في عالم التّسويق لا شيء يثير الاستغراب

ليس من الغريب أن يحدث كل هذا (الرسوم وردود أفعالها) في زمن “هسترة” الصور، وقرفها، وموتها. لكن قد يكون من المفيد وضع هذه الظاهرة ضمن قرينتها الاجتماعية -العالمية وطبيعة المرحلة التي تُوَلد تلقائياً، وبصورة شبه يومية، ظواهر كهذه.

أعتقد أنه يمكن وصف هذه القرينة والمرحلة، دون أي إجحاف، بأنها مرحلة “عصابية، مرضية وغوغائية، أو بربرية”، بالمعنى الذي يعطيه الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل هنري لتلك المفردة. وذلك بالمعنى الدقيق لمفردة بربرية باعتبارها لا أولانية، أي أنها لا تسبق الحضارة، لكنها تنتج بالدقة كردود فعل حيال فراغ هائل ومرعب ينخر جسد حضارة قائمة، ويرغمها بالتالي على التخلي عن كل فعل أصيل ومبدع، كان إلى وقت قريب يشكل أحد ملامحها الأساسية.

يمكننا كذلك إضافة الشيء التالي: أن ذلك الفراغ لا ينخر اليوم جسد “حضارة” بعينها، بل مجموع ما يسمى “الحضارات” الحالية، والتي لا نعرف أي شيء عن خصوصياتها الحقيقية وما يجعلها فاعلة ومؤثرة في مسيرة العالم، اللهم إلا ذلك السيل الذي تقذفه نحونا بصورها المزوّقة، الأيديولوجية، والمشحونة إلى أقصى حد بأخلاقية النفاق والمواربة المفضوحين (مغازلة الآخر بشكل صبياني، واحتقار ِقيَمه في العمق) التي تصلنا عبر شاشات وفضائيات بلدان يدّعي كل واحد منها ويتظاهر بتمثيل “الحضارة” التي ينتمي إليها أفضل من غيره.

ثمة نقطة أخرى غاية في الخطورة، لم تُحسب بعد بشكل دقيق آثارها ونتائجها اللاحقة، وهي لا تنفك عن مرافقة هذه “الحضارات”، وقد تشكل نهج سلوكها العام، أكثر من أي رد فعل سريع ولاهث، بل وحتى أكثر من كل خطاب يسعى لترقيع الثغرات والثقوب البيّنة على السطح، وتتمثل في أنه: لا يجري التنصّل من كل منظور عقلاني والاسترشاد بمنطلقاته ومبادئه، وإفراغه من محتواه المكتسب عبر قرون طويلة من العمل النظري الفكري والنضالي للخروج من أشكال الظلامية وصيغها وحسب، بل ويجري بشكل متعمد ومنظم قتل العقل نفسه، ومن ثم تركه على قارعة الطريق حتى دون تشييعه، إذا جازت العبارة، وهذا العمل المنظّم لا يقوم به أفراد يعيشون في عزلتهم، بل أجهزة، و مؤسسات، ومراكز عديدة لصياغة الرأي العام، أو بالأحرى التلاعب به.

صحيح أن محاولة “اغتيال” العقل ليست بالجديدة، بل جرت في السابق تحت يافطات عديدة، من ضمنها مثلاً تسخيف مقولة “الذات” وبالمعنى الدقيق الذي كان فكر الغرب يسنده لهذه المفردة؛ بيد أن العالم برمته لم يشهد تواتر عملية الاغتيال تلك مثلما نراها تتم في هذه اللحظة على قدم وساق أمام أعيننا. فمن الحروب الوحشية التي تغطي جسد القارات كلها؛ وهي تسمى بالمناسبة “بالحروب الخارجية”، والتي قامت وتقوم دون أي مبرر مشروع لاندلاعها، بل واستباق قيامها بما لا حصر له من حالات الالتفاف، والتلاعب وتزوير القوانين الدولية والشرائع التي سنتها من قبل الدول “المتقدمة” ذات التطلعات “الحضارية”.

تلك السنن التي صيغت بغية تحريم سفك الدماء مجاناً، بعد ترويع شعوب الأرض قاطبة بما جلبته الحربان العالميتان، الأولى والثانية، والتي هي في الجوهر تغافل  عن القوى المفكرة عند “الآخر”،،واحتقار  لها وكنسِ عن طريق “حضارة” مظفرة بطبولها الحربية، سلاح طيرانها وبوارجها “العسكرتارية”؛ “حضارة” تدّعي لنفسها تمثيل ما هو أكثر نبلاً وتطوراً في القيم.

ولعلّ الحرب في العراق تشكل نموذجاً لذلك الاستهتار والمُروق الذي لا سابق له في تاريخ الإنسانية، مروراً بأفغانستان والحرب ضد ما يُسمى الإرهاب، إلى الحروب الأهلية-العالمية في أفريقيا الممزقة والنازفة دماً وجوعاً. إلى جانب هذا هناك أيضاً ما يُطلق عليه بـ”الحروب الداخلية” والتي تستهدف، في المقام الأول ولكي لا نطيل، من هم أكثر عوزاً وأفقر، سواء من سكان البلد الأصليين أو من المهاجرين والنازحين إليه هرباً من ديكتاتورات وظلم الأنظمة البوليسية في بلدانهم التي فروا منها بطرق مأسوية.

علينا إذاً، وقبل أن ندخل في ردّنا على الأسئلة التي وجهها لنا موقع الأوان مشكوراً، تحديد حقيقة، أو بالأحرى انعدام أية حقيقة عن المرحلة التي نعيش فيها. سنلخص ذلك بثلاث نقاط :

1ـ الضجيج والأشكال التي لا حصر لها للإثارة التي يضخّها القيّمون على تلك “الحضارات”، لا ترتقي وحسب إلى مصاف التغيير الحقيقي في الموقف وقواه الموجودة، إن كان ذلك على صعيد العالم، أو على المستويات المحلية، بل إنها تعمل دون هوادة أو كلل على تضبيب ملامح الواقع وتزييفه. وهذا ما أطلقنا عليه في البدء الفراغ (السياسي، الفكري، الإبداعي) الذي ينخر جاهزية خطابها اليومي.

2- لملء ثغرة ذلك الفراغ التي لا تُملأ، إذا ما بقيت الأمور على حالها وبيد هؤلاء الذين لا يفهمون من الفعل السياسي غير إدارة “الخير العام” وإعادة توزيعه، لا بد  أن تكون هناك تحركات مضحكة (كاريكاتورية)، لكنها دامية في ذات الوقت، تكون إما بمثابة حروب خارجية مروعة، أو حروب داخلية تلغي ما تم كسبه من عدالة ومساواة؛ العدالة والمساواة التان نزعهما العقل بصرامة ومشقة من جبروت أنظمة استعباد الآخر وإخضاعه لقوانين غريبة عليه تذل آدميته.

3ـ للهمجية الحالية، كما هو الأمر دائماً، وجهان وصياغتان، الأول مأسوي ويتمثل في الحروب وقطع الرؤوس، واغتصاب النساء في وضح النهار ورجمهن بالحجارة، وتهميش أوـ في الحقيقة ـ القضاء على آمل ولادة قوى جديدة يمكنها طرح بدائل أخرى، تلتزم بنور العقل؛ فلهذا الأخير أنوار حاول ويحاول كارهوه، ذوو المصالح الضيقة بل المخزية إطفاءها. أما الجانب المضحك والفكاهي في المسألة، فيتمثل بإثارة أو تحريك معارك صغيرة وبائسة، كقضية الحجاب الشهيرة، أو الرسوم الكاريكاتورية في اللحظة التي نكتب فيها.

حول قضية الرسوم المسيئة للرسول

قد يكون نشر الرسوم يتضمن البعدين المذكورين (اختبار ردود الفعل الإسلام، وعدم فهم الآخر)، ذلك لأن استشفافه وقراءته بوضوح لا يمكن أن تحصل إلا باختراق ذهنية أولئك الذين حرّكوه، أي الدخول في نسيج خلاياهم المخططة وبالتالي معرفة النوازع أو الغرائز التي تتحكم في سلوكهم العام. وهذا ما هو مستحيل.

لكن ذلك لا يعفينا من القول بأن مسألة الرسوم تلك، وردود الأفعال حيالها كذلك، لا تشكل سوى ظاهرة هامشية على جسد مقولة إجرامية، بُذل جهد خرافي من أجل تثبيتها ونفقت أموال طائلة وأسطورية من أجل ترسيخها وجعلها أمرا واقعا.

تلك المقولة تتلخص في ما يلي: التباين الموجود في الثقافات ووجهات النظر لا يُعبّر عن تعددية الثقافات وتنوع وجهات النظر، بل هو تركيب بيولوجي أصيل ومتراكم عبر العصور يظهر وجود أجناس مختلفة ومتقاطعة، ولا يمكن اللقاء بينها أي ما أطلق عليه تسمية “تصادم الحضارات”.

تلك هي واحدة من نتائج تقسيم العالم ما بين “ذهنية” شرقية و”ذهنية” غربية، لكي يتم التعامل معهما باعتبارهما تجسيدا لوجود عنصرين أو جنسين بشريين، لا جنسا بشريا واحدا. نضع أيدينا هنا على نقطة غاية في الحساسية: العنصرية.

والعنصرية بالمعنى والطريقة التي يفهم فبها اليمين المتطرف في العالم الغربي والشرقي هذه المفردة. لذا، فإن نشر تلك الرسوم، وفي مثل ذلك التوقيت، لا يخلو أبداً من شكل باهت وسوقي لهذه العنصرية، مهما قيل ويُقال كتبرير لنشرها.

من الجانب الآخر، لم يمتلك الطرف المقصود، العالم الإسلامي، من بصيرة أخرى للتعامل معها سوى تصنيفها كتعبير بالضرورة عن عنصرية موجهة، ينبغي مواجهتها بعنصرية مماثلة. وبالتالي تكتمل الحلقة بشكلها الأكثر كراهية وعدوانية.

“هل هناك شرخ كبير بين الشرق والغرب، حيث اختلافات الثقافات وزاوية النظر إلى مفهوم حرية التعبير عن الرأي، كما يرى البعض”. نحن، صراحة، نشك، بل نطعن في تلك المقولة. ذلك لأن قيام الاختلافات لا يخلق من وحده وبالضرورة شرخاً لا يمكن تخطيه.

إلى وقت قريب لم تكن هناك مثل هذه المواجهة الشرسة والعبثية ما بين “الشرق” و”الغرب”، رغم  تباين درجات “التقدم” التاريخية في ما بينهما، عبر التكنولوجيا أو غيرها من ثمار العلم، أو حتى في أساليب العيش والتفكير وطرقهما.

نحن نصر على أن هذا الفارق أو الشرخ قد تم العمل عليه وطبخه جيداً، ليل نهار من ِقبل جماعات عنصرية ومتطرفة، مؤسسات وأجهزة دولية، تتخطى بكثير قدرة المفكر التحليلية وموقفه اللامتحيز حيال الحقيقة.

بتعبير آخر، لا تقدم ظواهر كنشر الرسوم، الحجاب (قبوله أو منعه) نفسها للفكر وإمكانياته التحليلية غير المنحازة، أي المعنية بفهم الظواهر ضمن قرينتها وسياقها المحلي، وذلك بسبب الخداع والغش الذي يرافق عملية التقدم تلك، وبحكم التزييف الهائل وغير المنضبط لحقيقة الموقف.

ولا يمكن التسليم بأن نشر تلك الرسوم كان محض تعبير عن رأي، وأي رأي؟ اللهم إلا إذا كان الفرد أو الجماعة من السذاجة المغرورة، والمعدومة من أي حسّ في التواضع. لا لأنها قد مسّت رموزاً يتفترض قدسيّتها عند البعض وحسب، بل وكذلك سوقيّتها في الفهم والتعامل مع الرأي.

فالرأي، أي التأثير في الواقع في آراء الآخرين وتوجيهها نحو غاية أو مسعى ما، لا ينبغي عليه افتراض الجهل عند أولئك الذين يتوجه إليهم. لقد أُخرجت تلك الرسوم،
رسوم محمد الذي لا رسوم تاريخية له، من تحت طبقات جيولوجية مندثرة، ومن ركام فنتازيا لا مثيل لها، وركّبت بطريقة شيطانية تجعل رسم ذلك الذي لا رسم له وكأنه رسماً لإرهابي في الحاضر، يتحرك ويمشي معنا في شوارع الغرب المفتوحة.

لذا يحق للمسلمين، المتطرفين والمعتدلين منهم، القول بأن نشر تلك الرسوم، وبمثل تلك الطريقة والتوقيت يذهب أبعد من مسألة التعبير عن الرأي، أو أبعد حتى من مسّ قدسيّة معينة. إنه يشير لنا نحن بالذات، كجالية أو مواطنين غربيين يُنظر لوجوهنا وكأنها قريبة من تلك الرسوم في تشكيلها المصطنع، ومن ثَم يمكن الخلط فيما بين صورة من لا صورة له وُصوَرنا نحن كواقع قائم. أي لا شيء يمنع، والحالة هذه، من التعامل معنا كإرهابيين ضمنيين، أو مفترضين.

في المقابل، لا نعتقد أن لغة التهديد والوعيد التي يطلقها المتطرفون من المسلمين في داخل خارطة الغرب وخارجه تفيد بشيء، أو بالأحرى أنها تمثل ردّاً دموياً لا يمكن قبوله. أما دعوات المسلمين المعتدلة، لاسيما في البلدان العربية الإسلامية، بمعاقبة الدولة أو الدول التي قام صحافيوها بنشر رسوم تسيء إلى النبي، فهي الأخرى حمقاء ومتسرعة.

إذ من غير المنطقي قطع العلاقات مع تلك الدول أو تحريم بضائعها كردة فعل على رسوم بذيئة ومبتذلة بطبيعتها. أي أن المسلمين إذا قاموا بسلوك كهذا، سيظلون إلى الأبد محكومين بعقدة ردود الأفعال التي يُرقصهم عليها “الآخر” والذي هو ليس كل الآخر. أما فيما يتعلق بالمحرقة الإيرانية ومطالبتها بنشرها أسوة بالرسوم، فأنا لا فكرة لدي عنها لا من قريب ولا من بعيد.

وأنا أقرأ ردود الأفعال التي خلّفتها الرسوم الكاريكاتورية لدى المسلمين كونها ردود أفعال عادية، شرعية، وتكفلها لهم قوانين البلدان الديمقراطية التي يتواجدون فيها كأقليات كبيرة، وقد تكون غالبيتهم من مواطني تلك الدول، شريطة أن لا تؤدي ردود الفعل هذه إلى حماقات عنفية، توعدية أو تهدّدية.

ويمكن عمل كل شيء ضمن المجال “المُعطى” للتعبير عن نبذ أية أخلاقية أو توجّه عنصري، احتقاري أو تهميشي لأية أقلية، أو حتى لأي فرد كان. ينبغي أن يتم كل ذلك ضمن تنظيم واع لردود الأفعال، لا تكون ثمرته انتصاراً لهذه الجمعية الإسلامية أو تلك، لهذه المؤسسة الإسلامية أو تلك، التي تدّعي تمثيل المسلمين. لذا ينبغي أن يكون جوهر الشجب منصبّاً على إبعاد القهر عن أية مجموعة أو أفراد.

وفي الحالة المطروحة عن المسلمين، لا يمكنني أن أربط، أو أجد علاقة مقارنة ما بين ردود الأفعال على الرسوم وفتوى الخميني المتطرفة بحق سلمان رشدي؛ فهذا الأخير مبدع روائي، وبالتالي لا يمكن قبول أية فتوى باغتياله أو ملاحقته، مهما كان رأينا في مستوى إبداعه وفي حجم التعدي والإساءة التي يمكن أن يكون قد اقترفها ضد أي مقدسات بعينها، أو حيال القدسية التي يحيط بها المسلمون نبيهم. تلك فتوى بغيضة، متغطرسة. وقد تكون شيطانية هي بدورها “كالآيات الشيطانية” لسلمان رشدي نفسه.

ويبدو أن خطوات الحكومة الدنماركية، على الأقل في الجزء الأول منها، أي توزيع عدد كبير من المصاحف، هي الأخرى كاريكاتورية مضحكة ولَعِب على الذقون؛ إذ ليست المصاحف ما يعوز المسلمين في الغرب كجاليات، لكن سن قوانين وضبط فعاليتها أيضاً ضد الإساءات الحقيقية التي توجه للناس، وكذلك العمل على كسر الهُوّة التي تم خلقها وافتعالها هي الأخرى في العقدين المنصرمين ما بين سكان الدنمارك البيض، الأصليين، وأولئك النازحين، الذين جاؤوا من “الخارج” والذين أصبحوا مواطنين في ذلك البلد في عصر العولمة الذي يؤدلج ويهرّج لمسألة إزالة الحدود وحق التنقل للأفراد في العالم، ومن ثم العيش في البلدان التي يجدونها تتوافق مع رغباتهم وتطلعاتهم في بناء مستقبلهم ومستقبل أبنائهم (حقوق الإنسان).

أما تدريس القرآن في الجامعات، فهذا قد يفيد الدنماركيين أنفسهم قبل غيرهم، ليس فقط للتعرّف على الدلالات المعرفية والقُدسية التي ينطوي عليها القرآن وحسب، بل وأيضاً للتعامل معه من منظور علمي لا عقائدي، يجعله مادة للفحص والتمحيص الأكاديميين.

ففي عالم يتحول فيه كل شيء وبسرعة جنونية إلى سلعة يروّج لها وتسوّق في الأسواق الضخمة، المنفلتة، والتي تبدو متمتعة بشهية غريبة ولا معقولة حيال الإثارة والتشويق، لا يُدهشنا أمر إعادة نشر تلك الرسوم. إن مسألة ركود، أو في الحقيقة غِياب الإبداع الروحي والفكري في الغرب والشرق ليست محض تقولات،أو أوهام أو مجازات يستخدمها بعض الفلاسفة والكتاب الكبار لكي يصفوا عبرها طبيعة المرحلة التي نحن فيها، إنها، على العكس من ذلك، وجه هذه المرحلة،و قناعها، وشرطا ؛ فكما يقول الفيلسوف الفرنسي الآن باديو “إن شعار أو مسلّمة المرحلة الحالية يتمثّل في القول : لتضبط سلوكك وأفكارك بحيث تتماشى مع قوانين السوق”. أستشهد بمقولة باديو عن ظهر قلب، بيد أن ذلك لا يغير أي شيء، فهي أيضاً قناعتي الشخصية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق