المصائر المختلفة لحضارتين عبر مثالي ابن رشد وتوما الإكويني

لقد استيقظت أوروبا مع الحروب الصليبية، التي أطلق الدعوة إليها البابا أوربان الثاني في عام1095،بعد هزيمة البيزنطيين أمام السلجوقي (ألب أرسلان)في معركة منزيكرت عام 1071،وهو ماكان انذاراً باختلال التوازن القلق لصالح المسلمين  في آسيا الصغرى الذي كرسه صمود وعدم سقوط القسطنطينية أمام الحصارات المتتالية زمن الأمويين(670،674،715) ،فيماكان سقوط طليطلة بيد الإسبان في الغرب الأندلسي عام1085 تعبيراً عن بداية اختلال التوازن الذي كرسته معركة بواتييه 732التي وضعت هزيمة المسلمين فيها،عند وسط فرنسة، سقفاً للامتدادات الاسلامية في البر الأوروبي.
في هذا الإطارالغربي،أتت النزعة السكولائية التي بدأها القديس أنسلم(1033-1109)،ذو الفكر السجالي ضد الإسلام،ثم بلغت ذروتها مع القديس توما الأكويني(1225-1274)،لتضع أساساً فكرياً متيناً للنهوض الأوروبي الغربي،من خلال ايجاد أرضية لجعل العقل في حالة تصالح  مع الوحي الإلهي،،عبر استخدام السكولائية للعقل الأرسطي لوضع حد لأفكار القديس الجزائري أوغسطين(354-435)،الذي كان بأفكاره الأفلاطونية الحديثة الممزوجة مع المانوية مسيطراً على كنيسة العصور الوسطى ،وهو شيء ترافق مع التدهور الحضاري الغربي الذي تكرس مع سقوط روما بيد البرابرة في عام476.
تأثرت السكولائية بالفكر الأرسطي  القادم عبر قنوات أندلسية،والذي وجد تعبيره الفلسفي الأكمل مع ابن رشد(1126-1198)،من خلال نظريته حول الفصل التناغمي بين مجالي الدين والفلسفة،المبنية على تصوره عن تقسيم العلوم حسب مجالات القلب(الدين،الأخلاق)والعقل(الفلسفة،الطبيعيات)،كما تأثرت بتلميذه اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون(1135-1204)،الذي قدم بنظريته حول (وحدة الوجود) إطاراً فلسفياً –لاهوتياً،بملامح أرسطية،للتعامل مع النص التوراتي،يتجاوز صوفية(القبالا)اليهودية والنزعة التلمودية النصيِة.
يلاحظ،في هذا الإطار،أن نظرية الفيض الإلهي الأفلاطونية الحديثة،والتي تلاقحت معها النزعة المانوية الغنوصية،تؤكد على أولوية الفعل الإلهي وسيطرته،كفعالية، على المدى الكوني،من خلال فعل فيضي نزولي إلى الانسان الذي هو متلق سلبي لمايأتي من الأعالي إليه بواسطة أشكال شتى(البركة،النعمة،النور………..إلخ)،عبر ملاقاة ذلك من قبله من خلال قبس معرفي = غنوص للقضاء على بعده المادي الحسي للوصول إلى الاتحاد مع الروح الإلهية الهابطة على ذاته العارفة،المعتزلة للعمل والمحسوسات والطبيعة.إلاأن الملفت،هنا،أن ازدهار الأفلاطونية الحديثة وسيادتها على فكر حضارة”ما”كان يترافق مع عملية تدهور وانحطاط هذه الحضارة،فيما يكون العكس في حالة الفكر الأرسطي،حيث أعطى العقل الأرسطي المجال للفردية الإنسانية أن تحقق ذاتها وتمارسها في مواجهة النص الديني أوالفضاء الكوني،أوالطبيعي- الاجتماعي،بينما أدت نظرية(المُثل) الأفلاطونية،والتي أتت النظرية الفيضية الأفلاطونية الحديثة كتعبير نهائي متكامل عنها،إلى جعل الوجود الانساني(+ الظاهر- العيان-الطبيعة)كمجرد تعبير هامشي عن الجوهر المتعالي،والذي يجب حسبها تجاوزه،كظاهر،بواسطة الفكر،وليس بالعمل والممارسة،لكي يحقق الانسان معنى لوجوده،فالذات الانسانية عند أفلاطون (428- 347ق م)يجب أن تتوجه نحو الجوهر،وليس إلى الطبيعة،بخلاف أرسطو(384-322 ق م)الذي نلاحظ اهتمامه الشديد بالطبيعيات.
في الفكر الاسلامي،نلاحظ صعوداً متدرجاً للفكر الفيضي الأفلاطوني منذ القرن الرابع الهجري ،عبر الصوفية والباطنية الشيعية،حتى تكرس هذا عبر الغزالي(1058-1111)،الذي مزج نزعته الجبرية الأشعرية ،الرافضة لحرية الإرادة ،مع الصوفية،وأدخل التأثيرات الباطنية الغنوصية للفكر السني،حيث كافح الباطنية الشيعية بأدوات معرفية باطنية،كما يمكن أن يلمس بسهولة من خلال كتابه “فضائح الباطنية”.
كما كان أوغسطين استباقاً لسقوط روما فإن الغزالي قد كان كذلك حيال سقوط بغداد بيد المغول في عام 1258:هنا،كان انتصار الأكويني الفكري على أوغسطين  مؤشراً على النهوض الأوروبي،فيما كانت هزيمة ابن رشد في”تهافت التهافت” أمام كتاب الغزالي”تهافت الفلاسفة” تعبيراً عن أفول وتدهور الحضارة الاسلامية،وعن انتقال مركز الفعل الحضاري إلى الغرب.وليس صدفة أن نلاحظ هزيمة(العقل) أمام(الحدس)و(الشعورالصوفي)و(الإلهام)في حضارة بدأت تتآكل سياسياً،وتفقد قدرتها على الإبداع العلمي والفكري،مما أنبأ بدخولها في مرحلة طويلة من الجمود الحضاري،الشيء الذي تعرضت له”مقدمة”ابن خلدون(1332-1406)،والتي هي مرثية كئيبة متشائمة لحضارة عبر آلية تحليلية تاريخية تحاول عبرها القبض المعرفي على العوامل التاريخية المؤدية لذلك الجمود والتدهور الحضاريين،ولو أن هذه الآلية المعرفية تحوي كثيراً من النزعات الحتمية التاريخية،المتأثرة بجبرية ابن خلدون الأشعرية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This