حصيلة الأيام لإيزابيل اللندي: فقدتُ الخوف من الموت وجربت خلود الروح

في كتابها الجديد والمثير “حصيلة الأيام”، تتحدث إيزابيل الليندي عن قبيلتها والتي تتألف من زوجها ويللي الأميركي وأبنائه، جنيفر المفقودة وجيسون وخطيبته سالي، خطيب باولا ابنتها وابنها نيكو وزوجته سيليا، التشيلية وأبنائهما نيكول وأندريا وأليخاندرو وبعض الأصدقاء مثل تابرا الأميركية، وتونغ الصيني وزوجته القادمة حديثاً من الصين الشيوعية، وجولييت زوجة مانولي اليوناني ووولديها أرسطوطاليس وآخيل، فو وغريس السحاقيتين البوذيتين، وطبعاً الجدة هيلدا والعم رامون. ولكن هذه القبيلة على عكس ما هو متعارف عليه لدى القبائل لا تأخذ من تنوع الدم والأصل مبدأً وعنواناً لها بل ربما الحاصل هو العكس تماماً، ولا تتميز بأي قانون يمنع الخروج عنها، فتترك الخيار للمنتمي إليها أن يبقى أو أن يترك، بل وتسمح لأكثر من قادم جديد أن ينتسب إليها ما دام يتفق بشكل أساس مع مزاج وانطباع إيزابيل الليندي عنه، فهي ترحب بالمزيد من الناس والأصدقاء والأقارب ما داموا يدعمون القبيلة بمختلف أشكال التواصل والتقارب واللحمة.
ببساطة سنجد أن كل واحد من الأسماء المذكورة أعلاه لديه قصة حياتية صغيرة أو كبيرة تتقاطع مع القصة الحياتية للآخر بشكل من الأشكال لتستفيد منها جميعها الكاتبة إلليندي وتجعلها مادة مثيرة لكتابها هذا، مع مراعاتها الشديدة لمشاعر الجميع ورغبتها الصادقة بموافقتهم على نشر التفاصيل وتفاصيل التفاصيل عن حياتهم العاطفية والمهنية وعلاقاتهم ببعضهم مضفية على المشهد العام للقبيلة التي ابتكرتها هي نكهة أدبية وروائية خاصة بها. ومن أجدر من إيزابيل الليندي في سرد الحكايات وتحويل أي نتفة حكاية، إلى رواية طويلة وقصة متكاملة لها بداية ووسط ونهاية، يكون الحب والصراع من أجل الحب والحياة والدفاع عنها هي المحور الأساس فيها. طبعاً ضيفة الشرف وكلمة السر في هذا الكتاب ستكون هي باولا الابنة، التي تُحكى لها عبر هذا الكتاب حكاية أفراد القبيلة واحداً واحداً. باولا التي مرضت وماتت في بداية التسعينيات تاركة أسرتها وأمها بالذات في حال لوعة واشتياق مزمن لم يخبُ على مر السنين بل تأجج وازداد قوة تجاه كل ما له علاقة بالحياة والاستمرار فيها، وكان الدافع الخفي والحافز وراء إنجاز الليندي الأم أكثر كتبها اللاحقة. وكان كتابها الصادر بعد وفاتها مباشرة والمعنون ب”باولا” قد شكل تسجيلاً سردياً حاراً ومؤثراً وتأبيناً لائقاً لابنتها المتوفاة، وكان له صداه الكبير وأثار الكثير من التعاطف لدى القراء في مختلف أنحاء العالم، الذين بادر بعضهم إلى مراسلة إيزابيل الليندي والناشر برسائل عاطفية مؤثرة لدرجة أن أحدهم اقترح نشر بعض هذه المراسلات المختارة لقوتها وأسلوبها الأدبي المؤثر.
كما هي في أغلب كتبها ورواياتها وأيضاً في هذا الكتاب، تعمد الليندي في أسلوبها الحكائي، سواء كتابة المذكرات أو الكتابة الروائية، إلى تقديم حكاية متكاملة، تمتلك جميع عناصر الإثارة والتشويق، أبطالها أناس من لحم ودم ومشاعر حارة ومُثارة يتحركون فوق مساحة سردية واسعة من الأحداث الحياتية والعاطفية المؤثرة التي تغير منحى حياتهم واستجاباتهم صعوداً وهبوطاً، يكون فيها العامل الحاسم هو إرادتهم الشخصية واستجابتهم تجاه الواقع بالتآزر مع يد القدر، في تحديد مساراتهم من نجاح وسقوط، تقدم وتراجع، القدر الذي تُفصِّله ألليندي بطريقة طريفة محببة على شكل تقاطع مصادفات وترتيبات روحانية وأحلام ورؤى صوفية تدعم شغفها وحبها اللانهائي للحياة الأرضية بكل متاعبها وآلامها ومشاكلها التي لا تنتهي. إنها توظف كل ما يتعلق بالسماء لتدعم به هذا المخلوق البشري الهش والجميل في حياته الصعبة على هذا الكوكب.
في كل مرة تشعر فيها بجفاف بئر الإبداع لديها تعمد إلى ملئه من جديد بالسفر والترحال إلى مناطق جديدة وأناس جدد يتحدثون لغات لم تسمعها من قبل. تشحذ روحها وأفكارها بحكايات وصور مؤثرة تشكل الشرارة لفكرة جديدة طارئة تعمل عليها بدأب وصبر في كوخها الصغير طوال أشهر حتى تخرج برواية أو كتاب. فرحلة إلى الأمازون كانت كفيلة بكتابة ثلاثية روائية للفتيان محورها المغامرات والمخاطر التي تجري في الغابة. ودفعها ذلك إلى رحلة داخلية صوب طفولتها وإيقاظ المخاوف والكوابيس التي كانت تنتابها والمهم هنا ليس تعدادها كما تقول بل “الإحساس بها في العظام” وحتى تصل إلى أقصى التجربة تناولت شراباً مستحضراً من نبتة محلية يسبب نوعا من الهلوسة ويستثير الرؤى والأحلام عبرت عنها ببضعة أسطر كتبتها بطريقة فذة ومميزة بعيدة عن الاستحضار السهل للإنشاء الخاص بأدبيات التصوف المتداولة. عبرت بوضوح وجلاء ودقة عن رحلتها الداخلية نحو منابع الذات والعودة من جديد إلى الواقع اليومي وقد “فقدت الخوف من الموت وجربت خلود الروح” حقاً. تجربتها تلك تحيل فوراً إلى هرمان هيسه في روايته سدهارتا حين كتب صفحة رائعة تضمنت رؤى صوفية يراها غوفندا وهو يقبِّل جبين سدهارتا عندما التقاه بعد غياب طويل، ويقال أنه كتبها بعد تناوله أحد العقارات المهلوسة (LSD).
بالطبع لن تغيب السياسة عن كتابها وإن كانت تمر على بعض أحداثها مرور الكرام، تكتب عنها بإحساسها العفوي المعادي للظلم والرافض للقهر وهي التشيلية المنفية خارج بلدها لأسباب سياسية. فهي تذكر انفجار المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما دون الحديث عن الهستيريا الجماعية المعادية للعرب المقيمين هناك الذين ألصقت التهمة بهم دون وجود أي دليل مادي، ثم تبين أن صاحب العملية هو “عنصري مختل”. تتحدث أيضاً عن أحداث11/9 وعن حالة الذعر والهياج التي أصابت الناس العاديين وأسرتها من حولها وذكرَّها مشهد الطائرتين اللتين اصطدمتا ببرج التجارة العالمي بمشهد طائرات العسكريين الانقلابيين التي قصفت قصر لامونيدا في تشيلي وقتلت الرئيس المنتخب سلفادور اللينيدي، ربما لجهة الهستيريا الجماعية التي تولدت نتيجة الحدثين والخوف الناشئ عنهما، ذلك أنه من الواضح أن لا رابط يجمع بينهما!. الحرب على العراق وأفغانستان وتصاعد العنف الدموي في الشرق الأدنى لها نصيب من كتابها حين تتحدث عن الانقسام الحاصل لدى الأمريكيين في مشاعرهم ومواقفهم تجاه ذلك والذي يترواح بين الإحباط التام من سياسات بلدهم العدائية تجاه بقية بلدان العالم، والبرود القاسي تجاه ما تقوم به جيوشهم في العراق وأفغانستان، غوانتانمو وأبو غريب، قصف المدنيين، وهو شبيه بالحالة التي سادت في أثناء حرب فييتنام. صديقتها تابرا وكثير غيرها، فكرت بمغادرة البلاد والهجرة بل وحتى التخلي عن المواطنة الأميركية حتى لا تكون “متواطئة على الأقل في الجرائم التي ترتكبها هذه البلاد”.

الكتاب: حصيلة الأيام (مذكرات)
تأليف: إيزابيل الليندي
ترجمة: صالح علماني
الطبعة الأولى: 2008
إصدار: دار المدى
دمشق – سورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق