أن نشاهد وأن نتأمل ، أن نسمع و أن نصغي ترجمة محمد صدام

إننا نعيش زمنا مفارقا. فالصور والأصوات النمطية المُقوْلبة تغزو عالمنا في إطار مِشْكال (kaléidoscope) غير محدود من الحواسّ. وكما لاحظ ذلك “كلود ليفي ستراوس” (Claude Lévi-Strauss) الذي سنحتفل بمئويته هذه السنة فإن الموسيقى ليست لها كلمات. فالنطق هو ميزة الإنسان (1). غير أننا في نفس الوقت ننشر كتبا باطراد، والناشرون المساهمون في هذه الوفرة هم أول المتذمرين منها.

هل تـُقرأ هذه الكتب ؟ يبدو أن تصرفنا العام – أكثر مما يُحتـّمه ربما تميـّزنا عن الحيوان – هو بصدد الابتعاد عمّا شكـّل جودة الحياة بل فائدتها. فنحن نعمل ونتصرف بطريقة تراكمية ، فنخلط الابتكارات بالفضلات – دون فرز. إلا أن مثل هذا التصرف لا يمكن له أن يدوم. فكل حياة تبحث عن صيغة أو وسيلة تمكـّنها من الاستمرار، فإذا لم تفعل ذلك يكون مصيرها الاضمحلال ولن تترك بعدها أي أثر. هذا يتطلب شيئا آخر غير الخضوع لسلطان ما يحيط بنا : لا يكفي أن نشاهد (الأشياء حولنا) بل يجب أن نتأمّلها، ولا يكفي أن نسمع (أصواتها) بل يجب أن نصغي إليها، ولا يكفي أن نقرأ….

في جميع الظروف يكون الاهتمام أو الانتباه هو المهم. ففي خضم هذا الركام المختلط الذي يحيط بنا يجب أن نـُجيد انتقاء مادة الابتكار، و ليست هذه مهمة سهلة، غير أنها – في جوهر الأمر- هي الحافز لأفعالنا حتى ولو كان نصيبها الإخفاق دائما تقريبا.

{{الاكتشاف و الانتباه}}
غالبا ما نجد بجانب صاحب الابتكار من يقول :” كنت على علم بذلك” أو حتى ” كنت قد أعلنت عن ذلك سابقا”. الملفت للنظر أن هذه التأكيدات صحيحة . فما هو الفرق بين الذي يتوصّل إلى اكتشاف وبين الآخرين ؟ الفرق بسيط إلى درجة تجعله دائما تقريبا غير منظور: فكي نقوم باكتشاف شيء ما، يجب أن نعرف كيف نظهره بوضوح و نميـّزه عن بقية الأشياء ونحيطه بكامل الانتباه والعناية الممكنة. يجب إذن أن نمحو كل ما يوجد حوله وأن نخلي له المكان. إن هذا الفعل المبتكر هو الذي يشكل العلامة المميزة لصاحب الابتكار. آخرون كانوا قد تكلموا عن ذلك الابتكار فعلا، غير أنهم في نفس الوقت قالوا أشياء أخرى تجعل “اكتشافهم” غير ذي فعالية.

إن الانتباه هو في قلب تجربتنا للزمن. “أوغسطينس” (Augustin) الأسقف البربري لـ”هيبون” (Hippone) عبّر عن ذلك بطريقة جيّدة حيث قال إن الماضي يتـّفق مع الذاكرة والانتظار مع المستقبل أما الانتباه فإنه وحده هو الذي يحدد الحاضر (2). غير أننا لم نعد نعرف كيف نأخذ مكاننا في سياق تدفق الزمان.

(1)
Claude Lévi-Srauss، Regarder، écouter، lire، Plon، 1993

(2)
Les Aveux، nouvelle traduction des Confessions de Saint Augustin، par
Frédéric Boyer، – POL، 2008.

-*أنطوان دانشان ANTOINE DANCHIN

-*مدير بحوث بالمركز الوطني للبحث العلمي (فرنسا)

-*أستاذ بمعهد باستور (باريس)

صدر المقال بمجلة ” لاروشارش” (La Recherche)
عدد 418 لشهر أفريل 2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق