الحاجز

كنت مستعجلاً ولم يكن الباص كذلك ، فكلما أقلع أشار له راكب على الطريق العام وتوقف له بضجة وصوت قوي تصدره اسطوانات الضغط ، وكذلك عند الإقلاع الذي قد يطول لفصل الأجرة مع الراكب وتعبئة أغراضه في إحدى الخزن أسفل الباص، ووداع الراكب لمودعيه الذين أرهقتهم وطأة الشمس الحادة ، لكن رعشة الفراق سرعان ما تستفيق فيهم وربما تتساقط بضعة قطرات من دمع أسرعت العيون بإسقاطها بقوة المفاجأة التي خدرها الانتظار الطويل على الطريق العام ، والمسافر قد يكون مسافراً لمدة أسبوع أو شهر أو ربما يرجع في اليوم نفسه ناسياً بطاقته الشخصية أو متلقياً خبراً وأنه لا مجال لعمله هذه الأيام وعليه الانتظار ريثما يتصلون به مرة ثانية ، وقد لا يكون السفر هو المبكي ولا مدته، فقد تسقط دمعات الأب لمجرد أن ابنه مسافر بلا وعد محدد في العمل ، بلا أمل ، أو ربما لمجرد أنه يفارق أهله في بلاد الغربة ، أما الأمهات فالبكاء لديهن لازمة طالما نشاهدها من زجاج الباصات التي نسافر بها….

الباص مليء بالناس ، كثير منهم مستمتع بالسرعة ، رغم البطء الشديد الذي يقارن بسرعة مشي أيام زمان أو سرعة الحصان أو الدواب التي كان يسافر عليها إلى المدينة…..

حركة الباص تهز الركاب ، الفتاة والعسكري وأنا نهتز ، نحاول الحدّ من حركة الاهتزاز أنا والعسكري ، لكن الفتاة تنجح بالاستقرار أكثر منا ، بقية الركاب ينوسون بحركة شديدة غير مبالين ، كلٌ ساهمٌ في شؤونه ، أنا والعسكري ننظر إلى الفتاة السمراء المحجبة وهي تتجاهلنا ، العسكري يتشاغل بالنظر عبر النافذة إلى خارج الباص لكنني أحس بعينيه القويتين الموجهتين إليها، وأنا أنظر إلى الأمام متشاغلاً بالاستعجال ولحظ وجه الفتاة الصافي ، تبدو مهمومة هي أيضاً ، لعلها أول فتاة تخرج من طوق البيت لتعلّم في الريف ، المسافة طويلة… تُرى هل تقطعها كل يوم ذهاباً وإياباً أم أنها تبيت في القرية التي تُعلّم فيها ، لا أظن إنها تجرؤ على المبيت خارج المنزل ولو كلفها الذهاب والإياب راتب الشهر كله ، إنها متوترة كأنها أول فتاة تخرج للعمل خارج المنزل وتقطع سلسلة طويلة من النساء المتواريات خلف الأبواب الموصدة ، تُرى كم جيل مرّ حتى استطاعت العمل خارج البيت ، ما عدد النساء قبلها اللواتي انتهى الأمر بهن إلى الضرب أو التزويج المبكر أو ربما القتل على يد أخٍ طائش لم يحتمل تلميحة من أحد سكان الحارة حول أخته …

إنها مثقلة ومتحفزة مثل شرنقة تخرج للمرة الأولى،مئات السنين توقفها هذه السمراء المرتجفة إلى حد منع نفسها من الاهتزاز مع الركاب،لا تبدو ساذجة ولا يظهر عليها الإحباط ، أو الرغبة في البكاء ، لا تريد أن تنظر إلينا ، إنها واثقة من نفسها غير مبالية بأجيال النساء الخجلات اللواتي انتهت سلسلتهن بإنجابها …..

العسكري مايزال فتى صغيراً حليق الرأس تبدو من هيئته حداثة عهده باللباس الكاكي ، لكن عينيه قويتان لا يوفر لحظة واحدة في محاولة استمالة الفتاة التي تنظر إلى الأعلى ، يشعر بأنها ستتهاوى أمام شاراته العسكرية ، تنتابه موجة فخر فيرفع صدره ورأسه يتنفس بعمق وهو يحاول لفت نظر الركاب إلى مكانته ، تُرى هل يخطط هذا الفتى لمعركة كبيرة يخوضها ضد العدو أم أن الأمر كله من أجل إغواء الآخرين بمظهره القوي ليتوطد شعوره بالثقة أمام الناس العزّل ، وإذا حاولوا التطاول عليه هل سيركب دبابته مثل الآخرين ،للهجوم عليهم ،حتماً لا يرضى إلا أن يكون الآمر … حياته ، بدنه القوي ، سلاحه، الاندفاع نحو مراكز القوة ، كل ذلك يلح عليه ……

الفتاة السمراء لم تنجذب إليه بعد ، ربما يكون السبب في أنها لا تجرؤ على الالتفات إليه ، لو رأته لما استطاعت كتم انبهارها بشاراته وبنيته القوية ، هل سيضجر من الانتظار ويقوم إليها ودون استئذان يقطف قبلة من فمها الصغير المعقود بصمتٍ و اغراء ،هؤلاء العسكر لا يطيقون الانتظار … سوف يبادر إلى شيء ما ، لو كان لديه مسدس لأخرجه وطقطق به بحجة تفقده و أعاده إلى حزامه …

أخرجت كتابي الجامعي وقلّبتُ به ..عنوان الكتاب جعلته باتجاهها لعلها تقرأ تخصصي الذي أنوي التخرج منه ، تخصص الطب ، تخصص مرموق تذوب أمامه أجمل الفتيات وإذا لم يعنهن ذلك فإن أمهاتهن تدفعهن إلى المبادرة ،حيث المكانة والعيش المريح …

هذا الفتى ماذا سيفعل لها مستقبلاً ، إن مهنته تعرضه للحوادث أو الضياع دائماً ، إما أن يموت على حدود الوطن ويصبح شهيداً،وهذا نادر هذه الأيام،أو أن يكون مجرد مهني يداوم وينصرف كل يوم في حلقة مفرغة من نقاشات المصروف والتوفير مثل أي موظف حكومي بسيط ..!! أو أن يكسر عجلة الفراغ والتكرار ويشترك بانقلاب ويفشل وتكون نهايته على شكل قطع صغيرة يجعلونها تأكلها مطبوخة إذا كانت زوجته….أما إذا نجح انقلابه فسوف تتهافت عليه النساء من كل حدب وصوب ، ولن يكون نصيبها إلا الإهمال والاحتراق بالغيرة إذا كانت نزيهة ،أما إذا فقدت صبرها فسوف تتفنن باختيار السائقين والحُجّاب ، لتمضي معهم سنين انتظارها التي لا تنتهي ….

عندما صعدت الآنسة، صاح السائق على معاونه فأجلسها في مكان قبالته وأمره بتغيير اتجاه المرآة المعلقة فوقه ليرى يمينه كما زعم ، لكننا عرفنا أنه وجهها إلى الفتاة الساهمة أمامنا ، صاح على معاونه بأنه لم يعد قادراً على التوقف وأخذ يزيد السرعة كأنما الفتاة حركت دماءه التي كانت متثاقلة وأمر أحد الركاب ممن يصطحبون معه معزى صغيرة أن يخرسها أو ينزله مع معزته على الطريق مستغنياً عن أجرته!

–عندنا باص مو سيارة شحن!!

–العمى بعيون المعاون اللي طالعك!!

–ولك يا إبراهيم كيف طالعت هالمعزاية ؟ شو مفكرنا!!

رد المعاون بخجل وخشية غضب معلمه

–قلتلك يا معلم قبل ما أطالعها!!

رفع صوت آلة التسجيل بأغنية غرامية مليئة بالآهات والغراميات واندفع بالباص غير آبه بالركاب الذين يؤشرون له كل مسافة.

–بدنا نوصل بكير!!

وبدون مقدمات فتح الحديث مع الآنسة حول ظروف عمله وحياته ،لكنها لم تستجب له إلا بنعم أو لا ،كل حين!!
التفتت إلينا،كانت عيناها سوداوين واسعتين وببياض ناصع،ابتسمتُ لها وتنحنح العسكري واستيقظ صاحب المعزى من غفوته، ورفع رجل ملتح صوته بالتسبيح، وزاد السائق سرعته ،وقال شاب لا يكف عن الحديث لجاره في المقعد:

–ما أحلاها!!

مددت إليها يدي بصحيفة لتقرأها ، تناولتها قلّبتها قليلاً وأعادتها إلي بابتسامة ناعمة..

أخرج مسدسك أيها العسكري وأطلق طلقتين بالهواء احتفاء بإخفاقي!!

عند الحاجز تهادى الباص وتوقف في آخر صف طويل من السيارات المنتظرة،جاء جندي وأمر الواقفين في الممر بالنزول ريثما يأتي المعلم،انتشى العسكري الذي معنا رفع رأسه مشحوناً بقوة استمدها من أجواء الدبابات والخيم المحيطة بالطريق العام ، تلمست بطاقتي الشخصية ،دق قلبي،الفتاة اضطربت متوجسة،العسكري ازداد انتعاشه بدفق القوة،تأخر المعلم الذي سيفتشنا ، أحد الركاب سأله عن معلمه قال إنه هناك خلف الخيام ،يبدو أنه يعاني من إمساك يطيل جلوسه خلف التلة، سألتُ الفتاة هل تمر على هذا الحاجز كل يوم ، كانت مضطربة أشارت برأسها مؤكدة بمرارة أنها تمر مرتين ورغم ذلك لا تستطيع أن تبيت في القرية التي تدرّس فيها،قلت:

–حتماً أهلك ما يزالون متخوفين من مبيتك خارج المنزل!!

ابتسمت موافقة ودار الحديث بيننا عن سنة تخرجها وكيف وافق أهلها على عملها ولولا أجواء التوجس لتحول الحديث إلى بعض الفكاهات ، ضرب العسكري المقعد الذي أمامه بقبضته القوية ، تحول كبرياؤه إلى شعور بالحنق مع الزفير المسموع كلما سار الحديث مع الفتاة بوجهة جديدة…

جاء المعلم ، كان وجهه مصفراً نظر إلينا واحداً واحداً باحتقار واستخفاف،رأى المعزى في الممر ورغم صمتها أمامه انفجر على صاحبها بالتحقير والتوبيخ وأمره بالنزول هو وعنزته ، لم يستطع الرجل نتيجة ذعره التمسك جيداً بالعنزة التي ولّت هاربة وأثارت الهرج بين المنتظرين والجنود، كان المعلم يشعر بالاستياء الشديد ربما لأنه لم يتمكن من التغلب على الإمساك خلف التلة أو لأنه ساخط بسبب المجيء إلى هذه النقطة ، تناول عقال الرجل من على رأسه وصار يضربه أمامنا ، الرجل صامت والمعلم ينهال عليه بالصفات المقذعة ، المعزى توارت واختفى صوتها ، كانت رؤوسنا تنحني إلى الأمام لم نعد ننظر إلى بعضنا ، حتى العسكري الذي معنا انحرف ببصره هارباً به عبر زجاج النافذة المجاورة له ،الفتاة صامتة ،السائق واجم و أنا لا استطيع النظر حتى إلى الكتاب الذي كنت أتفاخر به ،أقلع الباص بدون أغان وبدون هرج ومرج بين الركاب وبدون معزى الرجل المضروب على وجهه ، خطوط حمراء تتصالب على خديه وجبهته،شعره مشعث ،كوفيته منثورة على كتفيه، كان يغالب سقوط دموع تجول في عينيه،لم يعد الباص يكترث بالواقفين على الطريق العام ، أطلت المدينة من بعيد ، وجدت نفسي أسأل الفتاة من جديد :

–كل يوم تذهبين هكذا إلى المدرسة!!

كنت مذهولاً لكنها ابتسمت متفوقة بشعورها علينا:

–أجل كل يوم!!

نزلنا من الباص متفرقين، العسكري مرّ بسرعة كأنه يهرب من إحساسنا تجاه زميله،الركاب انتشروا في الكراج واحداً واحداً بلا صياح أو كلام أو ملاسنة مع المعاون، وأنا لم أستطع التحدث إلى الفتاة التي نزلت إلى رجل عجوز ينتظرها رغم أنها أعطتني فرصة قصيرة لقول جملة أخيرة ،لكن الرجل صاحب المعزى مرّ بيننا خلالها!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This