يوسف محسن: تمركز ديني ضد الآخر، وتحريف للصراعات الحقيقية

الأسئلة التي طرحتها هيئة تحرير الأوان لا تعالج مسألة الرسوم الدنماركية وطبيعة الهيجان الإسلامي ، إنها أسئلة أقرب إلى الحقل الإعلامي، ولا تنتمي إلى الحقل السيوسيولوجي العميق الذي يعالج العقدة الملتبسة بين مجتمعات الحداثة ومجتمعات ما قبل الحداثة. وأعني هنا بمفهوم الحداثة. التنوع والاختلاف ووضع المفاهيم والمقولات والسرديات  الكبرى والصغرى والشخصيات الكارزمية تحت حقل التداول النقدي شرط أن يأخذ البعد القيمي مكانة في التاريخ.

فالمسألة ككل ليست (أزمة) بين علامتي تنصيص يمكن حلها عبر توزيع عدد كبير من المصاحف أو تدريس القرآن وإنما صراع بنيات وذهنيات وقوى وتيارات سياسية وتفاوتات اقتصادية وثقافية ومجتمعات كولونيالية وإسلام تخيّلي سياسي وأصوليات وهنا تكمن جذرية المشكلة.

حين نشرت صحيفة بولاندس بوستن في 30 أيلول 2005 رسوما كاريكاتورية، خلقت هذه الرسوم دوامة من العنف وانتشارا واسعا لخطاب الكراهية ضد الغرب، وأدت إلى إدخال العالمين العربي والإسلامي في سيرورة تمركز ديني ضد الآخر، وتحريف للصراعات الحقيقية التي تدور في عالمنا المعاصر، إضافة إلى تهييج هذه المجتمعات والتلاعب بمصيرها التاريخي والجماعي (هيجان إسلامي شرس، وقف التعاملات الاقتصادية. تجميد العقود. مقاطعة البضائع الدنماركية. اقتحام السفارات. حرائق هنا وهناك. تدمير الممتلكات. القتل) كانت أغلبية هذه المظاهرات منظمه بشكل رسمي ومحمية من قبل الشرطة والأمن الوطني للدولة الاستبدادية العربية والإسلامية.

المدخل الأولي (لبحث المشكلة) يتطلب رسم الخطوط العامة للحقل الثقافي للمجتمعات الأوروبية بصدد الخطاب المقدس والزعامات الدينية الكارزمية في تاريخية هذه المجتمعات. حيث أن هذا النظام الثقافي الأوربي وضع الحقل المقدس كله في زوايا معتمة من تاريخه الحديث، نتيجة للتقدم التقني الميتا-صناعي والميراث الفلسفي والفكري الهائل، وبروز العلمانية كفضاء للحراك الاجتماعي والسياسي والفكري، ما أدى إلى الانهيارات المتتالية للخطاب المقدس وتغيير النسق المعرفي لهذه الخطابات.

وتمت أنسنة  الخطاب المقدس وحذف مرجعياته المافوق – طبيعياتية ، وتحويله إلى مجال الإرث الثقافي، إضافة إلى ما تملكه فئة الانتلجستيا  الأوروبية من رؤية مشوشة وغامضة عن الإسلامية المعاصرة (حيث تم تكوين صور تركيبية من خلال مجموعة من الوقائع التاريخية: “الأنظمة السياسية الاستبدادية التي تتخذ الإسلام آديولوجية سلطوية، أحداث 11 أيلول الكارثية، التهديد المستمر للوجود الأوروبي من قبل التطرف الإسلامي”).

داخل هذا الفضاء الفكري والسياسي والثقافي تم بث الصور الكاريكاتيرية.أما الحقل الثقافي للمجتمعات العربية – الإسلامية فقد تم تأسيس الخطاب المقدس والزعامات الكارزمية كمفهوم هوياتي تداولي يتداخل في مجال العلوم الطبيعية والسحر والنصوص المعرفية والفلسفية وفي حقل الثقافة والمجال الأنطولوجي.

وأصبح التمركز حول المقدس في المجتمعات العربية والإسلامية جزءا من السيرورات البسيكو – اجتماعية لتشكيل الهوية الجماعية ضد الآخر/ الغرب/ أوروبا عندما تتعرض هذه الهوية لإخلالات أو رسوم أو تلاعب بالنصوص المقدسة أو تجديف تشكل هذه العمليات خرقا للهوية الجماعية وتؤدي إلى ردود فعل فورية.

نكتشف نقطة جوهرية :أن المقدس يكمن داخل فضاءات المتخيل التاريخي للجماعات البشرية وليس خارج هذا الفضاء. حيث أن الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية زعزعت الرمزاتية الدينية التي يتعلق بها ملايين المسلمين الفقراء والمهمشين والمحرومين من قبل تاريخ أعمى لا يرحم وحتى لو كان الرسام كما يقول أركون (فعل ذلك في عمل من الخيال الفني أو الأدب فان ذلك لا يغفر له. لقد حشد هذا العمل عن وعي أو غير وعي مجموعة ضخمة من القوى الراغبة في الانتقام ودخل في دوامة المصير التاريخي لهذه المجتمعات).

إضافة إلى أن هذه الهيجانات الإسلامية ذات طبيعة سياسية بحتة أكثر منها دينياً، ومن الضروري تحليل رهانات المعنى السياسي والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية وكذلك الأنساق الفكرية والتضخم السكاني وانهيار خطط التنمية البشرية التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية. للوصول إلى العوامل الأساسية المؤدية إلى هذا الهيجان العنيف فهذه التظاهرات ليس موجهة نحو الرسوم وإنما لكون هذه الرسوم أصبحت تمثل الرأسمال الرمزي لكل الاعتداءات والإشكالات والغزوات الفكرية والعسكرية التي تعرضت لها المجتمعات العربية والإسلامية من قبل الغرب وأوربا.

يضاف إلى ذلك طبيعة الدول الوطنية في هذه المجتمعات وهي امتداد للعقلية الاستعمارية القديم التي أدت إلى البؤس والإحباط. والتفاوت الاجتماعي والقمع والاستبداد والتهميش الفاشي وتفاقم اللامساواة والفشل في ولوج عصر الحداثة والحرية والديمقراطية.

حيث أن فتوى الإمام آية الله خميني عام 1989 ضد الكاتب سلمان رشدي تمثل  أول تمظهر للتصادم مع الغرب بسبب روايته (الآيات الشيطانية)، ثم جاء مقتل المخرج السينمائي ثيوفان جورج لتسليطه الضوء بقوة حول مفهوم حرية التعبير عن الرأي داخل المجتمعات الأوروبية.

 

وكان من الضروري أن يطرح  الغرب والمجتمعات الأوروبية مناقشات جادة حول مشروعية التسفيه الفج  والعنيف لثقافة الآخر ودين الآخر.

خالد غزال:  لم تتجرأ المؤسسة الدينية حتى الآن على القول بأن آيات العنف قد تجاوزها الزمن..                                             

أثارت الرسوم الكاريكاتورية حول النبي محمد في بعض الصحف الغربية انتقادات واسعة في العالمين العربي والاسلامي وصلت في بعض الاحيان الى استخدام العنف من قبل مسلمين لم يتوانوا عن التعدي على الافراد والممتلكات واطلاق تهديدات بقتل رسامين مسؤولين عن الظاهرة.

فتحت الرسوم نقاشا لم ينته حتى اليوم بل ان بعضه مايزال متصاعدا، وطال النقاش موضوعات تتصل بالعلاقة بين الشرق والغرب واطل على الواقع الحضاري المتفاوت بين العالمبن وصولا الى النظرة المختلفة للامور والقيم السائدة وكيفية النظر الى الاسلام في علاقته بالمجتمعات الغربية التي باتت تضم جاليات واسعة من المسلمين.

تطرح الرسوم على المسلمين بشكل رئيسي قراءة الظاهرة والتوقف امام الحقيقي والشكلي فيها، وما حجم استخدام هذا الموضوع في الصراع السياسي سواء الوهمي منه ام الفعلي بين الغرب والعالم العربي والاسلامي.

1-اعتبرت الرسوم بالنسبة لمجموعات اسلامية مسّا برموز مقدسة بالنسبة اليهم خصوصا عندما طالت هذه الرسوم رسولهم ورمز دينهم. تمثّل الرموز في المجتمعات تراثا متجذّرا في طقوس وعادات وتقاليد يعتبر المس بها لدى بعض الشعوب بمثابة “خلخلة” للبنيان الاجتماعي ومسا بالتماسك وتحطيما لقيم سائدة. تكتسب هذه الرموز اهمية كبرى عندما تتصل بالدين والمقدسات التي كرسها على امتداد عقود.

ولان الدين الإسلامي لم يخضع الى عملية اصلاح وفصل بين الشكلي من عادات وطقوس وبين الجوهري المتعلق بالوجه الروحي والانساني والاخلاقي، وبحكم عدم الفرز بين الجانبين واختلاط السياسي والاجتماعي بالديني، تحولت الطقوس والشكليات الى ممثل حقيقي للدين ، وبات المس بها كرموز مسا بالدين نفسه. بهذا المعنى فإن تضخيم شكليات مثل الرسوم واعتبارها معركة ضد المسلمين امر يكشف عن موقع الدين ورموزه في الوجدان الاسلامي، وهو ما يعطي الحق بالاستنكار والرفض بامور يراها المسلمون او بعضهم متناقضة مع قيمهم.

2- قبل وصول العالم الغربي الى مرحلة متقدمة من التطور واجتياح الحداثة بمكوناتها العقلانية وسيادة مفاهيمها خصوصا في الحد من موقع الدين في الحياة السياسية، قبل هذه المرحلة شهد العالم الغربي ما يشبه المعركة الحالية من هجوم على كل من يتعرض لمفاهيم دينية تتناقض مع ما تقرره الكنيسة.

صحيح أن الأمر لم يكن بين مسلمين ومسيحيين بل كان محصورا في الاطار المسيحي، كذلك لم يكن فن الرسوم الكاريكاتورية معروفا آنذاك، الا ان التاريخ الغربي مليئ باضطهاد طال فلاسفة وفنانين وكتابا تعرضوا لما كان شائعا من مقدسات ودفعوا ثمنا غاليا وصل الى حد احراقهم احياء. مما يعني ان ردود الفعل الاسلامية ليست فريدة في بابها، وقد ابدع المسيحيون المتطرفون في الانتقام من كل من حاول المس بطقوسهم الدينية الشكلية.

3- تجاوز العالم الغربي خصوصا الاوروبي منه مسألة الشكليات الدينية بعد ان خاض معركة طويلة ومكلفة جدا من حروب ونزاعات اهلية توجت بتكريس قيم تقوم على تقديس حرية الرأي والتعبير ونقد كل ما كان يعرف بمقدسات ومنها وضع التراث الديني المسيحي على المشرحة واعمال مبضع النقد في كل شيء بدءا من الكتاب المقدس وصولا الى كل ما صدر عن الكنيسة واحبارها. لذا بات النقد للاديان الاخرى مسألة عادية بالنسبة للقيم الغربية طالما ان هذا النقد، بصرف النظر عن الاشكال التي يتخذها، يطال الدين المسيحي من كل جوانبه، فلا حرج بالتالي من تطبيق هذا النقد على الاسلام.

قد يحق لغير الغربي ان يتساءل عما اذا كان السجال والنقد والتعبير والشكل الذي يتخذه يصب في ميدان القراءة الموضوعية ام يتخذ شكلا من السخرية التي تصل حدود الاحتقار والاهانة. في هذا المجال تجدر الاشارة الى ان اهم الدراسات الموضوعية والعلمية والتاريخية حول الاسلام هي المنتجة في الغرب والتي ترجم بعضها الى اللغة العربية.

اذا كان من حق الغرب ان يرفض المس بمقدسات الحرية في التعبير والنقد، وهو امر تفتقده المجتمعات العربية والاسلامية، فإن ما يجري يبدو غير بعيد عن صورة باتت شائعة عن المسلمين بوصفهم خزانا ارهابيا يهدد المجتمعات الاوروبية وقيمها المكرسة. من هنا يصعب فصل الرسوم عن تقديم صورة للمجتمع الغربي عن ان الاسلام يتعارض مع القيم الغربية وان الاساس الذي يستند اليه سواء في نصه الديني الاصلي اي القرآن ام في تراثه الذي يضم الاحاديث النبوية واحكام الفقهاء هو تشريع الاعمال الارهابية التي تنفذها الحركات الاصولية في كل مكان.

3- تثير ردود الفعل الاسلامية اكثر من سؤال يتصل بالهدف الذي ترمي اليه هذه الردود. تعكس الردود مستوى التطور الحضاري للمجتمعات العربية والاسلامية عموما، وهو تطور ما يزال يقيم في التخلف والعجز عن مجابهة الرأي المخالف بالرأي. كان يمكن للمؤسسة الدينية ان تخوض معركة اعلامية تسعى من خلالها الى الفصل بين الغث والسمين والحقيقي والشكلي في الاسلام وتعاليمه، والكشف عن الاهداف العنصرية التي ما تزال تعشش داخل المجتمعات الغربية وان تسّفه هذا الشكل من التحقير للاديان غير المسيحية وان تستحضر التاريخ المسيحي نفسه بما فيه محاكم التفتيش لتبيان حقيقة هذه المجتمعات في مرحلة متقدمة من تاريخها.

لو حصل هذا الامر لامكن احراج الغرب ولبدت الرسوم المسيئة قضية شكلية بامتياز ولا تستحق كل هذا التوتر. لكن ردة الفعل الاسلامية ظلت محكومة بمسألة مركزية ترى ان الدين الحق هو الاسلام وان المسلمين “خير امة اخرجت للناس” و”ان الدين عند الله هو الاسلام”، وهي مبادئ تكرس الكره الاسلامي في العمق لغير المسلم، وتثبت عقدة النقص تجاه الغرب بحيث تتحول الردود العنيفة على الرسوم وكأنها ثأر من الغرب الذي تقدم على العالم الاسلامي وهزمه عسكريا وحضاريا.

إذا كان الغرب مهجوسا بعقدة كون الدين الاسلامي يشرع العنف في نصوصه المقدسة، فان ردود العنف والمبالغة فيها حسمت في وجهة النظر الغربية وكرست ارهابية الاسلام، وهو امر اساء اكثر بكثير للمسلمين من رسوم سخيفة في المضمون والجوهر. ليس من الهيّن ازالة هذه الصورة عن الاسلام من الوجدان الغربي لمدى غير قليل.

4- يتعاطى العالم الاسلامي ومنه العالم العربي مع قضية المحرقة النازية ضد اليهود بمنطلقات خاطئة وغير مفيدة لقضاياهم في الصراع مع اسرائيل والغرب. يجري السعي الى انكار المحرقة او التشكيك في حجم الضحايا اليهود. بصرف النظر عن عدد الضحايا وما اذا كانوا ستة ملايين او مليونا، فان محرقة قد حصلت.

النقاش لا يدور حول هذه المسألة ومن الخطأ حصره بالحصول او الانكار. ان اضطهاد اليهود اوروبي بامتياز، وان المسألة اليهودية مسألة غربية يجب ان يتحمل الغرب نتائجها، وان اضطهاد اليهود لم يكن محصورا بالنازية في القرن العشرين بل يعود الى القرن التاسع عشر خصوصا في روسيا.

النقاش يجب أن يتركز على مسؤولية هذا الغرب الذي صدر المسألة اليهودية الى العالم العربي على حساب الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية. هنا المعركة الحقيقية للعالمين العربي والاسلامي. لكن المستغرب ان التوجه الاسلامي والعربي ضمنا يهدف الى تبرئة النازية والتعاطف معها من دون ان يدرك ان النازية معادية في التكوين الايدولوجي والعرقي للعرب وللمسلمين على العموم، ولو قيّض للنازية ان تحتل العالم العربي لاجرت محارق بالعرب قد تفوق ما طبقته على اليهود. واذا كان موضوع التصدي الغربي لكل من يشكك في المحرقة موضع تساؤل، فلانه يشكل عقدة ذنب لم يستطع الغرب حتى الان الخروج منها.

5- ليس مبالغة القول ان الرسوم تطرح تحديات على المجتمعات العربية والإسلامية أكثر بكثير مما هو مطلوب من المجتمعات الغربية.

لقد رسخ الغرب على وجه الاجمال حداثته وكرس قيم الديمقراطية بما فيها حرية النقد والتعبير، وفصل الدين عن الدولة ، وحدد للدين مجالا خاصا به لا صلة له بالتدخل في حياة الفرد العامة، وتجاوز الشكليات المتصلة بالطقوس والمقدسات السائدة في قرون خلت، واقرّ العقلانية في قراة الواقع. فيما ما يزال العالم العربي والاسلامي اسير الخرافات والغيبيات ومحاربة العقلانية والسعي الى اخضاع الفرد الى سلطة رجال الدين، وتوظيف هذا الدين في السياسة وفي السيطرة على المجال الخاص والعام للانسان.

تبدو المسألة المركزية اسلاميا وعربيا مرتبطة بمقدرة الدخول في اصلاح ديني يضع الدين في موقعه الحقيقي بما هو روحي وانساني واخلاقي، ويزيل منه الشكليات الطقوسية ويمنع اعطاء المسائل الدنيوية قدسية تطغى على الجوهري في الدين وتشوه القيم التي ينادي بها.

إن مدخل هذا الاصلاح ممر اجباري يبدأ باعادة قراءة التراث الاسلامي بنصوصه المؤسسة من القرآن الى الاحاديث النبوية واحكام الفقهاء، قراءة تاريخية لكون هذا التراث نشأ في زمان محدد وفي مكان محدد، ورؤية ما بات متقادما منه مع الزمن وما يزال حيا فيه.

ان الاتهامات الملصقة بالاسلام عن انه يجيز الارهاب ليست من دون اساس . يحوي النص الديني آيات تدعو الى العنف وقتل غير المسلم، وهي آيات نزلت في مرحلة معينة من تاريخ الصراع ايام الرسول والفتوحات الاسلامية لنشر الاسلام في غير بيئته الاصلية. ما تزال المؤسسة الدينية الرسمية تصر على ان النص القرآني يجب ان يؤخذ بكليته وهو بالتالي صالح لكل زمان ومكان.

تنطلق الحركات الإرهابية الإسلامية الطابع من اعتبار ان ما تقوم به يستند الى القرآن وانها تطبق ما دعا اليه هذا النص المقدس. لم تتجرأ المؤسسة الدينية حتى الان على القول بان ايات العنف قد تجاوزها الزمن، وان ما كان صالحا في تاريخ محدد ليس صالحا في زمننا الراهن،  مما يجعل من حجة ابن لادن والزرقاوي حجة شرعية بالكامل.

تعيش المجتمعات العربية اليوم الحالة نفسها التي عرفتها اوروبا في القرون الوسطى. لم تدخل اوروبا الحداثة الا من مدخل الاصلاح الديني، وهو الامر نفسه في العالم العربي. بل ان الحاجة العربية الى هذا الاصلاح تبدو اليوم اشد الحاحا بالنظر الى هيمنة الفكر الديني المتسربل بالخرافات والاساطير والساعي الى وضع هذه المجتمعات في قالب حديدي وابقائها مقيمة في الجهل والتخلف.

يبقى أخيرا أن هذا الإصلاح مرهون بتكون قواه الاجتماعية والسياسية، وهي قوى تمكنت انظمة الاستبداد العربي بالتعاون مع المؤسسة الدينية القائمة من تهميشها واقتلاعها وابادتها، مما سمح بهيمنة مزدوجة من الاستبداد والتسلط.

يوسف سلامة: الأذى لا يعني المسّ بالمشاعر

أعتقد أن سبب نشر الرسوم المسيئة للرسول هو وجود قِوى في الغرب،هي مزيج من الصهيونية والمصالح السياسية لبعض الحكومات الغربية والاستثمارات وغيرها، تحاول أن تثبت لأصدقائنا في الغرب أن المسلمين لا يستحقون الصداقة ولا الاحترام، ودليلها على ذلك “همجية ردود الأفعال التي صدرت عنهم مظاهرات حرق سفارات مقاطعة وغيرها.”

وهذه القِوى نجحت في مهمتها عندما ظهرت ردود الأفعال المختلفة في العالم الإسلامي والعربي وتمثلت في الحرق والشجب والمقاطعة وغيرها، إذا طبيعي أن يكون هناك قوى تريد إزعاجك وإحراجك، لكن ما هو غير طبيعي أن تقع في الفخ الذي يُرسَم لك، وهذا سُلوك مبرمج، أي أنه تم تكوين العقل العربي والإسلامي على أن يثور ويغضب وينفعل فورا، دون أن يفكر ويتمعن في الأمر، دائما هذا العقل مبرمج، هو عقل انفعالي وبالتالي هو “ليس عقل”، لأن العقل تعريفا هو “ملكة روية وتفكير”، أما هذا الشخص الذي ينفعل لمجرد كلمة واحدة أو رسم كاريكاتوري فهذا ليس عقلا بأي معنى من المعاني.

من هنا ردود الأفعال التي صدرت عنّا لم تكن ردودا عقلانية بأي حال من الأحوال، وقد صبّت في الاتجاه المؤدّي إلى الفخّ الذي رسمته القِوى التي جعلت هذه الرسوم تظهر في الصحف الدنماركية.

الآن ماذا كان يمكن للمسلمين أن يفعلوا؟ في رأيي كان لهم أن يفعلوا شيئا آخر ببساطة هو: تجاهل هذه الرسوم وكأنها لم تكن، فإذا كان النبي محمد تهزّه وتسوؤه رسوم من هذا النوع، فما مغزى أن يكون هناك مليار مسلم يؤمنون بنبوة محمد، هل رسم كاريكاتيري واحد من شأنه أن يهزّ نبوّة النبي ويؤثر في عقيدة المسلمين؟ كان من واجب المسلمين أن يتجاهلوا هذه الرسوم، ولو تجاهلوها لما عاد أحد إلى نشرها.

وأنا أذكر بأن الرسوم ظهرت في منتصف عام 2005 ولم يصدر أي رد فعل إلا في شهر تشرين. ما الذي جعلهم لا يثورون إلا بعد مضي عدة أشهر من نشرها؟ هناك قوى حركتهم وأثارتهم وجعلتهم ينهضون ويذهبون إلى الحرق، والدعوة إلى المقاطعة.

في المجتمعات الغربية دفعوا ثمن الحرية والديمقراطية ملايين القتلى و 500 سنة من العمل، فكل إنسان حرّ في أن يفعل ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره، وكلمة الأذى هنا لا تعني أبدا المسّ بالمشاعر، فإذا كان المسّ بالمشاعر سيؤدي إلى الأذى فهذا معناه أنه سيُغلِق كل أنواع المناقشات والحوارات، لأن أي شخص يعترض على رأيي سيمسّ مشاعري، فلا تعني الحرية هنا المسّ بالمشاعر، يعني كل ما يغضبك أو يسوؤك ممنوع نشره.

كما أن العقل الغربي عقل حرّ وبالتالي يفعل ما يريد ويرسم ويكتب ما يريد، وهذا غير مألوف في العقلية الإسلامية والعربية، دائما هناك قيم ومحرمات وتابو، هم لا يوجد لديهم أي تابو أو تحريم، انظر إلى المسيح كيف رُسِم وكيف صُوّر وكم كتابا كتب عنه، كلها من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية كتب مسيئة وأفلام تسيء إلى شخص المسيح، وآخرها كتاب وفيلم “شيفرة دافنشي”، لكن لم تقم ثورة أو فوضى، تكتفي الكنيسة بإصدار بيان بأن هذا غير مناسب، لكن الرّسام يرسم والكاتب يكتب والمخرج ينتج أفلامه كما يريد.

والغرب عبث بمقدساته وراجعها وناقشها ابتداء من عصر الإصلاح الديني الذي يعني: “الاعتراض على سلطة البابا ونقد للكنيسة”، فمنذ القرن السادس عشر ابتدأ العقل الأوروبي بنقد الدين ثم طور العقل الغربي مناهج عقلانية لنقد الكتب المقدسة، ثم ظهرت سيطرة العقل ثم ظهر عصر التنوير الذي أطاح بكل المقدسات، ثم ظهر عصر التاريخ ثم الثورات الصناعية والإلكترونية وما بعدها.

فمن واجبنا نحن المسلمين والعرب أن نتروّى ونفكّر قليلا أن الأمر ليس على النحو الذي فعلناه، ما فعلناه كان رد فعل سيء ويكشف عن لا عقلانية وعن استهتار من جانبنا حتى بمقدساتنا، وكان ينبغي أن نتجاهل هذه الرسوم احتراما لمقدساتنا.

وبالنسبة لآيات شيطانية لو لم يصدر آية الله الخميني فتوى بهدر دم سلمان رشدي لما سمع أحد بالرواية، مما استدعى أن يصبح سلمان رشدي شخصية شهيرة وتُفرد له الحراسة من الحكومة البريطانية، هذا كله نحن صنعناه بأيدينا لم يصنعه أحد.

أما المبادرة التي قامت بها الحكومة الدانماركية فهي جيدة ومشكورين عليها، ولكن مسألة أنها تكتفي أو لا تكفي ليست هذه مهمة الدانمارك، لكن مهمة المسلمين أن يشرحوا أنفسهم ويعرضوا أفكارهم من بعد اختيار المنهج وطريقة العرض المناسبة أما الحكومة الدانماركية فهي احتراما لبعض رعاياها المسلمين الذي لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة جدا، قامت بهذا المجهود.

المسألة عندنا نحن، لأن وزير الداخلية الألماني دعا صحف أوروبا  جميعها إلى نشر هذه الرسوم، ما مغرى ذلك؟ مغزاه أن من يريد أن يقاطع الدانمارك عليه أن يقاطع أوروبا، هل المسلمون قادرون على أن يقاطعوا أوروبا؟ كلا، من سيشتري نفطهم ويزودهم بالغذاء؟ من الذي سيزودهم بالدواء؟ إذا علينا الاحتكام إلى العقل ومعرفة توزيع القوى في العالم، وأن نعود إلى نظرة عقلانية معتدلة.

وكان من الأفضل لنا كعرب ومسلمين تجاهل القضية، واعتبار أن من حق أي شخص أن يعبّر، لأنه إذا كنا نحن محرومين من هذا الحق فليس من الضروري أن يُحرَم كل هذا الكون لخاطرنا حق التعبير الحر.

أما المحرقة أو الهولوكوست فهي مسألة أوروبية، والأوروبيون لا يتحدثون عن هذا الموضوع تحت ضغوط معروفة للجميع، والقوى التي نشرت الرسوم الكاريكاتورية هي نفسها التي تمنع الحديث عن الهولوكوست، فمن هنا يجب أن نكون متفهمين.

أنا أفهم بأن الساسة الأوروبيون هم أقل جرأة بأن يتحدثوا عن المحرقة وهذا له أسبابه التي نعرفها جميعا وليست المسألة متعلقة بالخوف من اليهود، كما يعتقد العرب والمسلمون، الساسة الأوروبيون يمنعون الحديث عن المحرقة لأنهم يعتقدون ببساطة أن خطأ ما قد حدث وأن الوقت ليس مناسبا لفتح هذا الموضوع، ولكن الساسة الأوروبيون يعلمون الحقيقة ويعلمون بأن القوى التي حرّكت الرسوم هي نفس القوى أو المصالح التي تدافع عن إغلاق باب الاجتهاد فيما يتعلق بالمحرقة، فإذا كان يرضينا أن نتحدث عن ازدواجية المعاير فلنتحدث عنها، ولكن أنا برأيي بأن المسألة أعمق من ازدواجية المعايير.

يجب أن يعرف العرب والمسلمون بأن هناك 5 أو 6 ملايين يهودي موجودون في فلسطين مُحتلِّين، وهم يمارسون هذا الاحتلال لصالح قوى موجودة خارج المجتمع المسمى يهوديا، الذي يقوم بدور يخدم فيه أوروبا وأمريكا، وبالتالي ليس من المناسب أن يُفتح ملف مثل ملف المحرقة في الوقت الذي يضع الأوروبيون والأمريكيون اليهود في محرقة جديدة محتملة.

بمعنى آخر: أنا لدي 6 ملايين مستعبد أشغّلهم لا يكلفوا بقدر ثمن صناعة حاملة طائرات، وعملت منهم دولة وأحزاب ومعارضة وبرلمان، لماذا عليّ إزعاجهم؟ هذا ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية، تكلفة حاملة طائرات لديها أكثر مما تدفعه للمجتمع الإسرائيلي الذي صنعوه وزرعوه في فلسطين إذا هذه مسألة مصالح.

بالمناسبة الأوروبيون والأمريكيين يكرهون اليهود أكثر منا حتى الآن ولكن هناك ضرورات، ومن مصلحة هذه المجتمعات ألا تعود إلى إظهار هذه الكراهية، ويجب أن نتذكر أن الاتجاهات اليمينية في ألمانيا وفرنسا وغيرها، هي كارهة لليهود أكثر منا، وحتى اليوم القوانين الألمانية والفرنسية في موضوع اللاسامية والتمييز العنصري المعني بها هم اليمينيون أكثر من أي فئة أخرى، مثلا في البرامج اليمينية في الانتخابات الفرنسية “لوبين” أو غيره ينظر إلى اليهود كالأفارقة لا فرق، ليس هناك حب لهم بل مجاملة، بسبب وجود 5 ملايين منهم يحرسون المصالح الأمريكية والأوروبية، هذا هو السبب.

محمد ديبو: نحو قراءة عصرية للإسلام

 

 

أهم ما في قضية الرسوم أنها تسلّط الضوء مجددا على نقاش قديم/ جديد حول ماهية الإسلام( كبنية معرفية ونصوص مقدسة وعقائد)  وطريقة تفسير نصوصه المقدسة وكيفية تعايشها مع عالم متحول، عالم تتغير قيمه وعلاقاته ودوله، بينما يبقى الإسلام كبنية معرفية ثابتا لا يتبدل ولا يتحول في ذهن أتباعه ومريديه، هذا من جهة.ومن جهة أخرى يسلّط الضوء على تلك الموجة العاتية من العداء للإسلام، المنتشرة عالميا كالنار في الهشيم، مما يفسح المجال لتأملها ومحاولة فهمها وتحديد طريقة التعاطي السليم معها.

بداية أقول إن أي دين  يحتوي في باطن ما يحتويه على جانب عقيدي مقدس “من وجهة نظر أصحابه”، وعلى قصص تعتبر صحيحة ومقدسة بالنسبة للمؤمن بتلك الديانة حتى لو كانت مخالفة لأبسط أسس التفكير العلمي، وهذه القداسة لا يغيّرها لا العلم ولا الحضارة ولا الحداثة ولا أي شيء آخر.

ألا يؤمن أغلب المؤمنين في الغرب بقصة ولادة السيد المسيح من السيدة العذراء مريم من دون زواج؟

فرغم كل الديمقراطية والحداثة و التنوير والتطور العلمي المذهل مازال العقل الغربي يؤمن بقصة لا أساس علمي أو عقلي لها، ولا يمكن تفسيرها إلا روحيا، بقوة الدين، وحاجة الإنسان للروح والعقيدة.

أقول هذا لأؤكد أن لكل دين هذا الجانب العقيدي الذي يؤمن به أتباعه بشكل متوارث، دون أن يسألوا أنفسهم عن صحته العلمية أو دقته المعرفية، ويعتبرونه كمسلمات غير قابلة للطعن أو التشكيك، بما يعني أن هذا الجانب العقيدي المقدس لا علاقة له بتقدم الغرب وتخلف الشرق أو حتى العكس، الأمر الذي يحتّم علينا تقبله كما هو واحترام مشاعر الناس المؤمنة به لأي دين انتموا .

وهنا أشير أنه لا يجدي طرح الأسئلة المشككة به، بمعنى أن الدين لا يجوز أن نطرح عليه لماذا؟ وكيف؟ وأن نخضعه لاعتبارات المعرفة العقلية والعلمية. لأن المؤمن به لا يؤمن نتيجة تحليل علمي منطقي تاريخي بل نتيجة تسليم شبه مطلق .

لذا إما أن نؤمن به كما هو وإما نرفضه مع حفظ الاحترام لمشاعر كلّ من يؤمن به ، مادامت دائرة اعتقاداته تخصّه هو دون أن تؤثر على دائرة اعتقادات الآخرين  وحريتهم .

أعني هنا أن الجانب العقيدي فقط هو الذي يجب قبوله كما هو، وماعدا ذلك (صحة الأحاديث واجتهادات الفقهاء وأراء الخلفاء الراشدين والأئمة،الحجاب.. ووو..مثلا لا حصر) فهو مفتوح للنقد والبحث والتحليل والتقصي التاريخي.

قضية الرسوم

لا يستطيع أحد أن يجزم بشكل يقيني: لماذا تم نشر هذه الرسوم (الرسوم المسيئة للرسول محمد) في المرة الأولى؟ هل هي كجزء من حرية التعبير في بلد تشكل قضية الحريات العامة قضية مقدسة لديه؟ أم أن الأمر بغية استفزاز العالم الإسلامي واختبار ردة فعله؟ أم أن الأمر ممنهج ومدروس وفقا لأدبيات نظرية المؤامرة؟ أم؟

أرجح أن  نشر الرسوم للمرة الأولى كان جزءا من حرية التعبير-أعني بالنسبة للصحف التي نشرت والرسامين الذين رسموا- بعيدا عن استفزاز العالم الإسلامي لأن البنية الثقافية للغرب عموما تقوم على انتهاك المقدس بما فيه المقدس المسيحي .

وفي حالته الثانية كان رد فعل مدروس بدقة على رد فعل إسلامي أتى هو الأخر كرد فعل على نشر الرسوم الأولى.

ولكن المشكلة أن نشر الرسوم جاء في وقت تشهد فيه الدانمرك موجة عداء غير مسبوقة للإسلام والمسلمين، إذ كتب شادي فريجة (نائب الممثّل الإعلامي لحزب التحرير في الدنمرك ) في جريدة الأخبار اللبنانية في تاريخ 1كانون الأول 2007 ما يلي:

(منذ اا أيلول 2001، تنتشر في الدنمرك موجة عداء شديدة للمسلمين، ولا سيّما بين السياسيّين والإعلاميّين، الأمر الذي دفع العديد من الدنمركيين المنصفين والموضوعيين إلى الوقوف في وجهها.

في 7 نيسان 2006 كتب ولف غانغ زانغ، وهو أستاذ محاضر في جامعة ألبرغ، في صحيفة «ويك إند»: (عندما يقول مثلاً عضو البرلمان جسبر لانغ بيلي: «إنّ الإسلام هو بمثابة الطاعون في أوروبا، في الوقت الذي يجلس فيه إلى جانبه رئيس الوزراء ووزير الدمج ولا يعترضان على شيء من كلامه، وأيضاً أعضاء الحزب الاجتماعي الديمقراطي يلزمون الصمت، عندها تأخذ النزعة العدائية حيزاً كبيراً في الدنمرك، ما لا يوجد في بقية دول الاتحاد الأوروبي».

في 15 كانون الأول 2005 كتب اثنا عشر مفكراً بياناً مشتركاً في صحيفة بوليتكن ضد ما سمّوه «اضطهاد المسلمين في الدنمرك». إنغي إيركسن، وهي واحدة من أولئك الإثني عشر، قالت: «إن التصريحات في ما يتعلق بالنقاش الدائر حول موضوع الأجانب لم تكن أبداً بهذا السوء الذي هي عليه الآن»، وأضافت: «كانت سيئة، سيئة جداً، لسنوات طويلة. لكنني أعتقد أننا وصلنا إلى مستوى منحدر جداً الآن، حيث بات كل المسلمين إرهابيين! فما هذا الهراء؟».

أظن أن نشر الرسوم في المرة الثانية لم يكن بريئا أبدا، بل جاء استجابة لذلك المناخ المعادي للإسلام، الأمر الذي يجعل منه فعلا يدخل في دائرة السياسة ومصالحها أكثر مما يدخل في خانة حرية التعبير، لأن الناشر في الحالة الثانية كان يعرف رد فعل المسلمين وأراد تكراره ليصل لنتائج هو يريدها، لأنه استفاد كثيرا برأيي من رد الفعل الإسلامي الأول وأراد أن يستثمره مرة أخرى، لتشويه صورة الإسلام -المشوُهة أصلا- في الغرب، لأنه مذ كتب فوكوياما أطروحته الشهيرة ، محوّلا الإسلام إلى عدو  للغرب، والهجوم على الإسلام يتضاعف ويزداد يوما بعد يوم خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، حتى حل الإسلام محل الشيوعية سابقا كإيديولوجيا تهدد الغرب “الحضاري”.

بعيدا عن نظرية المؤامرة ، لا نستطيع  فصل تلك التحولات التي تصيب العالم فيما يخص نظرته للإسلام وتعامله معه، بدءا من منع الحجاب، وصولا إلى الرسوم المسيئة، الأمر الذي يشير إلى أن هناك فعلا في الغرب من يدفع الأمور باتجاه لحظة صدام ما ، ليبين أن الإسلام والمسلمين خارج دائرة الفعل والحضارة، وفي أغلب الأحيان يندفع المسلمون نحو تلك النقطة بانفعالاتهم وغوغائية طرح قضاياهم.

ولعلنا نفسّر تصرف الغرب تجاه الإسلام كما فسره الدكتور سيد يسين عندما أرجع الأمر لثلاثة تفسيرات ثقافية واجتماعية ونفسية، حيث يتجلى الثقافي في قيام البنية المعرفية للغرب على انتهاك المقدس -أي مقدس- والاجتماعي في تخوف الغرب من المسلمين الذين باتوا يشكلون قوة ديمغرافية في قلب العلم الأوربي، والنفسي في اعتبار تلك الأفعال نوع من الرد والدفاع عن النفس قبل حصول الكارثة، وهو ردّ سيء وظلامي ويتنافى مع تراث الحضارة الغربية المتمثل بالعقلانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، تلك المفاهيم التي تبدو اليوم وكأنها أمام امتحان جديد.

الرسوم والهولوكست

غير أن هذا الصدام لم يُعَرّ المسلمين فقط ، بل عرّى إيديولوجيا الغرب وتستّرها وراء حرية التعبير أيضا، عندما رفض مثلا نشر رسوم تخص الهولوكست اليهودي  وهنا أصبح الهولوكست بمثابة دين مقدس لا يجوز التشكيك به، الأمر الذي يتنافى مع حرية التعبير ويشكك بمصداقية من يرفعون شعاراتها، بل يؤكد الأمر أن العقل الغربي مازال هو الآخر أسيرا لغيبيات من نوع آخر، يعتبرها مقدسات ويحارب من يلمسها ويشكك بها .

وفي رأيي لا فارق بين  النوعين من الرسوم نهائيا من وجهة نظرهم التي يدافعون فيها عن أنفسهم وهي قداسة حرية التعبير، بل إن نشر رسوم المحرقة أسهل من نشر رسوم كاريكاتورية لمقدسات دينية، لأن الإسلام يدخل في خانة الديانات التي يجب احترامها وتنصّ كل شرائع حقوق الإنسان عليها بينما قضية الهولوكست هي قضية سياسية تاريخية محض تخضع لأسئلة الشك والتنقيب والبحث، ولكن نجد الأمور هنا معكوسة  حيث يتحول الهولوكست إلى دين غير قابل للنقاش والنقد.

لا يعني ذلك أن تصرف الجمهورية الإيرانية في تنظيم مسابقة لرسوم تخص الهولوكست كان صائبا أبدا، لأنه كان ردّ فعل أكثر منه فِعلا قائما على دراسة معرفية معمقة بالهولوكوست، بل كان أيضا استخداما سياسيا لمصالح أخرى تخدم النظام الإيراني بالدرجة الأولى ، لأن القائمين على تظاهرة رسوم الهولوكست كانت لهم محرماتهم التي لا يجوز مسّها، وهذا ما أوضحه الكاتب الأمريكي المناهض لقضايا الصهيونية وصاحب الكتاب المشكك بالمحرقة وأرقامها” صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية”: نورمان فنكلستين الذي كان مدعوا للمؤتمر ورفض الحضور نتيجة عدم موافقة الجهات المنظمة على شروطه .

لا يعني هذا أنه لا يجوز لإيران أن تنظم تظاهرة تخصّ الهولوكوست، بل يحق لها ذلك دون أن يكون الأمر مجرد رد فعل على نشر الرسوم المسيئة للإسلام، وشرط أن يخضع الموضوع لاعتبارات المعرفة والبحث العلمي لا اعتبارات السياسة ومصالحها المتبدلة.

رد المسلمين

رد فعل المسلمين كان ذا طبيعة مزدوجة ، فهو كان تعبيرا بريئا في بعض الدول وكان تعبيرا مسيّسا في دول أخرى، أرادت أنظمتها أن تستغل الموضوع لإرسال رسالة سياسية صرفة، وفي الحالتين لم يخدم الرد الإسلام ولا المسلمين، والدليل نشر الرسوم مرة أخرى. فرد الفعل الإسلامي هو من سلّط الضوء على قضية نشر الرسوم المسيئة للإسلام، حيث قبلها لم يسمع أحد بالرسوم، علما أنها كانت نشرت قبل أشهر من ردود الفعل الحاصلة.

نعم يشبه الأمر رد الفعل تجاه قضية سلمان رشدي حول روايته الآيات الشيطانية، رد الفعل الذي سلّط الضوء على الرواية وجعل ملايين الناس تقرأها بدافع الفضول فقط، الأمر الذي يؤكد أن رد فعل المسلمين كان سلبيا ، وأعطى نتائج إيجابية لمن يعتبر بنظرهم الخصم. عدا عن إظهار الإسلام بمظهر الدين المنافي لحرية التعبير

ولحقوق الإنسان وو..

ولكن ماذا عن أنفسنا نحن؟

ماذا عن الإسلام المنتشر بيننا؟

هل يحترم حريتنا الشخصية ؟

هل يحترم الإسلام الآن العقائد الأخرى ؟

كيف يتعامل مع المسلمين اللذين لهم رأي مختلف ؟

من كفّر المفكر المسلم نصر حامد أبو زيد ؟

من حكم بالقتل على سلمان رشدي ؟

 

من هدر دم  الروائي السوري حيدر حيدر لمجرد كتابته رواية ؟

من يأسر حرية المرأة بفتاويه المثيرة للجدل ؟

من يضع قوائم سوداء وبيضاء للممثلين؟

من لا يسمح لمحمد حجازي باختيار الدين الذي يشاء؟

من يفتي بالتعامل مع المحتل؟

 

من حوّل الجزائر بلد المليون شهيد إلى مقبرة ؟

من حول سوريا في الثمانينات إلى بلد أشباح؟

من يقطع الرقاب في العراق؟

من يقتل أخاه المسلم في مصر؟

من ومن؟؟

 

كثيرة الأمثلة لو أردنا ذكرها، وهنا في عالمنا العربي والإسلامي ، حيث لا يوجد دانمرك ولا فوكوياما ولا نظريات مؤامرة ، بل شيوخ وعمائم وسلطات تستخدم الدين لمصالحها وشهواتها الخاصة.

كيف يحترمنا العالم وإسلامنا مع الأسف على هذه الشاكلة؟

من يحترمنا إن لم نحترم أنفسنا؟

وبرأيي أن أفضل الأمور للتعامل مع أفعال كهذه هو تجاهلها التام، عندئذ ستمرّ مرورا هادئا ولن يسمع بها أحد. وإن رد فعل المسلمين في المرة الثانية يؤكد صحة هذا الرأي. هذا على مستوى التعامل الآني مع المسألة.

أما الرد الحقيقي  فيجب أن يكون بعقلنة الخطاب الإسلامي، وتقديم قراءة عصرية للإسلام وتعاليمه مستمدة من فكرة تغيّر الأحكام بتغير الأحوال، والسعي الحثيث نحو إنضاج ظروف مواتية تسمح بتحقيق إصلاح إسلامي حقيقي، وهذا لا يكون دون الإيمان بأهمية النقد والحوار والشك والتشريح، وإعادة قراءة التراث الإسلامي المليء مع الأسف بالكثير من الخرافات والهرطقات التي لا تستقيم مع أسس التفكير السليم.

وإعادة الاعتبار لأفكار مفكرين إسلاميين مستنيرين بدءا من محمد عبده  حتى نصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور وغيرهم، وفتح باب النقاش على مصراعيه بعيدا عن التكفير والتحريم، حول قضايا الساعة المعاصرة كالعلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير لجهة علاقتها بالإسلام، ومدى قبوله لها.

 

محمد يوسف: من يسيء(للرسول) وللرسل؟!

ربما نستطيع الإجابة على التساؤل الذي يطرحه العنوان من خلال سلة حقوق وحريات الإنسان، لنقف على ثلاثة مفاصل ومعطيات:

  1. حرية المعتقد.
  2. حرية الصحافة والرأي.
  3. الوصاية ومصادرة الحقوق والحريات الإنسانية.

والآن ثمة فرق جوهري بين حمل مليار وثلاثمائة مليون مسلم في العالم المعتقد الإسلامي في عقولهم وقلوبهم ووجدانهم إيماناً منهم وأملاً بأن ما يعتقدونه سيكون خيراً لهم، بكل ما لهذا الإيمان من قوة ورسوخ واستمرارية في التاريخ. وبين أن تتنطح جهتان للاشتغال على هذا الاعتقاد كمادة خام وتصنيع السلعة الفكرية الإيديولوجية منه والتجارة الإعلامية بما يخدم مصالح هاتين الجهتين وهما:

  1. المؤسسات الصحافية الأوربية ومنها المؤسسات الصحفية الدانماركية التي بممارستها حق وحرية الصحافة والنشر ودخولها في صراع مع سلطة الكهنوت الإسلامي والسلطات الدنيوية الحليفة لها بكل ترسانتها الإعلامية ومنابرها،تجاهلت مشاعر المسلمين الذين تم النيل من مقدراتهم وثروتهم الوجدانية ومقومات سكينتهم النفسية وإيمانهم بكل ما يشكله من عوامل لحمة وتماسك اجتماعي.
  2. المؤسسات الدينية الإسلامية ورجال الدين الذين أعلنوا ملكيتهم لهذا الدين ومباشرة سلطة الأمر والنهي والإفتاء والسير بالمادة الفكرية الإيمانية التعبوية في مساراتها المختلفة وصولاً إلى شوطها القصوي القتالي الجهادي وجر مساحات واسعة من البشر إلى معارك استنزافي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

فالجهتان(المؤسسات الصحفية الدانماركية و المؤسسات الدينية الإسلامية) تتصارعان على خلفية تمثيلهما لمشروعين سياسيين يتنافسان تاريخيا ً على الظفر بما تختزنه أرض وعقول مليارات البشر من ثروات مادية وفكرية وتحويله إلى أرباح مستأثر بها على حساب حياة الناس المصادرة حتى تخوم الفاقة والذل والهوان وبما يتنافى مع ما يلى:

  1. ماذا يعني أن تترك الصحافة الدانماركية عشرات القضايا التي تهم وتلامس هموم ومصالح الشعوب الإسلامية،في حياتهم ومعاشهم وحقوقهم وحرياتهم، واحتلال أراضيهم وتستخدم حرية النشر وسيلة للدوس على حرية إيمانهم والتي تنفصل بخصوصيتها كحالة نفسية شخصية خاصة ، عن مختلف أساليب تصفية الحسابات وأحابيل الصراع السياسي وتقنياته ووسائله؟ أعتقد أن ما لحق الشعوب الإسلامية من آثار نفسية ومعنوية جراء الاعتداء الصحفي على رموزهم الدينية،لن يكون أكثر من امتداد لكل التاريخ الاستعماري الذي لم يجهز على المستعمرات وشعوبها وثرواتها وحسب وإنما ألحق أوربا نفسها بقائمة الدمار والخراب في الحربين العالميتين (الأولى والثانية) وبالتالي فذاكرة البشر تختزن الأذى والإساءة كماض أسود ينسب إليه أي تحديث لهذا الأذى في الحاضر،وبما يسيء ليس للرسول فقط وإنما لكل حملة ألوية التبشير بخير البرية وسعادتها على مر التاريخ، فدماء الدمار والخراب والقتل والحروب تكذب قراصنة وغطاسي القيم والمبادئ،والعبرة بالنتائج في نهاية المطاف، وهنا كان على الصحافة الأوربية قاطبة أن تثبت العكس على أنها ليست أبواقاً للطغم الاستعمارية.وإنما هي حامية حمى مشروع الحياة الحرة الكريمة للناس وليس لطغاتهم على اختلاف أطيافهم،ومساقطهم الجغرافية والإيديولوجية.

2حينما نمعن النظر ونحن نتأبط الوثائق والبيانات والإحصائيات بأوضاع مليار وثلاثمائة مليون مسلم في العالم سنجد أن فقرهم وجوعهم وأمراضهم وأميتهم وجهلهم وحروبهم لن تحسن للرسول الذي ترك  خير أمة أمانة تاريخية في أعناق أولي الأمر منهم فأحالوها إلى أرذل حالة ومستوى،وبالتالي فسلطة الكهنوت الإسلامي حينما تتصدى لمسألة الرسوم المسيئة للرسول( على أهميتها من حيث هي اعتداء على مشاعر المسلمين وحق الاعتقاد) فإنها وقفت في وزارات السلطات والمؤسسات الدينية والمحافل وسكتت وتسكت  عن الوقائع ليس المسيئة لأمة الرسول فقط وإنما المهددة لوجود هذه الأمة جراء أفعال طغاة هذه الأمة.

وأمام كل هذا المآل ستصبح قصة الرسوم المسيئة بسيطة، ذلك أن الشعوب الإسلامية شربت وذاقت بحر الويلات، والرسوم بإساءتها على أهميتها تشكل ساقية صغيرة والآن سنتوجه باسم الرسل جميعاً وباسم المستضعفين الذين حفلت المبادئ والرسالات بهم وبقضاياهم بالسؤال إلى من أوكلوا لأنفسهم تمثيل البشر الآن ماذا فعلتم بما يفترض أنكم اؤتمنتم عليه لتطبيق العدل والأمن والسلام والحرية والإخاء والمساواة.

ويبقى السؤال قائماً من يسيء للرسل؟ أعتقد أن كوكبنا الأرضي سيخجل حينئذ ِ.

محمد الضامن: كسلُ المحنةِ راحةُ اليقينِ

في بيت الذاهب وحيدا!

حقائقنا عادة التجربة فينا، وعادتها كسل المحنة في متاهتها.

***

كتبي أهشّ بها الجهل عن براحة عرائي الهائم بعلاته!.

***

…حتى المتع مخيفة!!.

***

كل فكرة تتحول إلى عقيدة تدمّر علاقة الإنسان بالحياة التي تفرض ضرورة الحياة القلقة أن تكون متوترة بمرح طفولي، وغير مستقرة المعنى؛ لكن الآدمي يحنّ إلى الراحة، وفي استراحته تتحول أفكاره إلى عقيدة لا يستسيغ فيها تعكرّها من أحد قط؛ فلكي ينعم بها عليه أن يدافع عنها، وهنا تنشأ أدبيات الصراع على امتلاك رموز الحقائق المُبالَغ فيها.

***

الأصدقاء قناديل الحياة.

***

إننا محكومون بالمجهول، ووجودنا سكّير أدمن نبيذ المتاهة، وسكرته القلق العربيد على أعتابه لا يصحو؛ إلا وقد ارتكب جريمة أودعها الكلمات، ومنذ أزل لم يبرد، ونحن أسرى خيال كلماته.

***

جسدكِ كسرة ضوء تضيء غموض رغبتي الكسولة!

***

رجعوا إلىمدارسهم، ونحن لازلنا ريضين، لا نأخذ الدنيا على عجل؛ لأنه من الشيطان! بلدي ضد الشيطان- هذا هو ادعاؤها- هذا يعني أيضا أنها ضد الحياة؛ لكن شيطان الحياة سينتصر، وسيبقى الخائفون- منه ومنها- يجلدهم الذعر وما من عزاء لهم غير جلد الذات بأحراز الغيب!

***

لا تأخذنَّ الهياج بالبلاغة كيقين؛ لِتسترضي القهر بالضعيف اليائس؛ فتتورط بك الأيام بمحنها!

***

لا شيء. عتبةٌ تجر إلى عتبة…!

***

ستحن البشرية الأوروبية إلى خيال الخلود هربا من صحراء العدم القاحل، وستحشد آليات ثقافية لتهيئة المجتمع لذلك. سيكون مشروع دولة، ووطن إذا كان ذلك هو ما تتطلبه حاجة الدولة، والوطن، والمصلحة السياسية!؟. سيبقى العدمي منبوذا، ووحيدا ومهمشا تأكل وحدتُه خيالَ ذعره، ومن ثم سيُفَسر هذا إثباتا للحقيقة الأزلية المتمثلة في الإيمان. بينما هو إيمان المغامرة الدائخة في الاستراحة. استراحة المحارب المغامر ضد المجهول. استراحة محارب في بيت قديم؛ لكن بمعنى حديث يكرس وجوده ويثبت انه سيد المعنى في كل العصور!!؛ لكن أحقاً سيستريح المغامر؟!!

***

الكتابة العربية تربي الذاكرة اللغوية على الثرثرة، وفي الثرثرة يتقشقش العقل!

***

كان بوذا يحث العقول الناعمة التي تحوم حوله؛ لتصقل هشاشتها بحكمته على ألا يكفوا عن البحث في الغابة الكونية عن كنوز تكشف لهم سر الحياة، وتخلص البشرية من الألم، وألا يعتمدوا على ما تعلموه منه. كان يقول لهم: إذا وجدتم ما هو أصلح لكم مما عرفتموه مني فاتبعوه، واتركوا ما قلته لكم. هكذا كان بوذا يعلم الحرية. لكن الذين حاموا حوله دجَّنوه إلى عقيدة ذات نصوص، ومدارس!! وهكذا ديدن الأتباع دائما، يبحثون عمَّن يريح الغموض الكثيف في حياتهم؛ فيقتلون كل مغامرة قد تتجاوز ما قدَّسَه خيالُ خوفِهم الكسول!

***

الفسق، والفجور يقويان الجسد!

***

كلما جررتُ محفظتها؛ لأنظر ما بداخلها سحبتها، وفيضان الغضب بدأ يهمّ في الانتشار بين قسمات وجهها، زاعقة: (لحشومة). (لحشومة)!! تردد الغرابة طنينها في مجرات الأفكار، ومقاماتها. لم أستوعب!. (لحشومة)، وهي التي أذاقتني الخفي، و المكشوف من جسدها، التي تسألني عن الطعم؛ كلما تاهت رغبتي في دروب الطين، و العجين  بروائحه!!. (لحشومة)!. أيكون الفرج أيسر عليها في الكشف مما بداخل محفظتها؟!. كررتُ فضولي بعد برهات؛ فكررتْ السحب ملحقاً بالعبوس، والحنق:(لحشومة)!. لو عِبتُ عليها جسدها لما تضايقت كل هذا النفور؛ لربما غضبت من حظها، وقدرها الذي يبدو أنه ذو سكرة لحظة الخلق؛ فنافرَ الصفات، وبعثرَ الخصائص عليها؛ فسلمت هي بما لا دخل لها فيه، ولا خيارَ لذوقها في دروب جسدها!.

يبدي الآدمي حرصا شديدا على أن لا يهان في خياراته، بما أنها تمثل رمزية لكمال عقله، ونضج فهمه لوجوده، الذي كرس له كافة الهِمم؛ حتى رآه كما يريد، أو كما يُرَاد له أن يكون! هل كانت تخاف من أن أُقلِّل من قيمة مقتنياتها التي وضعتها في محفظتها، وأسخر من رمزية خيارها القابع في المحفظة من ثم؟. هي المرأة التي ذوقها وجودها، ذوقها خيار وجودها وقيمته. ذوقها عقلها الذي عاطته الهمة في الصقل، والهمة في الصرف! يبدو أن غضبها استشاط؛ لأن خيارها قد يتعرض للقدح، وليس لأن ما اختارته فيه عيب! كانت تبدي دفاعا عن ذوق نفسها الذي سيُستَخف به، لا عمّا اختارته في محفظتها!

 

تبدو لي ردة المسلمين على الرسوم الكاريكاتورية عن الرسول، هي في هذا المعنى. غضبوا، وتصارخوا، وهاجت الأمم تلو الأمم، وحركوا الجيوب، والعصي؛ لأن الرسوم سخرت من خيارهم، من فهمهم للرسول، بما أن الرسوم تعبر عن فكرة أو تصور نموذجا للرسول، بمعنى أنها تعبر عن الكيفية التي استقبل بها الغربي الرسول من خلال المسلمين، وبما أنه عرفه من خلال المسلمين؛ فإنه يسخر من فهم المسلمين للرسول؛ فكأن الغضب ثار لأن طريقة الفهم تعرضت للنقد الساخر من اليقين. طريق الفهم الذي صقلوه قرونا، ومارسوا العنف في سبيله قرونا، وكُفِر من كُفِر في سبيله سنينا، وسنينا، وسنينا…وما زالوا على استعداد تام لأن يُفْدُوا الطريق الوجود بالدم الحبر، والمال حتى يرث الله الموت!

لكن المعنى هنا لا يمسّ الرسول، إنه يمسّ الهشاشة! هشاشة فهم المسلمين لأنفسهم، وخياراتهم! ليست رمزية الرسول هشة حتى تنهار برسم؛ بل الطريق إليه هو الهشُ!.الطريق الذي يحتقر طرق الآخرين، ويخاف من أن تلامسه كلمات جرشة.هذا الدفاع الهائج ببلاغة الصراخ، وبلاغة العنف، هو دفاعُ كبرياء العقل الموهوم بحسنه وكماله!ومن ثم من تكون طرق فهمه لخياراته هشة يبدي دفاعا شرسا!

***

هشاشة العربي تنبع من خوفه أن يكون وحيدا على مستوى الخيارات المتعلقة بالحياة والقيم؛ لذلك تتأسس الثقة لديه- فيما يخص خياراته- على ما هو عام، ويحظى بقبول الحس المشترك.فثقافته لا تربيه إلا على الانتماء للمشترك، وتشوه أمامه الشخص الخارج من الحظيرة الطاهرة!

***

حيرانُ أيها الأملُ،

أأرزُّك نبياً في القلب، أم أسلي بك يأسي الدوخان بيأسه!؟

 

إحسان طالب: الهوية فوبيا تُشعل حطب الرسوم المسيئة

  

في أجواء عالمية مأزومة تقف على طرفيها أمم تتباين طبيعة حياتها و تكويناتها الثقافية والاجتماعية وتتعارض مصالحها وأهدافها، يقف الشرق المحاصر بالضغوط و التهديدات، تثقل كاهله الحاجات و الضرورات، تقلقه هواجس الذوبان وضياع الهوية  قبالة غرب مستقر عمليا، يسعى  بجد لامتلاك ما يستطيع من إمكانات وأدوات وطاقات ليعزز تفوقه الراهن ويؤكد سيطرته الحديثة على المقدرات الكونية.

بدأ ذلك الغرب يستشعر بخطر داهم ـ مبالغ فيه ـ على هويته الثقافية و طرائق معاشه وتفكيره، حيال تنامي المظاهر الإسلامية في شوارعه و أحيائه، زاد على ذلك إعلام يرى مادة دسمة تنقلها الأحداث اليومية، يخلقها تيار إسلامي معزول متطرف، يبرز بين الفينة و الأخرى مطلا برأسه بعمليات تخريبية، تتنقل من عاصمة أوربية إلى أخرى ،حيثما وجد ثغرة ولج فيها .

وفي الجانب الآخر ،فإن الشرق أو الجنوب ـ لا فرق ـ يعاني فوبيا الهوية، استقر في وجدانه تقديس لماض وتراث، وجد عنده ذاته وحقق في الماضي سيطرته و تفوقه، يخالجه خوف ورعب من الذوبان و الضياع أمام ثورات علمية وتكنولوجية وفكرية يسعر أوارها، تنافس دائم وتسابق لا يهدأ في عالم بات وشيكا من اختراع معجزات ظنها دهورا حكرا على المطلق. زاد تلك الفوبيا وفاقمها تأزُّم القضايا المستعصية و الغزو الاستعماري الجديد  المباشر الآتي تحت راية التحرير و الديمقراطية من قبل الغرب لبلاده وشعوبه .

فالمسألة إذن أبعد بكثير من اختلاف في مفهوم للحرية لم يتبلور بعد في الشرق ،ومازال يعد الحرية جنين سفاح لا يريد الاعتراف به بل لا يريد له الحياة، كان يراها في حالة الاسترخاء والأمن قضية رفاهية وترف تتجاوز سوية المطلب الملحّ ،وغدت في وضع الاستنفار والتأهب شبهة وسهما مصوبا من قبل عدو متاخم لعتبات الدار يعيش عالم الليبرالية الجديدة ويؤصل مضامين ما بعد الحداثة، لم يعد ينظر إليه كنموذج ومثال متقدم للتطور والتقدم بل يخشاه ويأمل أن يصرف خطره حتى ولو كان ذلك بمغادرة الزمن إلى الوراء وإحياء أنموذج السلف ونفض ما ران عليه من نقد وكشف .

في خضم ذلك المشهد شديد التشعب مارس الفنان الدانمركي حريته ،مستغلا ما تطاوله يده من عبث بوجه قوم أضروا بذاتهم أكثر مما أضر بها الخصوم ، وتعامل بانتقائية حيال مفردات تلك الحرية وأدواتها مباشرا رؤيته من زاوية حادة، لعلها زاوية عمياء حجبت قيمة كلية أضر بتخصيصها وتجزيئها ولم تكن بالنسبة إليه تجاوزا لخطوط حمراء لم يستطع أن يخفي بفنه حقدا و اشمئزازا حيال الآخر المختلف . من زاوية أكثر انفراجا نظر اليسار الفرنسي إلى قانون شيراك بتحريم الحجاب في الدوائر و الهيئات الرسمية  فوجده مناقضا لقيمة الحرية ومتعارضا مع قواعد العلمانية .

ردود الأفعال والتوظيف السياسي   

في الرابع عشر من فبراير 1989أصدر أية الله الخميني من خلال راديو طهران فتوى بإهدار دم سلمان رشدي صاحب رواية آيات شيطانية ،التي تعرض فيها للنبي محمد بن عبد الله و التي صدرت قبل أشهر من الفتوى، وفي نهاية عام 1990 قدم رشدي اعتذارا رسميا للمسلمين  وفي العشرين من سبتمبر أعلنت حكومة إيران عدم التزامها بتنفيذ الفتوى ضد رشدي وعلى إثرها أعادت بريطانيا سفيرها إلى طهران .

ربط بعض خبراء الإسلام السياسي فتوى الخميني بنجاح طالبان في إخراج السوفييت من أفغانستان وعدّوه محاولة للتغطية على ذلك النصر وفرض للصوت الإيراني المسلم في الساحة الشعبية، وكانت ردود الدول العربية على كتاب رشدي ضعيفة و متفاوتة و كان الكتاب متداولا في بعض العواصم العربية .

في منتصف يونيو 2007 منحت ملكة بريطانيا لقب فارس لسلمان رشدي الذي أعرب في تلك المناسبة عن تأييده للصحيفة الدانمركية التي نشرت الرسوم المسيئة محذرا مما وصفه بسلطوية الإسلام، اجتاحت حينها مظاهرات حاشدة المدن الرئيسة في باكستان وأهدر دمه وخصصت جائزة 15 مليون روبية لمن يأتي برأسه.

بالغت مجموعات عربية في ردود فعلها على الرسوم المسيئة، واقترب عدد الضحايا من العشرة، وأحرقت عدة سفارات في عاصمة عربية مازال نظامها في نظر الأوربيين علمانيا، لكن ردود الأفعال جاءت في وقت تعاني فيه سوريا حصارا و محاولات عزل قاسية  .

إساءة رشدي مبدئية قامت على تصور ارتباط النبي محمد بالشيطان الذي أملى عليه بعض آيات القران الكريم، فيما إساءة الرسوم الدانمركية منهجية تنزاح في بعض  وجوهها نحو قيمة الحرية ومكانتها، لكن ردود الفعل الأضخم والأكبر والأشد كانت قبالة الرسوم الدانمركية، لأن الظرف الموضوعي السياسي والاجتماعي المهيمن على العرب والمسلمين بات أشد ضغطا و حصارا. هكذا تتداخل الصراعات السياسية مع التباينات الأيديولوجية وتسخّر القضايا الدينية للوصول إلى مآرب لا تنتمي إليها .

قدر كاف  من الديمقراطية والمشاركة السياسية والاقتصادية والانفتاح المتبادل و الحوار الحضاري،  تحيل تلك الصراعات إلى محورها الأصيل، وتخمد إلى حد بعيد ثوران الصراعات الأيديولوجية و العقائدية .ويعد النهوض الثقافي والتنوير الفكري أساسا لتجاوز حالة التصادم ذات المنشأ الحضاري، إلا أن الأمر ليس بتلك البساطة فالوقوف على عتبة الاستقرار وولوج سلم التغيير دونه خرط القتاد .

 

نبيل صالح: إزدواجية معايير غربية في ظل تخلف فكري إسلامي

 

 

حقيقةً لا أستطيع ـ كمثقف عضوي يشتغل على عملية النقد للذات وللآخر، ويضطلع كغيره من المثقفين العرب بمسؤولية الإصلاح العقلي والفكري- أن أتهم الرسام (الدنماركي) بأنه يريد (وعن سابق تصور وتصميم) الإساءة للإسلام والمسلمين عبر تشويه أكبر رمز مقدس عندهم وهو النبي محمد، وبالمقابل لا يمكنني نفي الاتهام ذاته عنه خصوصاً بعد إعادة نشر تلك الرسوم في صحف كثيرة، وهذا ما يضع أكثر من تساؤل حول وجود نوايا خبيثة لدى ناشري الرسوم.

فهذا الرسام قد يدّعي (وربما يكون محقاً في ذلك بحكم ما تمنحه ثقافته وحضارته الغربية من حرية كاملة في الاعتقاد والممارسة) أنه يمارس عملاً إبداعياً كفله له الدستور والقانون الغربي الذي يعتبر الحرية الفردية قدس الأقداس، وهو –بالنظر إلى ذلك- قد يسخر في رسوماته حتى من المسيح الذي يؤمن به نظرياً على الأقل أكثر من ثلاثة مليار إنسان في العالم.. وهو من -جانب آخر- مسؤول ويمكن لومه بشدة وتحميله جزءاً كبيراً من المسؤولية العملية لأنه كإنسان مبدع (رسام كاريكاتير) يتعاطى الشأن العام، وبالتالي هو إنسان مثقف، ولذلك كان عليه أن يكون مطلعاً على الآخر المختلف عنه كيلا يسيء إليه، وإلى مقدساته واعتقاداته.

من هنا لست جازماً أو متيقناً بالكامل في حكمي عليه عندما نشر الرسوم للمرة الأولى، وإن كنت أميل للظن بأنه ـ كفرد تربى ونشأ في حضن ثقافة غربية مختلفة عن ثقافتنا وقيمنا- غير مطلع على الإسلام كما هو في عمقه الروحي والمفاهيمي، ولا يعرف شيئاً عن طبيعة الثقافة الإسلامية، ومعنى شخصية عظيمة كالنبي محمد وقيمتها لدى المسلمين، وهو على ما يبدو اكتفى بالنظر إلى السطح ولم ينفذ إلى العمق، فكان فهمه للإسلام ضيقاً ومحصوراً فيما تقوم به مختلف الحركات والتيارات الإسلامية المتطرفة هنا وهناك من أعمال قتل وسفك دماء وتعصب وإلغاء للآخر.

وربما كانت المشاهد الدامية والمؤثرة فعلاً التي تصور كيفية ذبح الناس كما تذبح الخراف والنعاج لا بل أشد، ربما تكون تلك الصور والمشاهد –التي عرضتها كثير من محطات التلفزة ومواقع الانترنت العربية والإسلامية من موقع الفخر والمباهاة والتأسي بالسلف الصالح على حد زعمهم- قد عمقت في ذهنية هذا الرسام (وغيره من مثقفي الغرب) ما هو كائن أصلاً في خفايا نفسه ووعيه من تصور عن دموية العرب والمسلمين ووحشيتهم وانعدام الرحمة لديهم.

وأود أن أضيف هنا، إن قيام صحف دانمركية (حوالي 17 صحيفة) بإعادة نشر تلك الرسوم من موقع التضامن مع الصحيفة التي نشرتها أولاً، وكرد فعل على دعوات المقاطعة (وضرب المصالح وتكفير الآخر ..و..الخ) التي ظهرت في غير موقع عربي وإسلامي هنا وهناك، ذلك كله يدفعني للاعتقاد بوجود نوايا غير حسنة لدى من أعاد نشر تلك الرسوم، ويجعلني شبه مقتنع بوجود حملة صحفية منظمة ومدبرة ومنسقة ومقصودة لتأجيج مشاعر العداء واستبقاء نزعات الكراهية والعدوان (القائمة تاريخياً) بين العالم العربي والعالم الغربي.

ومن الطبيعي أن نؤكد في هذا المجال أن قضية الحرية (حرية التعبير عن المعتقد أو الرأي) يجب أن تقف عند حدود معينة وهي عدم إثارة مشاعر الآخرين، وتقصّد الإساءة إلى قناعاتهم ومعتقداتهم بقطع النظر عن صحتها وفاعليتها الحضارية، خصوصاً أننا نعيش –في عالمنا العربي والإسلامي- في ظل إشكاليتين داخلية وخارجية، الأولى تتجسد في قصور الثقافة الدينية المسيطرة على مدارك الناس عندنا عن فهم تغيرات الحياة والعصر والاستجابة الفاعلة لتحديات الوجود المتسارعة، وعدم تغيير النظرة القائمة إلى عالم الغرب كدار كفر وحرب، وادعاء التميز والقوامة الفكرية والوصاية الدينية والحضارية على الآخر.

والإشكالية الثانية تتمحور حول مركزية الثقافة الغربية حول نفسها، حيث باقي الثقافات مجرد أطراف هامشية مستتبعة لها، وهذه الثقافة لا تزال –في كثير من معطياتها وتطبيقاتها- تنظر إلى الآخر وخاصة منهم العرب والمسلمين نظرة دونية إلى حد ما، فالعربي عندهم ـ على وجه العموم – هو القادم من عالم الشرق المثقل بالأساطير والخيالات والأحلام، وهو القادم من الصحراء والبادية، الجائع لكل ما هو غربي، والمحمل بالأموال الطائلة التي تشتري له الجاه والنساء وو..الخ.. وهذه النظرة للأسف لا تزال موجودة عند قطاع واسع من نخب الغرب، فضلاً عن باقي فئات مجتمعاته وأفراده.

أما ازدواجية المعايير التي يمارسها الغرب في تعاطيه مع قضايانا، فهي أمر مرفوض بشدة، ولا يلام عليه الغرب كثيراً فهذا هو ديدن كل حضارة غالبة وقاهرة، ولكن المشكلة هنا هي في هذا الضعف والهوان الذين يلفان عالم العرب والمسلمين، حيث نرى كيف يضعهم الآخرون في موقع الدونية الحضارية، أما اليهود مثلاً فلا أحد يتجرأ في الغرب على فتح أية صفحة من صفحات تاريخهم المليء بالعقد والترهات والأساطير مثل تاريخنا الإسلامي إن لم يكن أكثر منه، ولكنها القوة والمصلحة والسيطرة شبه الكاملة على حركة المال والثروة والعلم.

وفي تصوري وحتى يكون للعرب والمسلمين موقع ودور حيوي إنساني كبير في هذا العالم، أو على الأقل حتى تكون لهم كلمة مسموعة وجانب قوي مهاب يحسب له الآخرون أكثر من حساب قبل التفكير في السخرية منهم ومن معتقداتهم وقناعاتهم وعقائدهم، فإنه ينبغي عليهم إعادة الاعتبار للعقل والتفكير العقلاني، وإهمال لا بل ترك كل هذا التراث الباطل المعقّد الذي أضحى ديناً قائماً بدل الدين الحقيقي الذي أكرم العقل ورفعه إلى أعلى الدرجات، ودعا إلى بناء الحياة وتعمير الواقع بصورة عقلانية موضوعية.

كما أنه يجب عليهم ـ أي العرب، بالاستناد إلى ما تقدم-  البدء فورا في إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية ضرورية ومهمة، تنطلق أساساً من خلال إعطاء الناس حقوقهم وحرياتهم كاملة دون منة من أحد، فالحرية جوهر الوجود الإنساني، وأساس الإبداع الحضاري.

ولابد من تأكيد أن موضوع “الرسوم المسيئة” قد حُمّل أكثر مما يحتمل من جانب العرب والمسلمين ومن جانب الغرب على حد سواء، لأن هذا الموضوع “قديم-جديد” (جديد في شكله وقديم في مضمونه، إذ سبق أن تفجر في أكثر من موقع هنا وهناك كما هو الحال عند صدور رواية آيات شيطانية لسلمان رشدي، وفتوى الخميني بقتل مؤلفها والتي لا تزال سارية المفعول حتى الآن).

فمن جهة أولى نجد أن الثقافة العربية الإسلامية لا تزال واقفة –على المستوى الذاتي والموضوعي- عند عتبات القرن الأول الهجري، ولم تتمكن بعد من الخروج من أنفاق التاريخ المجهول والمعقد لتنطلق إلى رحاب الحياة والفكر والعقلانية لتطوير آفاقها ومعانيها ومفاهيمها لكي تستجيب من خلال ذلك لمتغيرات الحياة ومستجداتها.. أي إنها لم تستطع أن تطور ذاتياً أنماطا فكرية حديثة للتعاطي العقلاني مع مجمل الوقائع والتحولات التي يحفل بها عالم الوجود المتسارع. وبالتالي فنحن مسؤولون عن عدم تقديم نموذج إسلامي حداثوي للعالم.. أي علينا أن نعترف بقصورنا عن تطوير خطاب فكري ديني متسامح ومتصالح مع العالم الذي نعيش فيه.

وهذا الكلام لا يعني أن تنفتح ثقافتنا على كل ما هو جديد، كما حدث مع حادثة الرسوم المسيئة، فهذا تطور جديد ولكنه غير إيجابي، وهو تطور ينبغي على ثقافتنا الإسلامية أن تتكيف معه وتستجيب لمفاعيله لا أن تقبل به. ولكن أن تتعاطى معه بالعقل لا بالعاطفة. وأن ترد عليه بالفكر السليم لا بالتهديد أو الوعيد المنطلق من حمولات أيديولوجية مشحونة بموروثات التاريخ السقيم، رغم كون تلك الرسوم صادمة لمشاعر أكثر من مليار مسلم، وتساهم في تعميق حالة التنابذ والخصومة مع الآخر الغربي.

وفي اعتقادي أن هذه الثقافة الغربية المهيمنة حالياً –والتي تمنح الفرد مطلق الحرية في أي شيء- قد وصلت أخيراً إلى طريق مسدود وحدود نهائية من تأليه منطق السوق والاستهلاك وعبادة السلعة على حساب معنوية الوجود وعقلانيته.

ولهذا بتنا نسمع في الغرب صيحات كبار الفلاسفة والمفكرين لإعادة النظر في عالم الحداثة، وما بعد الحداثة الغربية، وأضحى الكثير منهم يطرح السؤال الأهم: إلى أين نسير؟! وما هو الهدف من ذلك؟.. حيث بدأنا نشهد نشوء تيارات وحركات ذات دوافع دينية في أكثر من دولة غربية.. تحاول إعادة الاعتبار للقيم المعنوية من أجل إضفاء طابع الروحنة على الحياة المعاصرة التي باتت حياة الإنسان فيها مهددة في العمق الروحي والمعنوي، وأشبه ما تكون بالآلة فاقدة الحس والمشاعر.

من هنا نحن نستغرب أن تسقط هذه الثقافة حالياً –وهي التي أنتجت وقدمت أفكار الحداثة والتنوير والخلق الإبداعي الإنساني، نقلت من خلالها الإنسانية من حالة إلى أخرى أرقى في الفكر والمعرفة والعلم- في مثل هذه السقطات لتصطدم مع حضارة وثقافة مجاورة ولصيقة بها جغرافياً.

ولكن المصالح وتقديس الذات والفرد، وعبودية الآلة والسلعة هي التي أوصلت أصحاب هذه الثقافة إلى حد عدم التمييز بين مفردتي الحق والواجب، وضرورة وقوف الحرية الشخصية عند حدود معينة عندما يساء فهمها واستخدامها.

أنا أتصور أن عالم الغرب ـ رغم  وجود سلبيات ومساوئ كثيرة عنده- أكثر عقلانية ومنطقية من عالم الشرق، فالعالِم الغربي قد يؤلف لك كتاباً علمياً واسعاً عن الورقة مثلاً ليشرح طريقة تكونها ومعنى لونها وكيفية حدوث اخضرارها بالعلم والمعادلات الرياضية والتفاعلات المخبرية الكيماوية (أي بالتجربة العملية)..الخ، أما الشرقي للأسف فيقف مدهوشاً أمام السؤال ليكتفي بالقول: هذه ورقة خضراء جميلة المنظر واللون أبدعتها يد الخالق الباري عز وجل. مع العلم أنه مطالب كمسلم حتى في القرآن المقدس عنده بأن يتعلم ويفهم ويدرس ويستقرئ حركة الوجود الصغير والكبير من حوله “انظروا ماذا في السماوات والأرض”..”..أفلا يتدبرون..”..”..أفلا يتفكرون..”..”..لآيات لقوم يعقلون..”..الخ..

أما الخطوات التي سارت عليها الحكومة الدانماركية للتخفيف من حدة الأجواء السلبية المتصاعدة بينها وبين الدول العربية والإسلامية فهي مقبولة إلى حد ما، وربما تنفع وقتياً فقط، لتساهم ـ في المدى القريب- في خفض منسوب التوتر وحالة التأزم بين الفريقين. ولكنها لا يمكن أن تحل الإشكالية “الثقافية-التاريخية” العميقة المدفونة في القلوب والأفئدة، ولا يمكن أن تلغي حجم التفارق والتنابذ الكبيرين بين الطرفين، ويظهر ذلك في اللحظات المفصلية والحرجة التي قد تمر بها العلاقات بينهما لتظهر العلاقة الإقصائية الصراعية السائدة للأسف بين الإسلام والغرب حتى الآن. والتي لم تفلح في التخفيف من حدتها وغلوائها كل المؤتمرات والحوارات والندوات التي انعقدت، والتي مازلت أذكر منها اعتماد الأمم المتحدة العام 2001م –على ما أذكر- عاماً للحوار بين الحضارات بناءً على اقتراح الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي.

ولكن الأمور زادت تعقيداً بعد أحداث 11أيلول (وردود الفعل الحربية الأمريكية عليها في كل من أفغانستان والعراق، ولاحقاً لا ندري أين) التي كرست وعمقت أكثر فأكثر حالة العداء المستحكم بين الحضارتين. وأدى ذلك لاحقاً إلى تهيئة الأرضية المجتمعية عند طرفي النزاع –العربي والغربي- لتجذير دعوات البغض والكراهية بينهما، وقبول الطروحات العدائية عبر استرجاع كثير من مخزون التاريخ المعقد بهدف الاستغلال السياسي الشعبي من قبل هذا الطرف أو ذاك.

والخطورة هنا تكمن في أن جذر العطالة لهذه الأزمة هو “ثقافي-معرفي” بامتياز. وعلاجها لن يكون سياسياً-اجتماعياً فحسب، بل ثقافي وفكري طويل الأمد يبدأ من عدم إضفاء طابع القدسية على التفكير الديني، وإبعاد الدين عن الأدلجة التي قد يتقولب من خلالها في صيغ تفسيرية حدية وإطلاقية غير متطورة، قد توصلنا إلى تصورات دينية جامدة ترفض النقد والتحاور أو التفسير العقلاني. وتجعل من الدين سجناً للقيم والمبادئ كما هو حال ثقافتنا العربية والإسلامية الراهنة.

أما محاولة إيجاد حل سياسي للأزمة السابقة والمتجددة باستمرار بين الدول العربية والغربية، فإننا نعتقد أن ما تقوم به القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة من عدم وجود نوايا عملية جدية لديها في السعي الحثيث للبحث عن حل دائم للصراع العربي الإسرائيلي الذي يتغذى منه العنف في منطقتنا باستمرار، سيبقي عامل الثقة بين الثقافتين ضعيفاً مهزوزاً ومعرضاًـ على الدوام- للسقوط عند أول منعطف وأزمة قد تمر بها منطقتنا.

إن إعادة نشر تلك الرسوم (مؤخرا) يندرج في سياق تأكيد الغرب محورية ثقافته وقيمه ومفاهيمه ونظرته ورؤاه عن الكون والإنسان والحياة.. وأنا أقرأ في جانب منها أيضاً  ـ بمعنى من المعاني- إصراراً وتأكيداً من الغرب الثقافي والمجتمعي على تفرده ومركزيته الفكرية وعلو كعبه المعرفي والعلمي كما يقولون.. حيث أن الكل بحاجة ماسة إلى هذا الغرب، من حبة الدواء إلى الطائرة والمصنع والحاسوب والانترنت..الخ، وبالتالي فالغرب هنا –شئنا أم أبينا- متفوق على الجميع، وخاصة العرب والمسلمين، ومن يكون في مثل هذا الموقع القوي والفريد والمسيطر، من الطبيعي جداً ـ بالمعنى العملي الواقعي لا بالمعنى الثقافي المعرفي- أن يستعلي ويتكبر ويعلو كعبه على الآخرين، وقد ضرب العرب والمسلمون مثلاً كبيراً في هذا المجال، ويجب أن نقر بذلك، فالحق حق.. وينبغي أن يقال ما هو حق لك، وما هو واجب عليك.

وفي ظني –وهذا رأيٌ قد لا يعجب الكثيرين- أن هناك علاقةَ صراع وتناحر دائم بين مختلف الأمم والحضارات على مر الدهور والعصور، يتصاعد حيناً ويخبو حيناً آخر.. وقد تسود في كثير من مراحل التطور البشري التي تحدث خلالها حروب ومنازعات وتدافعات –إذا صح التعبير- ما يمكن أن أسميه بـحالة “الانتقام الحضاري”.. أي أن هناك أشياء دفينة ومخفية في “لاشعور” و”لاوعي” المجتمعات البشرية قد تضغط عليها لتسلك طريق الانتقام من الحضارة الأقوى منها التي افترستها سابقاً. أي أن تنتقم الحضارة المنتصرة من الحضارة المتأخرة الخاسرة التي كانت في ماضي الزمان في موقع البأس والقوة والازدهار. ولذلك فقد تظهر ردود أفعال كل حضارة على الحضارة الأخرى في بعض اللحظات الصعبة والمفصلية التي تعيشها الحضارة المتأخرة.

أما الحل المتصور فهو يتحرك من خلال فتح قنوات التفاهم وتعميق حالة التعارف والتواصل مع الآخر بالحوار العقلاني الهادئ البعيد عن صخب الإعلام التحشيدي الخطابي المهتاج وضوضائية أيديولوجيات القتل والقهر والدمار من كلا الطرفين.. أي ضرورة أن تتعمق شيئاً فشيئاً لغة العقل والحوار والمنطق بين الأمم والحضارات خصوصاً في عالمنا المعولم الصغير الراهن. وقد جاء في القرآن: “.. إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..”. أي لتنفتحوا على بعضكم البعض من موقع الوعي والعقل والمحبة والتسامح لأنكم ـ في البداية والنهاية- مشتركون جميعاً في مصير إنساني واحد، وأنتم تعيشون على مركب واحد يبحر بكم في بحر الإنسانية الواسع.

ونحن لا ندّعي أن العلاقات التعارفية بين الدول والحضارات مثالية وأفلاطونية وخالية من المصالح والمنافع المتبادلة أو النزاعات والمشاكل المعقدة، بل من الطبيعي جداً حدوث خصومات ومنازعات وسجالات عنيفة بين الدول والمجتمعات المتفاعلة والمحتكة مع بعضها البعض، ولكن الأمر المطلوب هنا هو أن تدار تلك الاختلافات بعقلية سلمية خلاقة مفتوحة غير محمّلة بحمولات أيديولوجية تاريخية، ليسود منطق التواصل والتفاعل الخلاق والمبدع، ويتم تبدل الخبرات والمنافع بينها. والقرآن يقول: “خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين”.. ” ولا تستوي الحسنة ولا السيئة …ادفع بالتي هي أحسن “..”..وجادلهم بالتي هي أحسن..”.

رضا كرعاني: على المسلمين أن يكفّوا عن الإساءة لنبيّهم

نشر الصحف الأوربية للرسوم الكاريكاتوريّة المسيئة للنبي محمّد ليس عملا بريئا لا يعرف أصحابه خطورة ما يفعلون، بل هو عمل مقصود تقف وراءه جهات تسعى إلى تنامي الحركات المتطرفة والمشاعر العدائية بين المسلمين والغرب، فليس من قبيل الصدفة أن جاء نشر هذه الرّسوم بعد تزايد أعداد الأوربيين الذين يعتبرون إسرائيل سبب عدم الاستقرار في العالم.

لا يمكننا أن نعتبر الرّسوم المسيئة للنبي محمّد تدخل ضمن حرية التعبير و ضمن حريّة الإبداع، الفن ليس نقيض الأخلاق بل هو في حاجة إليها ليستمر فهما يصدران من منبع واحد. إذا قبلنا الرّسوم المسيئة للنبيّ محمّد ينبغي أن نقبل النصوص الأدبيّة التي تمجّد العبوديّة والتمييز العنصري  ( ماذا لو أصدر كاتب رواية ذكر فيها على لسان أحد الأبطال أنّ اليهود يستحقون المحرقة، وأنّه سعيد بما جرى لهم على أيادي النازيين، هل ستنشر هذه الرّواية في الغرب باسم حريّة التعبير أم سيحاكم صاحبها؟).

و رواية سلمان رشدي “الآيات الشيطانيّة” تطرح مشكلة علاقة الفن بالدين، فلا يمكن أن ندافع عن الفنّ بادّعاء براءة مزعومة له. الفن فعل خطير لأنّه يطال مقدّسات المجموعة، فرواية سلمان رشدي في أحد جوانبها تعيد رواية قصّة الأصل منهية بذلك احتكار المؤسّسة الدينيّة الرّسميّة لهذه القصة وداعية الجميع للمشاركة في إعادة روايتها بخيال متحرّر من كلّ قيد، و هي بهذا المعنى شبيهة بكتاب ” الغربة الغربيّة” للسهروردي المقتول، ربما سيحتاج المسلمون سنوات كثيرة كي يصبح مثل هذه الرّواية أمرا مباحا.

لكن ردود فعل المسلمين تسيء للنبيّ محمّد أكثر من الرّسوم ذاتها، فإحراق السفارات و الدعوة إلى القتل ردود ترسّخ صورة المسلم الإرهابي في ذهن الغربيين، وبهذا يخسر المسلمون كلّ حركة تفهّم لموقفهم، إذا أراد المسلمون نصرة نبيّهم فعليهم بالعمل من أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة والتقدّم في مجتمعاتهم.

وعلى المسلمين أن يكفّوا عن الإساءة لنبيّهم قبل أن يطالبوا غيرهم بعدم الإساءة إليه، من المؤكّد أن قتل الأبرياء في لندن و مدريد باسم الإسلام هو أكبر إساءة للنبيّ محمّد، فرجال الدين الذين يحرّضون المسلمين للدفاع عن نبيّهم كانوا أوّل المسيئين له، عندما أفتوا بتحريم الديمقراطية و الانتخابات. و حوّلوا جوار قبر نبيّهم إلى قاعدة عسكريّة لأمريكا وأفتوا بعدم نصرة المقاومة في لبنان على أساس أنّ أصحابها من الشيعة. ماذا لو تزعّم الحزب الشيوعي اللّبناني المقاومة ضد إسرائيل ؟ من المؤكّد أنّ أمثال هؤلاء من رجال الديّن سيدعون النّاس إلى نصرة الصهاينة لأنّهم من أهل الكتاب.

 

زهير الشرفي: عمليات القتل والتكفير تستدعي وجود رسوم مسيئة للرسول

  

أعتقد أن مسألة نشر الرسوم المسيئة للرسول هي رد فعل متوقع تماما على عمليات التفجير والقتل والتكفير، وخاصة منها تلك التي حدثت في مدن أوروبا وأمريكا. إلا أنه من الممكن وجود مقصد الإهاجة وإثارة الكراهية الدينية المتبادلة خدمة للمصالح الإستراتيجية للامبريالية العالمية التي تتمثل في الحفاظ على مؤسسات التخلف وبنيته التحتية الفكرية والاجتماعية والسياسية.

من جانب آخر لا نستطيع أن نجيب نيابة عن الصحف الدانماركية حول غاياتها وخططها الإعلامية والدعائية. أما نكران أحمدي نجاد للمحرقة فلست أرى له أي حجج، بل قد يخفي تعاطفا مع ألمانيا النازية كذلك الذي أظهره عدد من حكام الشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الثانية.

أما كتاب سلمان رشدي فهو لم يثر أزمة، لكن الدولة الخمينية بما كان لها من سلطة التوجيه للجموع الإسلامية وبما أعطاها الإعلام الدولي من السند الإعلامي، هي التي أثارت الأزمة. أما اليوم فالفرق الوهابية والسلفية السنية هي ذات الدور الأكبر في إثارة أزمات صور نبي الإسلام وكل الأزمات المماثلة، ولعل المؤسسة الأنجع والأهم التي تحقق مشروع الإثارة و الإهاجة هي قناة الجزيرة البترو- أمريكية. ولا يجوز أن ننسى أن الغاية والمقصد من عملية الإثارة هذه هي التحكم في حركة الجماهير والاستئثار بنواصي وخيوط قيادتها وتوجيهها.

و ضخامة ردود الأفعال على صور الكاريكاتير ناتجة عن طابع الأرضية الثقافية، الموروث منها والمستحدث فيها، التي تتلاءم مع الخطاب والتهريج الأصوليين، وناتجة أيضا عن ضخامة الترسانة الإعلامية للفرق الوهابية والسلفية، وناتجة كذلك عن ضخامة السند الدولي للمشروع الأسود المتمثل في تدمير الطاقات الفكرية والمادية في البلاد السائرة في طريق النمو، وتدمير طموحاتها الحضارية وتعويضها باحتراب الطوائف والقبائل وانتشار الأحقاد والكراهيات الدينية والعشائرية، كما رأينا ونرى في أفغانستان وباكستان والعراق والصومال والسودان وحيثما انتشر الإسلام السياسي.

هل تريد الحكومة الدنماركية حقا حل الأزمة؟ لماذا تحل الأزمة إذا كانت تريد التفرقة بين بني الإنسان؟ لماذا تحل الأزمة إذا كان شحن  العمال المهاجرين بالكراهية ضد بقية الشعب الدانماركي هو الذي سيمكنها من إنجاح المهام القذرة، حين تقرر طردهم أو التخفيض في أجورهم أو استعمالهم كاحتياطي لتعويض النقابيين والعاصين من أبناء البلاد الأصليين؟ هذا عن إرادة الدولة، أما عن مقدرتها على حل الأزمة فلا بد أن نعترف بأنها قد لا تقدر على حل أزمة يشحنها ويعيد تأجيجها الأصوليون وكل من وراءهم باستمرار.

والحل يكمن في انكشاف الغايات السوداء للفرق الوهابية والسلفية وسندهم الدولي، وفي عودة الوعي والطموح الحضاري لأبنائنا وعودة طموح البناء الاقتصادي، واللحاق الحضاري لدولنا عبر الضخ المستمر في قنوات الاستثمار والدعم المتواصل لقوى الإنتاج وعلمنة التعليم والإعلام الرسمي، وعبر المواجهة السليمة والمستمرة لمشروع الردة خاصة على الجبهات الثقافية والعلمية والحقوقية، وكذلك عبر حماية المثقفين وثقافة الأنوار والحرية والمساواة من كل أشكال الإرهاب الذي تمارسه الفرق الوهابية والسلفية ولا تعيش بدونه.

عبر هذا الطموح المتواصل داخل الدولة وداخل المجموعة الوطنية تتبلور بقية الحلول، فيما يخص الإشكال الثقافي والإصلاح الديني وفي ما يخص درجات العلمنة وفيما يخص برامج النمو الاقتصادي وحركات الإصلاح الاجتماعي إلخ.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق