حقوق الاٍنسان باعتبارها منهجيّة للتّفكير في المعقّد والمتعدّد

تميّزت حقوق الاٍنسان في النّصف الثّاني من القرن الماضي بقدرة على تطوير المعرفة العمليّة بواقع عالمنا وعلى بلورة مفاهيم وقيم وأدوات لمحاولة تغييره. لقد أدّت هذه المغامرة المعرفيّة والنّضاليّة ،وبنسب متفاوتة من النّجاح والاٍخفاق، اٍلى مساءلة الخطابات السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة السّائدة واٍلى محاولة تفكيك منظومات الهيمنة والاستبداد واقتراح رؤى وحلول لأوضاع تحول دون تمتّع الاٍنسان بالحرّيات.

اٍنّ انجازات حقوق الاٍنسان التي دوّنت في عدد هائل من النّصوص الدّوليّة والاقليميّة والوطنيّة، لم تكن نتاج نسق تاريخيّ تصاعديّ أو رؤية تطوّريّة، بل كانت على العكس من ذلك تعبيرا عن توتّرات العصر وعن التّردّد بين التّقدّم والتّراجع وبين الاٍنسانيّة والبربريّة، وبين رغبات الحياة ونزعات الموت وبين الانفتاح والانغلاق، وبين مشاريع التّحرّر وفرصه والايديولوجيات الشّموليّة، وبين التّبشير بسلطة العقل والتّقنية المطلقة والهوس بعوالم الغيب والغموض. هذا الوعي بالتّردّد هو الذي ينتج هويّة غير جامدة أو مطلقة، هويّة متحرّكة على الدّوام تتغذّى في بحثها عن الوحدة (هنا وحدة فكرة حقوق الاٍنسان) من قدرتها على الانتباه اٍلى تناقضات واقع المجتمعات وأسئلته المختلفة. هويّة تنصت في الآن ذاته اٍلى ما هو معقلن وغامض في الاٍنسانيّة.

اٍنّها مقاربة لمفهوم الهويّة تجمع بين الوعي بما هو نفسه والاٍنصات للمختلف والمتناقض من خلال أسئلة الذّات والحركيّات الاجتماعيّة.

لقد قامت “هويّة” فكرة حقوق الاٍنسان على محاولة بناء رؤية للوحدة، قد نسمّيها الكونيّة، من خلال الانفتاح على تعدّد وقائع المجتمعات وتعقّدها ومن خلال محاولة بلورة أجوبة مخصوصة لأوضاع تاريخيّة تعيشها الأفراد والمجموعات. فالحقوق المدنيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة وحقوق الشّعوب وحقوق التّضامن وحقوق المهمّشين وغيرها هي في حقيقة الأمر توثيق اٍنسانيّ لتجارب ورغبات تحرّر ومحاولة معرفيّة لاٍدماج مفهوم الحقّ في معالجة علاقات المجتمعات بمفهومي السّلطة والحاجة. ولقد مرّت حقوق الاٍنسان من مفهوم الاٍنسان المجرّد اٍلى الاٍنسان في علاقاته الاجتماعيّة ومن الاٍنسان المطلق اٍلى الاٍنسان التّاريخيّ.

لقد جعلت نصوص حقوق الاٍنسان من مفاهيم “السّعادة” و”الرّفاه” والحماية من “الخوف” و”الفاقة” مطلبا جوهريّا لكلّ النّضالات من أجل حقوق الاٍنسان. ولهذه المفاهيم أبعاد رمزيّة ومعرفيّة ولكنّها قد تتحوّل كذلك اٍلى برنامج عمل من أجل الاٍنسان اٍذا وضعت في سياقاتها المجتمعيّة والتّاريخيّة واٍذا تمكّنا من صياغة المنهجيّات التي تعتمد قراءة منفتحة ومتعدّدة للواقع. اٍنّها المعاني التي نقرأها في تأكيد روني كاسان، أحد واضعي الاٍعلان العالمي لحقوق الاٍنسان، على أنّ حقوق الاٍنسان هي “برنامج عمل أبديّ”.

ولكنّ هذه الرّؤية اٍلى حقوق الاٍنسان بوصفها أفقا لهويّة منفتحة على الواقع والتّاريخ وبحثا عن الوحدة من خلال تعدّد التّجارب الاٍنسانيّة، تعترضها مجموعة من المآزق/ الأسئلة المعرفيّة والمنهجيّة في مجتمعاتنا.

ويتمثّل أوّل مأزق/سؤال في الأصوات التي ما زالت تنزع عن حقوق الاٍنسان تاريخيّتها وتحوّلها اٍلى ما يشبه الايديولوجية الجديدة والمتسامية على “أدران” الواقع وحياة النّاس.

أمّا المأزق الثّاني فهو نتاج رغبة حقوق الاٍنسان في تسمية كلّ الأشياء. هذه الرّغبة واٍن مكّنت حقوق الاٍنسان من اكتشاف قيمة التّعدّد وأصّلتها نظريّا، فاٍنّها أنتجت في المقابل خوفا من ضياع الوحدة ( هويّة الحركة).

أمّا المأزق/ السّؤال الثّالث فهو مدى قدرة منظّمات المجتمع المدنيّ المهتمّة بحقوق الاٍنسان على تمثّل هذه الهويّة المتعدّدة وتحويلها اٍلى منهجيّة معرفة وعمل مستمرّة.

{{1. هويّة حقوق الاٍنسان وسؤال تاريخيّتها:}}

تتّهم حقوق الاٍنسان في مجتمعاتنا بخضوعها اٍلى سياسة المكيالين وازدواجيّة المعايير. ولهذا الاتّهام ما يبرّره حين نمعن النّظر فيما تقوم به عديد القوى الدّوليّة من ممارسات تخضع شعوب المنطقة لأشكال من العنف والاحتلال وعندما نمعن النّظر في هيمنة منطق المصلحة المتوحّشة على غيرها من مفاهيم العلاقات الدّوليّة التي بشّر بها ميثاق الأمم المتّحدة ومواثيق حقوق الاٍنسان.

اٍنّ سياسة المكيالين هي أحد المداخل لتدمير هويّة حقوق الاٍنسان وجعل الأفراد غير قادرين على تمثّل مفاهيم الكرامة والعدالة والحرّية والمساواة في حياة مجتمعاتهم وفتح حوار داخل مسارات التّاريخ مع المجتمعات الأخرى حول شروط المشترك الاٍنسانيّ.

اٍنّ استعمال حقوق الاٍنسان لتبرير الهيمنة والعنف والمعالجة الأمنيّة المطلقة لقضايا تندرج في حقيقة الأمر في اٍطار التّفاوض حول معاني حقوق الشّعوب، يخلق أجيالا من النّاس الذين يتحرّكون في دائرة ردّ فعل الجموع المستلبة، وهذه الجموع تهدّد بدورها منطق حقوق الاٍنسان ومشروعها التّاريخيّ.

وينضاف اٍلى ازدواجيّة المعايير ما أسمّيه انفصام المعايير. لقد أصبحت مجتمعاتنا تتميّز بتناقض عجيب بين رفض الاستبداد والفساد والتّفقير والتّهميش من جهة والهجوم على حقوق الاٍنسان والتّشكيك في مفاهيمها وكونيّتها من جهة أخرى. فهناك مطالبة بحقوق الاٍنسان والدّيمقراطيّة واٍنكار للأدوات التي تتحقّق من خلالها. اٍنّها مرتبة قصوى في الانفصام التّاريخيّ للمجتمعات التي أصبحت غير قادرة على الجمع بين رغبة الحرّية وتجربتها في الواقع.

اٍنّ هذا التّناقض هو نتاج عدم قدرة على اٍدراك هويّة حقوق الاٍنسان في تاريخيّتها. لقد أصبحت الحقوق في نظر العديد من النّاس جسدا غامضا ومبهما وخطابا ينحصر في نخبة تتّهم في غالب الأحيان بارتباطها بجسد “الآخر” الغريب/ الغربيّ.

ولا يقتصر العجز على تملّك وعي بالتّاريخ وتحليل ظواهر عالمنا تحليلا نقديّا على هذه الأسباب “الخارجيّة” بل اٍنّ سيطرة منطق الاستهلاك المتوحّش على مجتمعاتنا واستلاب المشهد للحيوات أضعف القدرة على الاٍنصات للتّجارب الاٍنسانيّة واستقبالها ومحاورتها لبناء “المشترك الاٍنسانيّ”. اٍنّ منطق الاستهلاك يفرغ قيمة التّضامن والعمل الجماعيّ على حماية الاٍنسانيّ من معانيها ويدفع النّاس اٍلى عزلة الأنانيّة والانغلاق.

وتزداد العوائق التي تمنع النّاس عن تمثّل تاريخيّة الحقوق وعيشها في الواقع حدّة بسبب وجود رؤية تعتبر حقوق الاٍنسان منظومة مختصّة ونخبويّة ومتطوّرة باستمرار تسهر مجموعة من النّخب المتملّكة لأسرارها على اٍعمالها في الواقع وحماية “الضّحايا” وتحقيق “الخير” للمجتمع.

اٍنّ ثنائيّة “الضحيّة” المتلقيّة لخدمات حقوق الاٍنسان و”المنقذ” المتسلّح بفهمه لعوالم الحقوق هي مدخل لهيمنة رؤية مراتبيّة جديدة وتسلّطيّة تمنع عامّة النّاس عن المشاركة في صياغة حقوق الاٍنسان في الواقع التّاريخيّ. فالحقّ في المشاركة لا يمكن أن يقتصر على تلقين النّاس أبجديّات هذا الحقّ واستعمالهم في مشاريع حقوق الاٍنسان كجمهور “مستفيدين” أي مستهلكين لخدمات حقوق الاٍنسان. ولعلّ كلّ من عمل في مجال التّربية على حقوق الاٍنسان والتّدريب عليه يدرك تهافت هذه الرّؤية. فكم من عامل في مجال حقوق الاٍنسان يفتقر اٍلى مقوّمات الثّقافة المجتمعيّة ويرزح تحت أثقال الأفكار المسبّقة ويعارض مبادئ المساواة والكرامة والعدالة والحرّية حين يتعلّق الأمر بمناقشة المواضيع الاجتماعيّة والثّقافيّة والدّينيّة المعقّدة والتّابوهات.

يقوم بناء هويّة منفتحة ومتعدّدة لحقوق الاٍنسان على بيداغوجيّة أخرى تنقلنا من علاقة “الضحيّة” و”المنقذ” اٍلى علاقة مساواة في المشاركة في فهم الواقع وتحليله وبلورة رؤى ومقترحات مشتركة تستمدّ شرعيّتها من حركيّة المجتمعات وأسئلتها. اٍنّها بيداغوجيّة الاٍنصات اٍلى التّجارب الاٍنسانيّة في كامل تعقّدها بعيدا عن منطق الخير المطلق والشرّ المطلق وتبادل هذه التّجارب واٍدماجها في سعينا الخاصّ اٍلى التّحرّر.

لقد تحوّلت أنشطة ثقافة حقوق الاٍنسان والتّربية عليها أحيانا اٍلى تمارين تدريبيّة حول المعايير والآليّات وإلى استعراض مملّ للمفاهيم بدون وضعها في سياقاتها التّاريخيّة المعقّدة والمربكة.

اٍنّنا في حاجة اٍلى ثقافة لحقوق الإٍنسان تستمدّ أسئلتها من حركة الواقع وتمتحن المفاهيم وتحوّلها اٍلى برامج عمل مشتركة.

كما يقوم بناء هويّة حقوق الاٍنسان على بلورة بيداغوجيّة لفتح حوارات مجتمعيّة متواصلة حول مفهوم الكونيّة. حوار جريء واٍبداعيّ لا يهاب مواجهة مؤسّسات الهيمنة السّياسيّة والثّقافيّة والايديولوجيّة بل يمتحنها من خلال أدوات وأسئلة وتكتيكات حوار تستمدّ قوّتها من تحليل دائم لتحوّلات الواقع. فتأسيس فهم مشترك للكونيّة لا يمكن أن يعتمد على تكرار للمفاهيم المجرّدة والمطلقة بل يجب أن يفتح مفاهيم حقوق الاٍنسان على أسئلة التّجارب التّاريخيّة في أبعد خصوصيّاتها. اٍنّها الكونيّة التي تتغذّى من خصوصيّات التّجارب وتستمدّ شرعيّة هويّتها منها، وليس من محاولة اعتماد الخصوصيّات الثّقافيّة والدّينيّة بشكل تلفيقيّ وتبريريّ لا تنطلي حججه على أحد.

ويقوم بناء الهويّة كذلك على استعادة الأدوار التّاريخيّة التي قامت بها حقوق الاٍنسان في مراحل متعدّدة واقترحت من خلالها حلولا تاريخيّة لأوضاع اجتماعيّة مخصوصة.

فكأنّنا بحركة حقوق الاٍنسان قد ركّزت على بعد واحد من أبعادها وهو التّعامل مع انتهاكات حقوق الاٍنسان والتّنديد بها واقتراح حلول جزئيّة لها في حين أهملت نسبيّا أدوارا أخرى لا تقلّ أهمّية. ونعني بهذه الأدوار الوقاية من الانتهاكات واقتراح سياسات بديلة للسّياسات السّائدة وبناء تحالفات من أجل الحرّيات واٍنعاش قيمة التّضامن الاٍنسانيّ وبناء فكر نقديّ وحرّ يستلهم مبادئ حقوق الاٍنسان والتّربية على المواطنة وبلورة حلول للأزمات الاجتماعيّة ومواجهة التّهميش وانتهاك الكرامة.

اٍنّ الاقتصار على دور واحد من أدوار حقوق الاٍنسان يؤدّي بهويّة حقوق الاٍنسان اٍلى الانغلاق ويساعد قوى الهيمنة على احتواء خطاب حقوق الاٍنسان وتحويله اٍلى اختصاص من الاختصاصات مثله مثل بقيّة الخطابات.

{{2. هويّة حقوق الاٍنسان وأسئلة التّسمية:}}

لقد استمدّت حقوق الاٍنسان خصوصيّة هويّتها من قدرتها على تسمية الأشياء. فمعايير الأمم المتّحدة ووكالاتها المتخصّصة وأعمال لجانها التّعاقديّة وتعليقاتها ونصوص المنظومات الاقليميّة وغيرها هي الوعاء الحاضن لرغبة في تسمية كلّ أنواع الحقوق واقتراح أدوات عمليّة للنّهوض بها في تكاملها وعدم تجزئتها.

ولقد أدّى الجهد المعرفيّ والتّقنينيّ الهائل الذي قامت به نظريّة حقوق الاٍنسان اٍلى اٍدماج عديد الفئات الاجتماعيّة في عالم حقوق الاٍنسان المفهوميّ واٍلى توسيع تعريف دائرة أصحاب الحقّ والمسؤولين عن اٍعمال الحقّ.

اٍنّ الرّبط بين الحقوق المدنيّة والسّياسيّة والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة وبلورة أبعاد الحقّ في التّنمية وحقوق الشّعوب وصياغة تعريفات مبتكرة لحقوق فئات ظلّت مهمّشة لفترات طويلة من دائرة حقوق الاٍنسان ، كلّها أعمال وسّعت من تعريف حقوق الاٍنسان وطوّرت تعدّدها.

كما أنّ توسيع تعريف المسؤولين عن الحقّ والمتمتّعين به وأدوات اٍعماله قد وفّرت اٍطارا مفاهيميّا وقانونيّا هامّا لتطوير نظريّة حقوق الاٍنسان.

ولكنّ رغبة تسمية كلّ الاشياء تتضمّن مأزقا وهو خطر ضياع الوحدة التي تعرّف مثلما رأينا سابقا أحد عناصر الهويّة.
فاين هي حقوق الاٍنسان اليوم؟ ومن هو المسؤول عن اٍعمالها؟ وهل تبلورت في واقع المجتمعات أدوات تاريخيّة محدّدة لتمكين كلّ النّاس من التّمتّع بها على قدر تامّ من المساواة؟

اٍنّ اٍدماج حقوق الاٍنسان في ميادين مثل الصّحّة والتّعليم والسّكن والموازنات والهجرة واللّجوء ومعاملة الأحداث واٍدارة الموارد كانت تعتبر حكرا على الاٍدارة العموميّة والسّياسات الأمنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الرّسميّة، أمر هامّ. ولكن هل يقوم هذا المجهود عندنا على عمل استراتيجيّ بعيد المدى وعلى رؤية سياسيّة حقيقيّة أم هو مجرّد عمل شكليّ؟ وهل صاحب هذا الادماج مجهود آخر لاقتراح مناهج عمل تجعل الاٍنسان محور هذا التّحوّل وغايته؟

اٍنّ المقاربات الحقوقيّة تمثّل أحد اهمّ مظاهر التجديد الذي وسّع هويّة حقوق الاٍنسان ونزلها اٍلى واقع النّاس المعيش، ولكنّها تحتاج اٍلى مجهود متواصل لبناء ثقافة استراتيجيّة لمثل هذه المقاربات. ثقافة لتحليل الأسباب العميقة للهيمنة واللاّعدالة وامتهان الكرامة وصياغة أجوبة ومقترحات محدّدة تحوّل المقاربات اٍلى استراتيجيّات للعمل المدنيّ. ولا يمكن لهذه الثّقافة أن تتوسّع دون قيام تحالفات استراتيجيّة بين منظّمات التّنمية والمنظّمات الاجتماعيّة ومنظّمات حقوق الاٍنسان. وتنبني هذه التّحالفات على رؤية منفتحة للتّعدّد وقدرة على قبول الآخر في اختلافه.

{{3. هويّة حقوق الاٍنسان ومنظّمات المجتمع المدنيّ وسؤال الاستمراريّة:}}

اٍنّ التّأكيد على أهمّية تأسيس رؤية لهويّة لحقوق الاٍنسان تكون مرتبطة بوحدتها ( الكونيّة) ومنفتحة على تعدّد مسارات التّجارب التّاريخيّة، يعيد وضع حقوق الاٍنسان في اٍطار الحركيّات القيميّة والسّياسيّة والاجتماعيّة.
ولعلّ المجتمع المدنيّ بقدرته نظريّا على فتح الحوارات المجتمعيّة واٍسماع صوت من انتهكت حقوقهم وتوفير آليّات اٍعمال الحقوق والنّهوض بثقافتها واقتراح سياسات اٍنسانيّة بديلة، هو الاٍطار الأمثل لتحقيق هذه الرّؤية.

ولكنّ تطرح أسئلة عديدة على عالم المجتمع المدنيّ. فالتّعدّد الذي سبق وأن ذكرناه في مواضيع حقوق الاٍنسان والمسؤولين عن اٍعمالها والمتمتّعين بها، يصحّ أيضا على منظّمات حقوق الاٍنسان المعنيّة بقضايا حقوق الاٍنسان. فما هي منظّمات المجتمع المدنيّ التي تعتبر منظّمات حقوق اٍنسان في هذه الأجواء المتداخلة الغائمة التي تتواجد فيها منظّمات بالغة التّخصّص ومنظّمات شبه حكوميّة ومنظّمات فرديّة وعائليّة؟

اٍنّ تعدّد تعريفات حقوق الاٍنسان يقابله تعدّد آخر في تعريف المنظّمات التي تخدم أهدافها. ولعلّنا في حاجة اليوم اٍلى منهجيّة معرفيّة لتحديد الفاعلين في مجال حقوق الاٍنسان وأدوارهم.

أمّا السّؤال المنهجيّ الآخر الذي يطرح فهو سؤال الاستمراريّة. فاٍذا سلّمنا بأنّ اٍعمال حقوق الاٍنسان هو رؤية ورسالة واستراتيجيّات بعيدة المدى، فاٍنّ ذلك يطرح سؤالا حول حقيقة توفّر وعي و ظروف تحقّق استمراريّة منظّمات المجتمع المدنيّ للقيام بدورها. فالاستمراريّة لا تنحصر في مجرّد توفير الموارد الماليّة بل هي عنصر أساسيّ لبناء رسالة المنظّمات وتعريف هويّتها المخصوصة ومأسسة عملها في قلب الحركيّات الاجتماعيّة.

ويأخذ السّؤال كامل أبعاده في ظلّ التّشكيك في دور منظّمات المجتمع المدنيّ ومطالبتها بالبرهنة على أثر أنشطتها في المساهمة في تحويل المجتمعات وبروز ظاهرة التّنافس على الموارد الماليّة الشّحيحة.

اٍنّ للاستمراريّة قواعد أساسيّة تعرّفها وهي حيويّة المنظّمات وقدراتها المؤسّسيّة وضمان أمان واستقرار تمويلها وفاعليّة برامجها ( القيمة المضافة اجتماعيّا) وأثرها المتواصل في المجتمع.

لذلك فاٍنّ لاستمراريّة المنظّمات علاقات وثيقة برسالتها وتحديدها لدورها الاجتماعيّ وقدرتها على بناء منظومة لمتابعة حركيّة المجتمعات والتّأثير المتواصل فيها.

ولكنّ للاستمراريّة بعدا أساسيّا آخر يتمثّل في أخلاقيّة العمل. فالمنظّمات التي نشأت لمواجهة التّسلّط والهيمنة والمصلحة المتوحّشة، والتي حدّدت هويّتها على أساس اقتراح سياسات اٍصلاحيّة، لا يمكن أن تعيد اٍنتاج نفس آليّات السّلطة التي تنتقدها وتقاومها.اٍنّ البحث عن هويّة متفرّدة لحقوق الاٍنسان لا يمكن أن يتحقّق اٍذا أهمل البعد الأخلاقيّ وتم تهميش مسؤوليّة المنظّمات تجاه مجتمعاتها.

فبناء الاستمراريّة بصفتها عنصرا أساسيّا من عناصر الهويّة يتطلّب من المنظّمات عملا معرفيّا وممارسة لجعل ديمقراطيّة التّسيير وشفافيّة اٍدارة الموارد والمحاسبة ثوابت في تعريفها لدورها.

{محاضرة قدّمت في ندوة ” حركة حقوق الاٍنسان العربيّة: الأسئلة والتّحدّيات الرّاهنة”، وقد نظّمها مركز دراسات حقوق الاٍنسان والدّيمقراطيّة في مدينة مراكش ( المغرب) من 14 اٍلى 16 مارس 2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق