جدلية الحضور والغياب في لوحة “صورة” للتشكيلية السعودية رضية برقاوي

إلى أي مدى يعكس الفن التشكيلي ما يدور في بنية المجتمعات المغلقة، حين يعبر بالتجريب عن علاقات ملتبسة وغامضة غموضا لا يعكس مظنة التجريد فحسب، بل يضمر مفارقة أنطولوجية شديدة الغرابة، في مجتمع  يجعل ـ دون أن يدري ـ من التغييب الموروث والمنظم والمؤدلج دينيا لوجوه النساء فضاء لضغوط البث الإعلامي العابر، عبر الوسائط الحديثة، إلى كل ما يحجبه ذاك التغييب ظاهريا ؟
والحال أن هذه المفارقة، لا تنشط كتعبير عن احتمالات متكافئة لخطابين متناقضين فحسب، بل تعبر عن عبثية التغييب حين لا ينتبه إلى معناه إلا في حدود (إبراء الذمة) كوهم يتغذى من إحساس طهوري مشحون بالخوف من الجسد، أكثر من دلالة المعنى الديني.
ربما كان ذلك الخوف هو الوجه الآخر لأزمة مجتمع أصبح بفعل مجريات عديدة، ميدانا للتسويق الإعلامي المعولم، وحالة عيانية بامتياز لانعكاسات  الحداثة الأداتية  بصور لا تكف عن شحن التناقضات وإعادة إنتاجها.
هكذا تجد صور الوسائط الإعلامية المعولمة : (فضائيات ـ انترنت ـ هواتف محمولة) تعبيرا نشطا حين تخترق المجتمع  المحجوب ظاهريا (مجتمع النساء في السعودية) ـ بحسب مجالاتها المختلفة – وتكشف عن استجابات لا متناهية من التفاعل وردود الأفعال، بحسب معلومات  صحفية (1 ) كشفت عن نشاط محموم لصور (بلوتوث الهواتف المحمولة) بنسبة كبيرة  بين تلك الشريحة الاجتماعية المحجوبة، لا سيما بين الفتيات .
قد لا تجد هذه الحالة، وفق الوتيرة الاجتماعية، ما يمكن أن يكون رصدا فنيا منعكسا لها في إبداعات الفن التشكيلي لهذه الشريحة. لكنها بالتأكيد تعتبر من صميم قضايا هذا الفن في المجتمع السعودي، الذي تجد فيه المرأة / الفنانة متنفسا للنشاط التشكيلي، بصورة توازي حميمية هذا الفن، وفرديته ـ أقله أثناء الرسم ـ في الهامش المتصل بنشاطاتها  .
ضمن هذا التأويل يمكننا قراءة لوحة الفنانة التشكيلية السعودية (رضية برقاوي) بعنوان: (صورة). فإذ يسبق عنوان اللوحة معناه الجلي في تصور اللوحة –  باعتباره دلالة  ظاهرية  كاشفة  عن صورة ما –  عند  المتلقي، سيجد هذا نفسه  إزاء غياب مدهش، وحضور طاغ  في نفس الوقت، لكتلة بشرية مزدوجة، لا تكشف عن أساريرها (مضمونها المغيب) بقدر ما تعكس رغبتها في الوقوف أمام الكاميرا ؟! هذه الثيمة التي تجسد (جدلية الخفاء والتجلي) المحو / والظهور، في لوحة (صورة) لا تذهب دلالتها القريبة إلى مجرد التعبير عن النقاب، بل تضمر في تضاعيفها، وبنيتها الفنية ما يتجاوز ذلك المعنى – دون أن يقطع معه – ويتصل  بحيثيات فنية مركبة تشتغل على تعبيرات اللوحة، عاكسة ً للكثير من مفردات الإجماع السكوتي المهيمن على حالات وعلاقات اجتماعية  تتجاوز ذكورية السلطة على حياة المرأة، إلى تأثير سلطات عديدة قامعة  ومقموعة في وقت واحد .
ذلك أن سطوع ضوء الكاميرا المصورة (بكسر الواو) على الثياب البيضاء، ودلالة اللون الأبيض وشكل التغطية وتضاعيف خامة القماش على الجسد والسترة الكثيفة والفائضة في أسفل الثوب والانتباه الحريص أمام الكاميرا وخلفية الصورة / اللوحة،  كل تلك التعبيرات ترهن إشاراتها باستمرار إلى جدل العلاقات الاجتماعية كتأويل احتجاجي ـ من وجهة نظر الفنانة ـ  ليس على الرغبة الحارقة في الحضور الأنثوي  الطبيعي فحسب، بل كتعبير عن مفارقة اجتماعية بادية في علاقة التواصل مع الخارج الإعلامي المحظور. هذا التواصل الذي  سيستعيض عن الخارج المحظور، تمثلا لعلاقات افتراضية، مع تلك الوسائط المعولمة بصورة حصرية تنتج تأثيرا مباشرا في علاقات تلك الشريحة مع  واقعها المقموع .
وبطبيعة هذه العلاقة الافتراضية المستغرقة مع تلك الوسائط، سيكون الفعل التواصلي عبر هذا المستوى تعبيرا موغلا في التحدي بطريقة مثالية، من طرف تلك الشريحة، وكاشفا ً في نفس الوقت عن تفاعلات من داخل الشكل الموروث للنقاب الذي يضمر تحته الكثير من التعبيرات العصرية في الموضة  واللبس والزينة .
هكذا نجد أن بياض النقاب في لوحة (صورة) إذ يختلف عن لون النقاب الأسود في الحياة اليومية، يستدعي في تأويله  بياضا أشبه ببياض الكفن كتعبير عن حالة سكونية تشبه موتا موازيا لمعنى الغياب المطلق. وسنجد في الضوء الساطع دلالة على تركيز تلك الوسائط على هذه الشريحة. فالكاميرا التي تسلط ضوءها على الصورة  لا تتبرع به كثيرا على خلفيات الصورة إلا في حدود شحيحة.
بيد أن علاقة التفاعل بين الكاميرا وبين المرأتين في الصورة هي علاقة حميمة جدا (رغم تناقضها الظاهر مع دلالة  الصورة ) . فالحميمية نابعة من طريقة الجلوس  ووضع اليدين، أي من الرغبة القوية في فعل الظهور، عبر الكاميرا بوصفه فعلا حديثا، لا في معناه القريب: (كعلاقة تتماهى مع رغبة الظهور عبر  الكاميرا)، بل في ضرورة الإحساس بممانعة ما، للموروث / النقاب، وإكراهاته من أجل التعبير عن حياة عصرية بأي ثمن من ناحية، وكرسالة مضمرة للآخر/ الأخريات، في الإصرار على فعل العصرنة، ولو من خارج علاقاته الطبيعية من ناحية ثانية .
وإذ يبدو جسدا المرأتين في الصورة أشبه بالكتلة التي تكشف عن الفراغ من ورائها، نجد أن الضوء والظل في اللوحة يلعبان دورا تأويليا معبرا .
فالفراغ والظلام الذي يشبه الثقوب السوداء في خلفية الصورة لا يحوز معناه في هذا التأويل إلا ضمن خلفية الموروث وإكراهاته وهواجسه وما يرتبط به في ذاكرة المرأة من ظلم وظلام .
لكن قراءة البنية الفنية والدلالية للصورة ستحيل على قصد تأويلي عميق من طرف الفنانة في اختيارها لتلك الصورة التي فرَّغت سماتها العضوية والجمالية والوظيفية الظاهرة لتجعلها بذلك التجريد القائم على الكتلة والفراغ والضوء والظل اختبارا رمزيا قاسيا ومشككا لجدلية الحضور والغياب في واقع المرأة السعودية، أي لتلك العلاقة المضمرة والمفترضة مع وسائط الإعلام المعولم، عبر الالتفاف المعبر عن معناها وما ينطوي عليه من مفارقة .
وإذا تأملنا في خلفيات مشهد الصورة، نجد أن الفنانة، رغم الثيمة الأساسية لهذه اللوحة التي ذكرناها آنفا، تحيلنا في بعض مكونات الصورة إلى إشارة لا تخلو من تشكيك في هدفها كفعل تواصلي مع الحداثة.  فالصحراء التي تلامس رمالها أطراف الثياب في أسفل الصورة، تشكل حضورا نقيضا لهدف الصورة، باعتباره فعلا  متصلا بحياة المدينة .
لكن طبيعة الوقوف أمام الكاميرا والثقة الظاهرة كرغبة تكاد تنطق في تلك الكتلة البشرية .. كل هذه الحيثيات لا يمكن أن تكون تعبيرا عن حالة بدوية تتناسب طرديا مع حياة  الصحراء، بل تنهض دليلا واضحا على تأويل خاص بـ(رضية برقاوي)  في مزج عناصر التضاد في تلك اللوحة عاكسة ً طبيعة الصراع وحيثياته الرمزية والمكانية المتناقضة.
ربما كان الطرف الظاهر من الكرسي على شكل عصا صغيرة تظهر تحت كثافة الثياب، هو دلالة (القناع) الحاسمة لجهة المعنى العميق في فلسفة اللوحة باعتبارها تأويلا رمزيا لتجاذبات الحداثة والبداوة في واقع مجتمع نسائي تبدو فيه هذه العلاقة الجدلية أشد سطوعا .
هكذا تستدعي لوحة (صورة) في تأويل ما – يجمع بين حالة الحجب والرغبة في الظهور –  نظرية الحكيم اليوناني (ديوجين) الأعمى حامل المصباح ليراه الآخرون دون أن يراهم. لكن القياس هنا قياس مع الفارق، بين الشخصي والاجتماعي، من ناحية، وبين رؤية الآخرين الناقصة لتلك الصورة الحاضرة / المغيبة في نفس الوقت، من ناحية أخرى.
قد لا تعكس لوحة (صورة) في تأويلها البعيد، كل ما يمكن التعويل عليه ظاهريا في ما ينتج عن  العلاقة التواصلية الافتراضية  بين وسائط الإعلام، وتلك الشريحة المقصودة من برامجها، لكنها بالتأكيد تعكس التباسا في تعبيرات ذلك المجتمع النسائي حين يخوض تحولات حديثة بردود أفعال متلاحقة. وهو التباس ربما كان الفن التشكيلي من أعمق الفنون المعبرة عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-  في دراسة ميدانية أجريت على 1200 فتاة تتراوح أعمارهن من 18- 25سنة بعنوان :(البلوتوث والفتيات) اظهرت الدراسة أن 82% يتعاملن بخدمة البلوتوث باستمرار. المصدر: جريدة الرياض السعودية العدد 14183 تاريخ 24/4/2007م 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق