المائدة

إلى شوقي أبي شقرا

فكّرت في الأشياء حولي
وهي تجلس فوق مائدة الظهيرة
صحن من الزّيتون أخضر ظلّ حبّ منه يصنع في أناة زيته،
قطع من السّمك المملـّح والخضار،
مكعّبات الثّلج تطفو في زجاجة “سنغريّا”،
سلـّة الأعناب والمانجا الملاعق والسّكاكين الكؤوس،
شرائح اللحم المتبّل والبطاطس،
خبز سيّدتي المحمّص…
قلت يكفيني ثلاث أصابع لأعيد تشكيل الحياة،
وريشة وبريّة، لأردّ شاردها
وأمسك ذيل قافية،
وقلت يدي قوادم طائ، بصماتها لطخات حبر في البياض،
وقلت كيف نسيت إيكاروس وهو يطير صوب الشّمس
 في “مخطوط تمبكتو”؟
ومن عجل نسيت ملوك أوتيكا وقد جلسوا المساء إلى موائدهم،
وما همّوا ولا شربوا
وقالوا: “سوف ننتظر الغريب”، وكان فيهم واقفا بقناعه الخاوي؟
وكيف نسيت من لهف عصا شوقي أبي شقرا،
وقد لبست طريق النهر، كي تجري
على الأمواه كالأخشاب؟ كيف؟
وكنت أهبط في سماء التّين والأعناب،
كان جناحي المصنوع من شمع يذوب،
وكنت أعول دون صوت (كان بي شيء من الأسماك وهي هناك
تصرخ في جدار مصمت أعني قرار النّهر)، أهبط قرب دارتنا
كأنّي أحفن الأسماك في نبع، وأبقار تلاطف طفلة وقفت
على جنب الطّريق، كأنّها أختي (وخفت عليك، سوف يطلّ
من باب الحكاية ذئبها، بلباس جدّتنا ونظّاراتها
)! عودي
وأمّي وهي ذاهلة تعـدّ حقيبتي وتخيط أزراري
ونحن معا نداري دمعنا
والفجر أرض (كم على خطّ الـّذرى من هوّة ووهاد أودية سيقطعها
حصاني ؟)
كيف من خرف نسيت الحرفة القدمى، وأنّ عشيرتي زرعوا الكروم
وما زرعت ولا جنيت؟
ولي يد كانت تقيس الظلّ؟
هل فكّرت في الأشياء حقّا؟
أم هي الأشياء جالسة تفكّر في الشّبـيه
وتستردّ حياته وحياتها؟

بابان ينفتحان في آن معا:
القيروان (وكان باب السّور أزرق في الصّباح، وكنت أحمل سلّتي الملأى
إليك، أقول قد أخذت بأيدينا الحياة كما تشاء،
ولم نكن بجرائها
ورمت إلينا بالعظام
ونحن نمسك يا بنيّ خيوط  طيّاراتنا أعلى فأعلى
وهي تحملنا )
 وبابك أنت خارجة من الحمّام ضاحكة: “شربت السّنغريّا كلّها؟ “
فكّرت فيما كنت تغتسلين من وعثاء رحلتنا الأخيرةش

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This