرة الإسلامية الطائفية ، يؤكدون على هذا التوصيف لحالنا ، فإنهم في الوقت نفسه و شعوبهم في حالة كبوة هائلة ، يروجون إن ما يحدث في بلادنا هذه الأيام هو انتصارات لأمة الإسلام و للأمة العربية ، و أن هناك نكسات بسيطة هي إلى زوال ، و تتمثل تحديداً في دويلة الكيان الصهيوني المغروسة وسط الأمة لتمزيقها ، و حليفتها الكبرى الخاضعة للوبي الصهيوني ، الولايات المتحدة الأمريكية ، وعداً ذلك كان من الممكن أن يكون المسلمون سادة الكوكب الأرضي ، و أن أى مصائب تلحقنا فهي ليست من أنفسنا ، إنما من الغرب الذي يبيت ساهر الجفون يدبر لنا المكائد و المؤامرات ، دون كافة الملل و النحل في المسكونة .

المصيبة أن هذين الفريقين ( دعاة الفكرة القومية و دعاة الفكرة الإسلامية ) هم من يشكلون اليوم المعارضة الواضحة في الشارع للأنظمة الحاكمة القائمة ، و هم على اتفاق مع الأنظمة بشكل مدهش و محير ، على تحويل أنظار المسلمين نحو بيت الآخرين في إسرائيل و الغرب . و تمكن كلاهما عبر أجهزة تشكيل الرأي العام من صحف و مذياع و تلفاز و مدرسة و مسجد و كنيسة من تحويل المجتمع إلى حالة هوس ديني لا نظير له و لا شبيه.

تراه يتظاهر بوحشية كاسرة ضد أمريكا و إسرائيل ، و بأشد ضراوة ضد كنيسة وطنية في الحارة المجاورة لأنها تجرأت على ترميم دورة مياه فيها دون إذن المسلمين ، و لا يرى أبداً حاله و مرضه الداخلى بالمرة ، فنبدو بلهاء بشدة عندما نتظاهر بغضب عارم ضد الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول، بينما المسجد المجاور و التلفاز و الإذاعة تكفر المسيحيين علناً في ( بلادنا) بلادهم و على أرضهم ، فنبدو كالأباء الذين ينتقدون أولاد غيرهم المشاغبين طوال الوقت ، لكننا سريعي الغضب ممن ينتقدون أولادنا المشاغبين ، و هو ما يعطي الحكومات الاستبدادية مبرراً لطلب النصرة من هذا الغرب الديموقراطي المفترض أنه ضد الاستبداد ، و مبررها هو أن بديل تلك الحكومات التي تدعي الاعتدال و تمارس بعض ألعاب شبه ديموقراطية ، بديلها هو هذا الشارع المتوحش المتعطش للدماء . حتى أصبح من بدهيات الواقع أن تجد الاستبداد واضحاً و قائماً ، و أن تجد الحقوق الإنسانية في حالة غياب تام ، حيثما تجد أغاني الهجاء لإسرائيل و أمريكا و الغرب كثيرة الترداد وحشية النبرة ، متكررة ، عالية الصوت.

لقد أمكن للأنظمة الحاكمة في الدول الإسلامية بامتلاك وسائل التأثير في الناس ، أن تقوم ببرمجة شعوبها بألوان من الأفلام و الحوارات و برامج الشو و الدراما ، التي تدلك غرائز العزة و مكامن القوة المفقودة ، فتعاد و تكرر مسلسلات أبطال العرب المسلمين ، و سيرتهم العطرة في غزو البلاد و احتلالها ، تعظيماً لمجد الماضي الإسلامي ، و أنه بالإسلام وحده يمكن استعادة هذا الذي ضاع ، لا وجود في رؤيتها للمواطن و حقوقه أو حتى للوطن ، لأن تلك الأمجاد التاريخية كلها كانت على أشلاء و كرامة و إنسانية المواطن ، لأن الهم الشاغل هو الأمة الإسلامية و ليس المواطن فما أكثر المواطنين ، و هم كالعدد في الليمون و الحمد لله . يمكن أن يكونوا وقود لمجد الأمة و سلاطينها و رجال دينها عند الحاجة. و لأن الاستبداد واحد سواء كان دينياً أو قومياً ، فقد توافق كلاهما على تقديس ذات الأمة التي هي قدس أقداس القبيلة المسلمة ، دون مكونها الحقيقي ( الإنسان المواطن الفرد) .

و تعرض وسائل إعلامنا نماذج تكاد تجعل من شخوص التاريخ الإسلامي كيانات قدسية ، لا تفعل إلا من أجل خير و دفعاً لشر ، بنبل و مروءة غير موجودة سوى في السيناريو المقدم للناس ، بينما التاريخ الإسلامي نفسه يقول شيئاً آخر مختلف بالمرة .

فتاريخ المسلمين كله هو تاريخ فتن و صراع على الجاه و السلطان ، منذ الخلفاء الراشدين الهداة المهديين الذين ماتوا صرعي القتل رغم حرصهم على الشرع الذي لم يؤدى لأمن الجتمع ولم يحفظ لرأس الحكم أمنة وحياتة ، فانتهت حياتهم قتلا ، إلى الثورة على عثمان ، ثم واقعة الجمل سنة 36 هـ ، ثم صفين 37 هـ ، ثم مذبحة آل البيت في 61 هـ ، ثم غزو جيش يزيد سنة 63 هـ لمدينة رسول الله ، فقتل من قتل و سبى من سبى و حبلت ألف عذراء من هتك العرض العلني ، و هن بنات الصحابة و في حضرة المسجد النبوي و جسد صاحبه الشريف في ثراه ، ثم فتنة المختار الثقفي و ابن الزبير في 73 هـ ، ثم ضرب الحجاج بن يوسف الثقفي و جيشه مكة و الكعبة بالمنجنيق . . و من يومها لم تتوقف الفتن و الملاحم و المحن ، و حتى سقوط الخلافة العثمانية .

ثم اشتبكت الأدوار بين المسجد و المدرسة و الجامعة ، و لم تعد المدرسة مهمتها تعليم العلم الإنساني بل تعليم الإيمان ، تتدارس فضيلة النقاب مقارنة بفضيلة الحجاب ، و تتباحث في شئون الفرج و الطهارة و الطمث و المواريث . مع اسراف في تقديس ما لا يصح تقدسيه ، و الدفاع عن الموروث الإسلامي بل إحتسابه الكمال ذاته ، و النظر إلى التاريخ الإسلامي بعين الرضا الكامل ، بل و تمنى بلوغ ما بلغته الأمة خلال هذا التاريخ الذهبي ، حتى يتقدس التاريخ الإسلامي و يصبح محل المثل الأعلى لكل التأريخ ، مما يخرج كل ما له علاقة بالإسلام سيرة أو تاريخاً أو فقهاً خارج أى محاولة درس نقدي حقيقي ، فتخفى المعايب و تستفحل النقائص ، بينما هذا التراث المعيوب قد أصبح المرجعية التأسيسية لمثقفى المسلمين ، بل يكاد يكون وحده مطلقا المرجعية لكل شئ و كل شأن . و في مناخ كهذا يكون الأقتراب من هذا الماضي بأى رؤية نقدية تلتزم شروط المنهج العلمي هو اعتداء على ثوابت الأمة ، بينما يتم النفخ في الأمة حتى يجعلونها المُنجز الأول لأى حضاره على كوكب الأرض ، و أن ما نراه من تحضر و رقى في البلدان الحرة ما كان يتحقق لولانا ، أو بالأحرى لولا هؤلاء الأسلاف التراثيين . بينما يتم تقليص التاريخ الوطني ما قبل الغزو العربي الاستيطاني لهذه البلدان حتى يكاد يختفى من التاريخ .

و هكذا تتم برمجة الشعوب الإسلامية بحيث يتجه عداؤهم نحو عدو متفق عليه هو الذي تسبب في فقدنا ماضينا الذهبي ، فيكون الخطأ الكارثي في الوجهة و في التوقيت ، فالوجهة يجب أن تبدأ بتوجيه العيون و الآذان و العقول كلها صوب الداخل أولاً ، و قبل فلسطين و العراق و البوسنة و الشيشان ، بل و قبل الكعبة و المسجد الحرام و المسجد الأقصى ، لأنه بحالنا هذا لن نضيف للكعبة و فلسطين و المسجد الأقصى سوى المزيد من النكبات و الخسائر ، بعكس أن نبدأ مشوارنا الاستيراتيجي بخطوات تكتكية تبدأ بنقد الذات و تقويتها حتى يمكنها أن تتخذ في المستقبل ما يناسب واقع الزمن من قرارات صوابية . و سواء كانت همومنا القومية و الإسلامية التي تشغلنا اليوم ، موجودة في حسابات الزمن الآتي أم لم تكن .

و مع الغضب العارم و الشعور بالقهر و الدونية ، يرفض المسلمون أن يشكوا في ذاتهم بالمرة ، و لا أن يراجعوا مناهجهم و طرائقهم في الحياة ، و يلقون بشكوكهم على الواقع الموجود يخرق العيون و يبهر العقول في بلاد أقامت الفراديس على أرضها ، و يكون الملوم هو الاستعمار و أذنابه من حكام تابعين أو كما يزعمون . إن المسلمين يقرأون الواقع بعد تمريره على ذائقتهم ، و فلترته حسب اختيارتهم و أخيلتهم و تصوراتهم و أوهامهم ، لا كما هو على الأرض ، رغم ما أثبتته كل النعرات و التجارب الثورية إسلامية أو عربية على الأرض عبر تاريخها القديم و الحديث من مظالم و استبداد لحق بعباد الله المسلمين ، دون الكفار في بلاد الغرب الحر الذي يعيشون فردوس الحريات على الأرض ، و ارتكبت مجازر و شنت حروب و انهارت بلاد و سقطت حدود ، و انحسرت قوميات و صعدت أخرى على أشلائها ، في حروب إبادة صفرية متتالية .

نحن مع الأسف نريد إعادة صياغة الدنيا كما نحب نحن ، لا كما هي عليه في واقع الحقيقة . المصيبة أن هؤلاء أنفسهم من يتصورون أن بيدهم كل الحلول السحرية لمشاكلنا فقاموا يدلون بدلوهم في عملية الإصلاح ، ليصوغوا لنا الآتي كما الماضي . بعد مضى أكثر من أربعة عشر قرناً ، جاءوا يعلنون لنا أنهم مصلحون و أنهم سيصلحون ؟ أنظر قارئي ( و أنا و أنت من مساكين هذه الأمة ) ماذا جنى علينا أصحاب الرؤي الطائفية أو القومية ؟ ثم لماذا مادام بيدهم الحلول السليمة التامة لم يصلحوا منذ قرون متطاوله ، رزح فيها المسلمون تحت أنظمة حكم اصطلح علم فلسفة التاريخ على تسميتها بمنظومة الاستبداد الشرقي . لماذا لم يصلحوا بما لديهم من وسائل و أدوات إصلاح لا تبلي و لا تفني ؟ و كانوا أراحوا تاريخنا مما أثقل ضميره من فتن و نوازل هائلة كماً و كيفاً ، و لأدى بدلاً عن ذلك لتقدم هائل ، و كنا سبقنا به العالمين منذ قرون ، بدلاً من وضعنا المزري على جدول سلم الأمم اليوم ، و هو العار بعينه و ذاته .

إن إجابة سؤال الدكتور رفعت السعيد المتكرر : ” ماذا جرى لمصر ” ؟ هي في جانب منها هام مسألة تكوينية بنيوية تكمن في بنية تكوين الأمة و بنية تفكيرها ، فقد تمكنت مصر زمن محمد على و من بعده طيب الذكر الخديوي اسماعيل ، من الخطو نحو الدولة الحديثة المدنية بخطو واثق عبقري ، حتى أصبحت في سنوات قليلة تجربة رائدة ، و مدرسة يأتيها زوار شرق آسيا للتعلم من التجربة ، هم الذين أصبحوا اليوم في المقدمة ، بينما أصبحت مصر و معها عربها يشكلون دملاً مؤرقاً في مؤخرة الأمم ، و العامل الجوهري هنا هو مجموعة صدف نادرة و متوالية خلال حقبة زمنية قصيرة لا تتجاوز النصف قرن ، تمثلت إحداها في ظهور النفط في البلاد العربية ، مما أدى إلى تغير بنيوي مواز هائل ، و حوالى ذات الوقت كانت الحركات العسكرية الإنقلابية قد عمت معظم العالم الإسلامي ، لتفرض حكومات وطنية لكنها فاشية بامتياز ، ألغت من العقول و الضمائر فكرة قبول التعددية المفرطة المتسامحة ، لصالح التعصب للفكرة الواحدة و الزعيم الأوحد و المذهب الأوحد ، مما يسر السبيل بشدة لما عرف بعد ذلك بالصحوة الإسلامية ، و التي عمدت وجودها في مصر بمقتل الشيخ الذهبي ثم التضحية لعيد النصر بالرجل الذي ترك لهم مصر سداحاً مداحاً فقتلوه يوم احتفاله بنصره .

و تمكن البترودولار من إعادة غزو مصر و بقية دول الإمبراطورية الإسلامية السابقة ، بإسلام صحراوي دخلته عادات و تقاليد و أنظمة و مفاهيم عرب قبائل الجزيرة ، بزيادات توازي تراكم أربعة عشر قرناً من الزمان . ليترافق المد البترودولاري بالحرب ضد الروس في أفغانستان ، ثم انتصار الحلف الغربي العربي الأفغاني و انسحاب الروس من أفغانستان ، مما اعتبر في حينها علامة سماوية على صحة المنطلقات و الأهداف ، و وجوب السير في الخطة لأسقاط كل الحكومات الطاغوتية في العالم ، و ما تلي ذلك من تفكك المنظومة السوفيتية كلها . مع ثورة إسلامية في إيران حققت انتصاراً عجائبياً في أيام ، و فشلت حملة أمريكا العسكرية لإنقاذ رهائنها في إيران في صدفة عجائبية أخرى ( و لكل بالطبع عوامله الموضوعية الواضحة لكننا لا نرى سوى العجائب ) ، مع أموال هائلة لم تخف وكالة المخابرات الأمريكية أنها دعمت بها مئات المؤتمرات للصحوة الإسلامية ، إبان حقبة الحرب البادرة تجييشاً المسلمين ضد الكفر الشيوعي ليحاربوا عن الغرب بالنيابة .

كان الإسلام في مصر بعد أن فتحها الغزو العربي ( بمرور الوقت ) قد تمصر ، و مع قيام الدولة الحديثة على يد محمد على أخذ صبغة تسامحية هائلة ، فكنت تجد الجميع متعايشاً ، محبو أهل البيت إلى جوار المتصوفة ، إلى جوار عباد الأضرحة من البسطاء ، إلى جوار أهل السنة ، إلى جوار الأقباط ، إلى جوار اليهود ، و انتهى كل هذا بداية من طرد أصحاب الأصول غير المصرية مع اليهود في الزمن الناصري ، مما سلب عن تلك الأنظمة صفة العلمانية الليبرالية و منحها صفة الديكتاتورية الفاشية بامتياز ، رغم ما رفعته الأنظمة القومية الثورية من أيديولوجية تحارب الإسلام السياسي و تقوم على قيم وحدوية و اشتراكية ، لكن هزيمة هذا المشروع المروعة خاصة في 1967 ، و سقوطه اقتصادياً و فشله التام في تحقيق أياً من أهدافه المعلنة ، فلم يحقق لا عدل اجتماعي و لا مساواة و لا تنمية ، و لا هو ترك البلاد على حالها الأول تسير مسيرها الطبيعي دون قفز على المراحل . بينما انكمش دور العلمانيين الحقيقيين ، خاصة بعدما تراجعوا في النهاية إلى جماعة نخبوية ، و تابع بعضهم السلطة العسكرية و نافح عنها ، و ظل البعض الآخر متهماً بالعمالة للغرب طالما لم يؤيد النظام .

و من ثم كان يسيراً أن يصب هذا كله من بعد تتالى الهزائم و النكسات ، بيد الحركة الجديدة التي لبست هذه المرة زي سدانة الدين و الدنيا معاً ، و مع صحوة ملتبسة بإسلام صحراوي وهابي جاف قاس ، و هو ما لا تعرفه بلاد الخصب و الوفرة في الوديان الخضراء ، تم غزو البداوة لبلاد الخصب مرة أخرى ، بمنهج بدوي لا يسمح بأي سؤال أو رأي ممكن ، طوارئ عسكرية و أمنية و اقتصادية ، لأن القبيلة في موطنها بالبوادي هي في حالة طوارئ دائمة لا تعرف السلم و لا الاستقرار ، هي في سعي وراء خير الطبيعة الشحيح ، و عنده يتقاتلون قتالاً صفرياً ينتهي بسيادة أحدهما و استيلائه على ما بيد خصمه ، و ما بقى من بشر يستعبدهم أو يعسكرهم في قبيلته . لذلك لم تسمح هذه الحركة للقبيلة بغير نظام الحكم الاستبدادي ، لأنه الذي يضمن تماسك القبيلة بصرامه ، في بيئة متوحشة و قاسية ، كذلك لم يسمح لها هذا الارتحال الدائم بأي استقرار ، و من ثم لم يسمح لها بأي إنجاز ممكن .

إلى هذا النهج الصحراوي ارتكس المصريون مع إعادة فتح مصر وهابياً هذه المرة ، و ارتدوا إلى ما قبل زمن مينا موحد القطرين ، لأن المصريين كانوا بدواً رحالاً ذات يوم ، قبل أن تتوحد القبائل و تشكل مئات الأقاليم ، و عبر السنين و الدهور بألوف السنين توحدت هذه الأقاليم سلماً أو حرب حتى أصبحت إقليمين عظيمين بعد حوالي سبعة آلاف سنة من الإستقرار في الوادي ، حتى جاء مينا ملك الإقليم الجنوبي ليضم الإقليم الشمالى ليقيم أول دولة إمبراطورية قوية قائمة بحدودها التاريخية كما هي حتى اليوم ، و قد قام مينا بهذا التوحيد منذ حوالي سبعة آلاف عام مضت ، لكن بفضل الغزوة الوهابية يكون المصريون قد عادوا إلى ما قبل أربعة عشر ألف عام إلى الوراء من تاريخهم في بلادهم ، عاد المصري قبلياً بدويا لا فلاحاً يرتبط بالأرض منتجاً مبهجاً ، و أصبح يعرف نفسه بأنه ابن الحتة و ابن القبيلة و ابن الناحية ، يترك أرضة ويرتحل لأن أرض اللة واسعهة فيهاجر فيها ، منطق بدوى كان هو عيبة العار ذاتة ونفسة ترددها الملحمة الشعبية ( عواد باع أرضة ياولاد *** شوفوا طولة وعرضة ياولاد )، و هي كلها مستجدات على دولتنا الحديثة لم تعرفها مصر القرن العشرين ،ولا قبل العشرين . أصبح كل مواطن قبيلة وحده ، لا يشغله ما يحدث على الأرض في بلاده ، فالقبيلة لا تعرف شيئاً اسمه ( بلاده ) ، لا يشغله سوى نفسه و مصالحه فقط ، مما أدى لما نراه في الشارع من تفشي كل الأوبئة الاجتماعية العلنية رشوة و فساداً يمارس في بلادنا كاعتياد هو الأصل في الأخلاق و ليس الاستثناء ، حتى أصبح الباطل و الكذب و الخداع و السرقة هي العملة المتفق عليها ، هي القاعدة ، أما الشرف و عفة اليد و سلامة الضمير ، فهي عملة جيدة نعم لكنها الاستثناء ، لإنها مؤرقة و مزعجة ، في وطن يتهاوى يعمل فيه كل مواطن بالمثل الشعبي : ” إن وقع بيت أبوك إلحق خدلك منه قالب ” .

إن هذا الانهيار المفزع ليس إلا نتيجة طبيعية للعودة إلى نظام القبيلة البدائي ، و التعصب للعنصر و القبيلة و الدين و المذهب و الأيديولوجيا ، بينما ضاع الجامع الشامل لكل هذه الألوان و الأطياف مللاً و نحلاً و عناصر و أعراق هو ماضاع منا. . . ، ضاع الوطن . . .ضاع طين الأرض بعدما هجرها الفلاح إلى المدينة أوإلى بلاد ابن عبد الوهاب ، وبنينا على ثراها الممتلىء خيرا وطهرا حجرا واسمنتا شائها قبيحا …. ضاعت المواطنة الجامعة ..فإلى اللة وإلى الوطن أشكوكم يا أهلى وناسى ، ويالوعة كبدى عليك ياوطن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق