آفاق البحث العلمي العربي: الضرورات والتحديات

   أجريت منذ عدة سنوات تحقيقاً صحفياً ميدانياً عن “البحث العلمي في سوريا-جامعة تشرين نموذجاً” لصالح صحيفة الثورة السورية التي نشرته في حينه مع ما تضمنه من أرقام وإحصائيات وشواهد وقرائن ولقاءات وتحليلات دلت بمجملها على الحالة المأساوية التي بلغها واقع العلم عندنا، وحجم الخطورة الكبيرة لما يمكن تسميته تجاوزاً “بحثاً علمياً”.. ويومها طرحنا السؤال التالي باستنكار واستهجان شديدين: هل هناك بحث علمي حقيقي في جامعة تشرين؟!
وقد عدت منذ فترة قصيرة -وعلى نطاق أوسع- لمتابعة واستكمال بعض الأسئلة والمضامين العملية التي طرحناها في سياق إعدادنا لهذا التحقيق، وذلك عندما اطلعت على بعض الأرقام والإحصائيات العربية والدولية التي تحدثت عن أنه ومن أصل حوالي 800 جامعة معروفة دولياً لا يوجد اسم لأي جامعة عربية على الإطلاق.. الأمر الذي دفعني إلى توسعة مضمون تحقيقي الصحفي، ومحاولة تقصي وتفكيك المعرفة البحثية العلمية العربية، وتقديم دراسة فكرية عامة حول واقع البحث العلمي في عالمنا العربي المعاصر..
ولا بد في البداية من الإشارة إلى أن موضوعة البحث العلمي ترتبط بالنسبة إلينا  –كعاَلم عربي يقف أمام متغيرات وتحولات سياسية واقتصادية ومعرفية هائلة على بداية القرن الواحد والعشرين- ارتباطاً وثيقاً بتقديم رؤية إجمالية موضوعية عامة عن طبيعة الوضع العربي والدولي وظروفه ومستجداته المتعددة في الحقبة الراهنة التي أصبحنا نتعامل معها من منظور مصطلحات فكرية وعملية جديدة فرضت نفسها على واقعنا بقوة ومن دون استئذان.. الأمر الذي يلزمنا -كنخب مثقفة تبحث عن أيسر الطرق وأنجع السبل للبدء بتطبيق مشروع النهوض الفكري والعلمي في عالمنا العربي- بضرورة تحليل ودراسة الاستجابات وردود الأفعال السياسية-المجتمعية العربية المتحركة في سياق تكتيكات واستراتيجيات مختلفة، تحاول بلورة مواقف وفتح إمكانات عملية متعددة للرد العملي المتوازن والمدروس على تلك المتغيرات والتحديات الخطيرة التي تثيرها تلك الأوضاع، وذلك بهدف تأمين موقع آمن ومأمون وبلورة دور فاعل للعرب في المعادلة الكونية والدولية المستجدة والسائدة في عالم اليوم.
ومن الواضح هنا أننا عندما نتحدث عن قضية الاستجابة أو ردة الفعل الجماعي تجاه متغيرات العصر، فإننا نقصد بها -تحديداً- حركية الفعل السياسي.. أي مجموعة البرامج والسياسات التطبيقية المختصة بإيجاد أنساق ومجالات عمل، وبلورة مواقف مجتمعية فعالة، وتعزيزها وتطويرها من خلال خلق واستحداث آليات جديدة للعمل تؤمن إرادة جمعية عامة يمكن أن تعمل -في إطار تفعيل تلك الاستجابات- على تقدم المجتمع العربي نحو أهدافه وتطلعاته ومستلزمات وجوده الأساسية في الحياة.
من هذا المنطلق نجد ضرورة ملحة في ترسيم حدود حقيقية وواقعية للوضع العربي المستجد، ودراسة طبيعة التقلبات السائدة على الساحة العالمية كلها بعيداً طبعاً عن المجاملات والرغبويات والظنيات.. على اعتبار أن الانطلاق الفاعل نحو بناء المستقبل والتحكم ببعض مساراته مرهون -إلى حد كبير- بدراسة ظروف وملابسات الواقع الراهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وبالنظر إلى الحجم الهائل لهذا العمل الفكري وتعدد عناوينه الثقافية والاجتماعية وتنوع مواضيعه الفكرية ومساراته العملية، وسعة الأفكار والطروحات المتشعبة التي يمكن معالجتها في سياق طرح مفاهيمي ناقد حر يأخذ فقط بالرقم والقرينة والإحصائية ليبني عليها رأياً وموقفاً نقدياً، فإننا سنكتفي بدراسة الجانب العلمي التخصصي من هذه المسألة المعرفية الواسعة أي من زاوية (البحث العلمي والتقني العربي الحالي)، وذلك من خلال إجراء مراجعة بسيطة لبعض الأرقام والإحصائيات القائمة في بعض مؤسسات ومراكز البحث العلمي العربي التي يمكن أن تعطينا رؤية واقعية عن طبيعة هذا البحث السائد في بلداننا.. ومن ثم سنحاول تحليل تلك الأرقام، واستخلاص العبر والدروس من خلالها، على ضوء مستجداتنا المعاصرة.. لنصل في النهاية إلى التساؤلات الاستنتاجية التالية، ومحاولة الإجابة عليها وفق الإمكانات والمقدمات العملية المتاحة أمامنا.
ونبدأ بطرح الأسئلة المحورية التالية:
– هل تتوافر لدينا الإمكانيات المادية والمعنوية الواسعة والقواعد العملية والمنهجية المحددة التي يمكن أن نرتكز عليها، ونتحرك على طريقها باتجاه بناء حاضر صاعد ومستقبل واعد.. قبل أن ندرس كيفية تشييد وبناء (هذا المستقبل) والإمساك بناصيته؟!
– ثم كيف يمكن أن تعمل أمة من الأمم على امتلاك المستقبل إذا لم تستطع أن تنهض بأعباء ومتطلبات الحاضر الذي يجب أن يشكل -بحد ذاته- قاعدة أساسية لبناء ذلك المستقبل؟!
– وما هي الاستراتيجيات التي وضعتها أمتنا في لحظتها الراهنة -بما تحمله في داخلها من عوامل الضعف والتخلف والتبعية العلمية- لمواجهة تحديات قيام حاضرها قبل أن تبدأ بالسيطرة على مستقبلها؟!..

استراتيجية العرب العلمية:
يظهر للمتأمل في واقع الفعل “السياسي-المجتمعي” العربي الراهن، أن ردود فعل الدول العربية عموماً على مخاطر وتحديات العصر المتنوعة والمتسعة والمتحولة، تتميز بنوع من الإخفاق والإحباط الكبيرين في فهم وإدراك حجم التطورات السياسية والاجتماعية العالمية.. وهذا ما يتجلى بصورة أكبر في فقدان الشعور بضرورة الإسراع في تأمين استجابة الهياكل الوطنية للحجم الواسع للتطورات الراهنة والمستقبلية.. ولا تعني هذا النتيجة (أو هذا الحكم) أن الوطن العربي قد بقى خارج نطاق دائرة التأثر بتلك الأحداث الجسام لكنه بدأ بالعمل، جدياً، على مستوى تطبيق سياسات جديدة في شتى ميادين العمل اليومي كله.. لكننا نجد أن معظم تلك السياسات  -التي مثلتها مسيرة الإصلاح في معظم الدول العربية- مليئة بالتعثر والتخبط والتشتت، ولم تعط النتائج المطلوبة منها حتى الآن. فمثلاً على صعيد البحث العلمي والتقني (وهو موضوعنا الأساسي هنا) لاحظنا على الدوام –من خلال استقرائنا لمجموعة البيانات والاستبيانات المسجلة والمتوفرة حول هذا الموضوع- أن هناك أزمة علمية واضحة تظهر في غياب منظومة عربية متكاملة لنقل المعرفة والخبرات، واستغلالها في ميدان التنمية الفردية والاجتماعية وفي مجال التطوير التقني والتكنولوجي. وعندما نراجع كل أدبيات العمل البحث العلمي العربي في الوقت الحاضر -الخاصة بدراسة مشاكل البحث العلمي وتحليل واقعه القائم حالياً- نلاحظ أن تلك الأدبيات تكاد تجمع في تقاريرها الخاصة والعامة على أربعة أمور أساسية، هي:
الأول: انخفاض عدد الباحثين العلميين الحقيقيين المشتغلين بالبحوث العلمية العربية بالمقارنة مع الدول المتقدمة ومع المعدل الوسطي العالمي نفسه.
الثاني: هشاشة وضعف البنية المؤسساتية والعلمية العربية، وعدم قدرتها العملية على تحقيق أدنى معدلات الاستجابة الفاعلة والمؤثرة للتحديات التقنية الهائلة.
الثالث: ضعف المستويات الأكاديمية على صعيد قبول الطلاب في الجامعات، وضعف مستويات الترقية بالنسبة لأعضاء الهيئة التدريسية، وعدم موضوعيتها، وقلة المشاركة المنتجة في المؤتمرات الدولية من أجل الاستفادة وتبادل الخبرات والنتائج العلمية، وسرعة تطبيق الاستخلاصات والانتفاع بها.
الرابع: نقص مردودية الباحث العربي، وتخاذله عن البحث والعمل نظراً لقلة تعويضه وحافزه المادي والمعنوي، حيث أن الكثير من هؤلاء الباحثين –إن لم نقل كلهم- ينظرون إلى البحث العلمي من زاوية أنه فرصة لتحسين أحوالهم المعيشية وتأمين متطلباتهم الحياتية، وهذا من حقهم طبعاً، ولكن بشرط أن تكون لبحوثهم نتائج ميدانية عامة..
وقد قدر بعض الباحثين عدد العاملين في مؤسسات البحث العلمي العربية عام 1984 بـ(31118) باحثاً.. وإذا أضفنا إليهم عدد الباحثين من الجامعيين ويقدر عددهم بـ (10) بالمائة من عدد العاملين في سلك التعليم العالي، حصلنا على 81113 باحثاً وهو ما يعطي نسبة 2.7 باحث لكل عشرة آلاف من اليد العاملة. وهي نسبة ضئيلة إذا ما قوبلت بمثيلتها في الولايات المتحدة وهي 66% واليابان 58% وبريطانيا 36% وهي تمثل 44.6 عالماً لكل مليون نسمة من السكان.. ويبدو هذا الانخفاض في عدد الباحثين العلميين عندنا واضحاً إذا نظرنا إلى توزيع القوة البحثية العالمية.. فهي تتوزع على ميادين خمسة رئيسية: 36% للعلوم الطبية، 24% للعلوم الزراعية، 22% للعلوم الهندسية، 8% للاقتصاد والتجارة، ومن خلال هذه النسب نجد أن هناك غياباً كبيراً، ونقصاً واضحاً للعمل البحثي في ميادين العلوم الأخرى وبخاصة العلوم الاجتماعية والإنسانية (والأنثروبولوجية).
إننا نلاحظ في هذا المجال (فيما يتعلق بنوعية مؤسسات البحوث العلمية الموزعة في الجامعات العربية المختلفة) أنه رغم المحاولات الجادة والخطوات الحثيثة التي قامت بها بعض البلدان العربية لدعم إنشاء وتوسيع وتطوير مراكز ومؤسسات التقنيات العلمية البحثية الحديثة، لا تزال تلك المؤسسات تعاني أشد المعاناة وتعصف بها الأزمات تلو الأزمات، وتواجه مشاكل وتعقيدات نظرية وتطبيقية كبيرة في شتى المواقع تتكدس بمجملها في وجه تقدم إنتاجيتها العلمية والاجتماعية، وتمنعها من الانطلاق المثمر والعمل المنتج والمؤثر على مستوى ضرورة وجود انعكاسات اجتماعية عملية للبحث العلمي تساهم بقوة في بناء المجتمع وتطوره وتقدمه نحو الأمام.

معوقات البحث العلمي العربي:

من هنا نتساءل عن حجم تلك المشاكل والمعوقات التي تواجه مسيرة البحث العلمي العربي؟! وبالتالي ما هي مقومات ومستلزمات قيام بحث علمي عربي متكامل؟!
في الواقع يمكننا أن نتحدث عن أهم تلك المشاكل والتحديات في النقاط التالية:
1- غياب سياسة علمية واضحة ومتوازنة ومتسقة يمكن أن تنظم عملية البحث العلمي لتركز الأولويات، وتوجه الموارد، وتستثمر الطاقات والقدرات المتاحة والمتوافرة حسب سلم الأولويات الموضوع.. إذ انه لا يكفي أن تخصص الدول العربية جزءاً محدداً من موارد إنفاقها الأساسي (في ميزانياتها السنوية التي تضعها في نهاية كل عام عن العام الذي يليه) للقيام باستثمارات علمية في ميدان البحث العلمي فقط، ولكن لابد من دراسة ومعرفة أفضل الأساليب وأنجع الطرق للاستفادة من هذه الاستثمارات في شروطنا ومناخاتنا السياسية والاجتماعية السائدة بين ظهرانينا.. وطبعاً نحن يجب أن نبحث باستمرار، لكن ذلك مرتبط بسؤال أساسي وجوهري هو : لماذا نبحث، ولمن نبحث، وما هي أسس وركائز هذا البحث؟! ويبدو واضحاً أمامنا هنا أن السياسات العلمية لمعظم الدول العربية غير قادرة -في كثير من الأحيان- على إعطاء إجابات مقنعة على ذلك السؤال أو تحديد أهداف وغايات واضحة ومجدية للبحث العلمي بشكل عام، وفي مختلف المجالات والميادين.. كما أنها (تلك الدول) لا تزال شبه عاجزة –رغم  كل التقدم الحاصل في هذا الملف الخطير- عن تحديد أساليب ووسائل وآليات عمل مناسبة لبناء الأداة والقاعدة البشرية والصناعية لتحقيق تلك الأهداف والطموحات الكبيرة (وفي مقدمتها بناء مستقبل وجيل علمي عربي قادر على تلبية احتياجات وجوده الحيوي، والإيفاء بمتطلبات الحياة المتسارعة والمتطورة).. لذلك من الطبيعي جداً -والحال هذه- أن يسود الوسط البحثي العلمي العربي جو انعدام الوزن والتخبط والفوضى، والتردد، والافتقار للتراكم والتقدم والتطور والوعي.
2- ضحالة الموارد ونقص الإمكانيات المخصصة للقيام بالبحوث العلمية.. حيث تشير آخر الأرقام والإحصاءات المتوافرة في هذا المجال إلى أن حجم الإنفاق العربي العام على بحوث التطوير العلمي والتقني قد بلغ عام 1992 (800) مليون دولار، وهذا المبلغ لا يزيد على 0.016 من الناتج القومي الإجمالي، وهو أدنى المعدلات في العالم الثالث كله. وتبلغ هذه النسبة حوالي 1.05% في البلدان النامية عموماً و3.4% في البلدان التابعة لبعض المنظمات العالمية.. أما الولايات المتحدة، وبحسب تقرير المؤتمر القومي السابع، فإنها تخصص أكثر من 175 مليار دولار للبحث والتطوير.. أي نحو 215 ضعف ما تخصصه البلدان العربية مجتمعة على أساس نصيب الفرد الواحد.
3- وهن (و ضعف) استراتيجيات التحديث العربية، وعدم توازنها وعدم فاعليتها واتساقها.. لأن الأصل في التحديث والتطور العلمي أو الحداثة العلمية هو في بناء إستراتيجية حقيقية ناجحة تعظم من الاستثمارات العلمية المفيدة في كل ميدان: (تكوين رأس المال الاقتصادي والعلمي والتقني والفكري والروحي والاجتماعي، وتحرير الشعوب والجماعات والأمة من الخوف والاستلاب والجمود والأمّعية والاقتداء والاستزلام والمحسوبية والشعور بالضعف والنقص والدونية).. وهذا الأمر يتناقض تماماً مع الواقع القائم في المجتمعات العربية حالياً.
ولا يخفى أن نشير هنا إلى أن سيطرة هذا المناخ السلبي المناقض لبديهيات شروط نمو ونشوء البحث العلمي، قد أدى -وسيؤدي في المستقبل أيضاً- إلى هدر وخسارة مبالغ طائلة وإساءة استخدام واستثمار الأموال العربية التي ازدادت في الآونة الأخيرة نتيجة زيادة أسعار النفط ووصوله إلى حدود قياسية.. فقد قدرت دراسة حجم الإنفاق المالي على الخدمات الاستشارية التي قدمتها المكاتب والشركات الأجنبية للدول العربية بنحو 23 مليار دولار في عام واحد هو 1979.. (راجع تقرير لجنة إستراتيجية تطوير العلوم والثقافة في الوطن العربي) (ص 129-130)، وقد ازدادت هذه النسبة أخيراً بشكل كبير ملفت نتيجة الاعتماد الكلي على التقنيات والبحوث العلمية المستوردة من الدول الأخرى.
4- انعدام الحريات الأكاديمية والفكرية العامة في المجتمعات العربية، وعدم توفير المناخ السياسي الملائم للإبداع والحداثة العلمية والاقتصادية بإطلاق حريات الأفراد وتوفير إمكانيات المشاركة الفعلية أمامهم سواء من النخب العلمية أو من مختلف قطاعات الشعب الأخرى، لان ملاحم التقدم والازدهار العلمي والتقدم التقني وامتلاك المستقبل ترتبط حلقاتها وتتسع -في كل التاريخ البشري- لجهود الجميع في مناخ من المساواة والحرية والعدل والأمان الجماعي والحس الوطني الواعي والهادف.
5- عدم وجود سياسة تربوية علمية ناجحة تقوم بتنشئة الأجيال على مقدمات ومعطيات البحث والتدقيق والاهتمام.. لأن نشوء وقيام وازدهار بحث علمي حقيقي في مستقبل الأمة -أية أمة- مرتبط أشد الارتباط بطبيعة التنشئة الاجتماعية لأجيال تلك الأمة. وفي هذا الإطار يجب أن تؤدي الأسرة دوراً فاعلاً في تنشيط الطاقات الإبداعية والإنتاجية لدى أبنائها وتوجيهها الوجهة العلمية السليمة على صعيد الاهتمام الجدي المسؤول بروحية العلم والبحث العلمي ودوره الهام في الحياة الإنسانية. ولكن أين نحن من هذا الهدف الكبير طالما أن الأسر عندنا مهمومة ومشغولة بتأمين أدنى متطلبات وجودها الآدمي (من مأكل ومشرب وملبس ومسكن).
6- ضعف وتفكك المجتمع العلمي والتقني العربي وفي أحيان كثيرة عزلته عن النشاط الوطني العام، وضعف مراكز المعلومات وخدمات التوثيق والمكتبات، وعدم توافر المناخ الملائم للعمل البحثي، وانتشار البيروقراطية، وقلة الحوافز المادية، والتبعية العلمية والتقنية للخارج، وضعف البنيات الأساسية للحراك الاجتماعي والاقتصادي العربي الذي يفترض أن يشكل -من حيث المبدأ- القاعدة الصلبة لقيام البحوث العلمية.
وهذا الواقع السيئ والمأساوي سيفضي لا محالة إلى استنكاف الباحثين عن العمل وبالتالي حدوث نقص كبير في الإنتاج العملي من حيث المردود النوعي والكمي معاًُ، حيث نلاحظ -في هذا المجال- أن إنتاج العلماء العرب يقف عند حد 0.4 بحث في العام.. أما فيما يتعلق بالإنتاجية العربية مقارنة مع الكيان الصهيوني (التي تبلغ ميزانية البحث العلمي لديها حوالي 6.5 مليار دولار سنوياً) والدول المتقدمة الأخرى، لا يزيد الناتج العربي على 0.9 بالمائة من الناتج الإسرائيلي، وأقل من ذلك -بالتأكيد- بالنسبة للدول المتقدمة الأخرى.
وتشير إحصائيات اليونيسكو إلى توفر حوالي تسعة  آلاف عالم وفني في ميدان البحوث والإنماء في الوطن العربي في عام 1973، وكان على هؤلاء أن ينشروا -إذا استخدمنا المقاييس الدولية للأداء- ما بين 4000 و8000 بحث سنوياً، بينما لم ينشر الباحثون العرب إلا 847 بحث أي بمعدل إنتاجية أقل من 10% من المعدل الدولي.. وهذا يعني أن هناك حاجة لعشرة باحثين عرباً في المتوسط لإنتاج ما ينتجه باحث واحد في المتوسط الدولي.
وبالنظر إلى ذلك فإننا نؤكد أن هناك هوة واسعة –تتزايد يوماً بعد يوم، حيث الآخر يتقدم بسرعة، ونحن نراوح مكاننا أو نتقدم أحياناً ببطء شديد- بين العمل الجدي الحقيقي المنتج والمطلوب وبين ما هو منتظر من الإمكانات والمواهب البشرية العاملة في ميدان البحث والتطوير من العلماء والأكاديميين الباحثين في المؤسسات العلمية العربية.
ولذلك إذا أرادت مجتمعاتنا العربية – والقيمون عليها من القادة والنخب- أن تفتح مسارات وطرقاً واسعة لها باتجاه امتلاك زمام المبادرة الحضارية في المستقبل- وبالتالي المساهمة الفعالة في بناء وتطوير الحضارة الإنسانية- فعلى نخبها وقياداتها (من مفكرين وسياسيين وعلماء دين) أن تعيد الاعتبار مباشرةً للعمل المؤسساتي، ولدولة القانون والعدل.. دولة الموازنات والخطط التنموية الشاملة التي ترعى – بصدق ومسؤولية- العلم والعلماء، وتتيح عملية المشاركة في صنع القرار، وتقوم بتنمية الثروة بالإدارة العلمية الكفؤة، وتجعل من العلم والبحث العلمي المبدع رافعة للدولة والمجتمع على أساس أولوية العلم على المال، والوعي على تكديس المال والثروة، وذلك باعتبار أن هناك طاقة وقيمة حضارية مختزنة في ذات العلم تضع المال والثروة في خدمة هذا العلم الذي يخطط بطاقته، ثروة ومال الأمة.
إن التحديات والأخطار القائمة حالياً كبيرة جداً، وهي ستزداد في مقبل الأيام، ولا سبيل إلى فهمها ومواجهتها –الآن وفي المستقبل- إلا بانتهاج طريق العلم والمعرفة العلمية المتوازنة التي يجب أن تدفعنا جميعاً -بحكم ضعفنا وانهيار مناعتنا الذاتية- إلى إعطاء القيمة الكبرى للعلم والبحث العلمي، وما يستحقه من عناية واهتمام، وبناء الإدارة العلمية الأخلاقية، وابتكار أساليب جديدة لتنشئة الأجيال العربية على عشق العلم الهادف، وتنمية حس المبادأة، وروح المبادرة والبحث والتنقيب والسؤال لديها.
إننا نعتقد أن البحث العلمي العربي المنشود هو أحد العناوين المشرقة التي يمكن أن تمنحنا -من خلال تفعيل أدائها ودعمها وفتح المجالات أمام خبراتها للانطلاق والمساهمة في بناء الإنسان وتنمية المجتمع- القدرة على المضي قدماً في عملية النهوض الحضاري لعالمنا العربي، وامتلاك المستقبل بالارتكاز إلى رؤية حضارية علمية تعتمد على إعادة النظر في تنظيم آليات الانبعاث، وأنماط الإيقاظ المستمرة لفكر الإنسان العربي، وتعميق إدراكه ووعيه بطبيعة التغيرات الكبيرة الحاصلة في العالم، وتهيئته لها نفسياً ومادياً، وهذا الأمر يتطلب التركيز الدائم على إجراء البحوث الاجتماعية الإنسانية نفسها، لأنها القادرة على كشف ذات الإنسان ومحتواه الداخلي وفهم تشكيلاته وأبنيته الاجتماعية، وبالتالي تربية الأجيال الشابة وإعدادها للمستقبل من خلال توفير مناهج علمية (تربط العلم بالأخلاق الإنسانية) وتأمين وسائل علمية متطورة.
والأمة التي تريد أن تنتج أو تبدع شيئاً جديداً أو تضيف عناصر جديدة مفيدة للحياة والإنسان، هي الأمة التي تحترم شعبها وجماهيرها وتقدر كفاءاتهم ومواهبهم وإبداعاتهم الفكرية والعلمية.. إنها الأمة التي تعي حقيقة مقدراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية، وتقوم بتوجيهها الوجهة الصحيحة على صعيد العمل والممارسة الإبداعية وربط الأهداف بالنتائج المثمرة، وبما يخدم تطلعاتها وأهدافها العالية والطموحة في قيام الإنسان الذي هو أساس الحياة ومنطلق الوجود. 
إنني أرى أن مستقبلنا هو رهن لفعلنا وبذرنا الراهن.. إنه ثمرة أعمالنا وحصاد ما نزرعه في لحظتنا الحالية التي يجب أن نعمل فيها على تغيير أوضاعنا من الداخل، وتحسين مواقعنا ومضاعفة جهودنا، وفهم دورنا في العالم، وتكثيف مساهمتنا في المسيرة الإنسانية العالمية، وانفتاحنا على الآخرين بوعي وثقة ليكون لنا موقع ودور في الحضارة الحديثة وذلك من خلال ضرورة الوقوف المتأمل أمام الثوابت الفكرية والمعرفية للأمة والاهتمام النقدي الصحيح بنسيجها وبنيانها التاريخي الحيوي. 
ومن خلال ذلك يمكن أن تحدث عندنا يقظة حضارية أو انبعاث حضاري عربي حقيقي مثمر قد نمتلك عبره بعض أسس فهم الحاضر للانتماء إلى المستقبل. ولاشك أن ذلك يمر في طريق ممارسة النقد والمراجعة لكثير من حساباتنا الثقافية والدينية والسياسية والاجتماعية كما ذكرنا، بحيث يؤهلنا -هذا النهوض أو الانبعاث الحضاري المستقبلي- أن نكون (كأمة تملك موارد ومواهب وطاقات وافرة) معادلة متوازنة ومتكاملة في وجودها مع المعادلات الأخرى.. ولاشك أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو تغيير ما بالذات (من أفكار ومسبقات أيديولوجية نصية وحمولات معرفية غير منظورة) كأساس لتغيير ما بالواقع. أي إصلاح أو تغيير كثير من معطياتنا وقناعاتنا الفكرية الدينية وغير الدينية التي تقف سداً منيعاً أمام تطورنا وانفتاحنا وتقدمنا وانطلاقتنا النهضوية الحضارية المنشودة. وهذا لعمري عمل كبير كبير، لن يكون وليد لحظة سحرية، بل دونه عقبات وصراعات ومخاضات عسيرة من دون أدنى شك.. فهل نحن قادرون على الاستجابة الفاعلة أم سنبقى أسرى الفكر المنغلق الجامد الذي يقدم للعالم أجمع في كل يوم دليلاً إضافياً على تخلفنا وتأخرنا وعجزنا الفاضح عن استخدام بديهيات التفكير العقلي كشرط أولي للبدء بأي تحول أو إصلاح مطلوب؟!

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This