الذكرى الرابعة لكتبي المسكينة التي التهمتها النيران المقدسة

انغمست في القراءة والاطلاع كلياً بعد تجربة شك وعدم إدراك لحقائق الوجود عنيفة وصعبة جدياً، بدايات شكي، ربما نتجت من شذرات الكلام الذي كنت أسمعه أو أقرأَه بالمصادفة في غالب الأحيان، أيام المدرسة الثانوية، من كتب الأدب أو من بعض الأستاذة التقدميين- على قلتهم وقلة ما يقولون بسبَب القمع السلطوي أو الاجتماعي، بدايات التسعينات. بدأ الإيمان الديني قليلاً قليلاً يرِّقُ في دواخلي ويتناقص، كنت إنسان لا أدريّا بحق وحقيقة، كل شيء كان عندي يقبل الشيء وعكسُه، بمعنى أن يكون حقيقيا أو غير حقيقي، خطأ أو صوابا، أكاد أصّدق كل شيء ولا شيء في نفس الوقت، كنت أنظر إلى كل شيء في “شك عظيم”، أنظر إلى الأشياء المادية في كل مكان باحثاً عن السرّ، سرّ الوجود، سرّ الإله، سرّي أنا أيضا، سرّ كلّ شيء! أقول: “قد يكون السر وراء ذلك التل أو وراء تلك السحابة، لا يُمكن أن تكون هذه “الدنيا” بلا تفسير ولا هدف، من المؤكد أنّ هناك من يعرف السر ولا يريد أن يبوح به! لكن كيف يتسنى لي أن أجده؟! وأين؟” تكاد الدموع تجري من عينيّ! لأنّي عاجز، عاجز، عاجز… كيف لي أن أعرف؟ في الحقيقة كان من المستحيل عليِّ أن أجد مصدرا حقيقيّا في القرية التي نشأت فيها لكي يطفئ لي جهنم تلك! لا ورقة ولا أي معلومة تتحدث عن شيء ذي صلة بالوجود أو المنطق أو نظرية العلم أو مفهوم التاريخ، ضياع كابوسي!
في الحقيقة إلى اليوم عندما أنظُر عبر ذاكرتي إلى الوراء في أحداث التاريخ التي عبرتني أو عبرتها، لا أملك إلا أن أندهش وأقول ما يشبه “سبحان الله”! وسائل الثقافة كانت وما زالت سيئة للغاية، ما عدا التعليم المدرسي المتواضع والضعيف، حتى الصحف في تلك الأيام كانت تأتي مرة واحدة في الأسبوع- فهي منطقة ريفية ولا توجد طرق مرصوفة- بدأ يداخلني الشك في مسألة وجود الله، وخلق الكون وعمري حوالي 19 سنة، للأسف كانت فترة قاسية جدا بالنسبة لي، ربما لأنني كنت زائد الحساسية، ربما بسبب قسوة التعامل في أحيان كثيرة على محيط القرية والأسرة. لم يكن هناك أي إنسان أو “شيطان” في القرية يستطيع أن يجيب على تساؤلاتي، لا أحد يعرف شيئا، وأظن أسئلة من نوع هل الله موجود، وهل توجد جنة ونار، أعتقد أنه لم يكن أحد غيري يفكر فيها، وذاك هو الشقاء بعينه، لماذا أنا فقط؟ كنتُ أسأل نفسي: “هل أنت أذكى من كل هذا العالم؟! لكي تسبُر سرّه؟ كل هؤلاء الناس يعيشون ويتعبدون في سلام! لماذا (تتحشر) في ما لا يعنيك؟ من أنت، وما هي صفاتك التي تميزك عنهم؟ لست سوى حشرة حقيرة! كنت أتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، وأتمسكن بصورة راثية، وأطلب الصفح، لكنها ذاتها الأفكار كما صورة الفيروسات على شاشة الكمبيوتر، تأتي وتعكر عليَّ سكوني وتدخلني في عوالم وشبكات( مثل شبكة الانترنت اليوم) في لا محدوديتها – إن جازت المقارنة. في الحقيقة أنا لا أعرف كيف لم أُجّن أو أموت، ولأنني الذي عشت التجربة، فإدراكي وإحساسي بها يختلف عن الآخرين. كان المرجع الوحيد للمعرفة المعلومات الدينية، والخرافات الشعبية، والتي أغلبها تخويف من العذاب تحت الأرض وفوق السماء! عند سماعي عذاب القبر والجنة والنار ” نار وقودها الناس والحجارة”، وعذاب أبدي وكيف يتم تغيير جلود الكفار تقتلني الدهشة، كيف يكون الناس في النار إلى ما لاااااااااااا نهاية ؟
مسألة دينية مثل هل الإنسان مخيّر أم مسيّر… يا للعذاب! كنت أسهر الليل بطوله انظر إلى النجوم، عيناي على اتساعهما، انظر إلى المجهول، في خوف وهلع وضياع حقيقي… أخاطب الإله ” يا إله هل أنا مُخيَّر أم مُسيَّر ! طيب… لو كنت مُسيَّرا لماذا تدخلني النار بعد ذلك؟ وكنت أتخيل شيئا بالغ القدرة والبأس ينظر إليّ بغضب وبنظرات فاحصة ومدمِّرة، بالضبط كما في أفلام الرعب اليوم، باعتباري تجاوزت حدودي.. ثم أستغفر بشدة وأتوسل إليه: “والله العظيم يا الله أنا ما قصدي شيء، بس أنا ما في يدي شيء ” وأحاول أن اشرح له وأجد لنفسي الأعذار بأني غير قادر على التحكم في أفكاري، وان الأفكار تأتيني بتلقائية دون إرادتي.. وأترجاه أن يسامحني .. وسكنت في بعض أيام الدراسة مع ” أنصار السنة ” وهم متزمتون للغاية.. أصابوني بالجنون.. يغلقون الراديو حتى في موسيقى الأخبار.. كانوا يوقظوننا من النوم عند كل صلاة..ويقولون لنا كلاما عجيبا ( ما انزل الله به من سلطان)، كرهت العالم كله : كان يتطاير الشرر من كل ذرة من جسمي، وأقسم  لو تسنى لي “وعثرت” على القنبلة الذرية فإني لمُلقيها على هؤلاء البشر التعساء الحاقدين!! نعم، أنا كنت متشككا في وجود الله… لكنني لم أصل إلى يقين في وجوده أم لا.. تراني سائرا في الشارع وأنا أنظر إلى السماء… أذهب إلى منتصف الشارع وأتوقف… وأتساءل… ( هل أنت يا الله تريدني أن أذهب عبر هذا الشارع أم من الشارع الآخر )؟ حقيقة، كان الجهل والسذاجة يتملكانني كلياً، أبسط المعلومات الفلسفية أو العلمية ( الموضوعية) عن الوجود لم أكن أعرفها… أرجع من الشارع إلى الشارع الآخر، لكي أخالف مشيئة الله، وأكون حققت سبقاً عبقرياً، في التمرد على ماذا؟ لم يكن هناك أي شيء واضحا بالنسبة لي !! كانت مآسي متراكبة متتالية … وكانت في السنوات الأولى لانقلاب الإسلاميين المتوحش، واستيلائهم على الحكم في السودان .. وشاع جو من القهر والإرهاب في السودان… وصار الناس كالمجانين.. (سكارى وما هم بسكارى)، حرب جهادية على الجنوب المسيحي، حملة في الوسط على اليساريين والعلمانيين، اعتقالهم وتعذيبهم بل وقتلهم.. من أين تأتيني الحقيقة.. (والدنيا راكبها جن)، حتى أتذكر في القرية كان معظم المراهقين يمارسون الجنس مع الحيوانات (الأبقار والحمير). كنت أتساءل في لوعة عن مغزى منع ممارسة الجنس مع الإنسان، فيضطر الإنسان لممارسته مع الكائنات الأخرى! فأسير في الخلاء وعيناي مفتوحتان..مذهولتان .. مزيج من مشاعر التحدي، الخوف، الشجاعة ،التقرب،محاولة الاكتشاف واليأس، لا أستطيع أن أُحَدِد ما كنت أشعر به بدقة ، لكن المؤكد أنها كانت تجارب عجيبة جدا، أرجع بذاكرتي إلى السابق، لا أكاد اصدق بان ذاك هو أنا الآن، معقول! هل العالم كله في ورطه ؟ … ذلك كان السؤال المحوري في السابق، وكنت أعتقد بأن هناك شيئا ذا قدرات هائلة (إله) ورط العالم بقدراته الخارقة الشريرة، لكنني اليوم أرى أيضا العالم في ورطة، على ضوء حقائق الصراع الاقتصادي، السياسيّ، الإثنيّ .. الخ وأنا اليوم أحس بأنني إنسان عاقل إلى حد مّا!  هناك الكثير من الآهات لم تخرج، وعيناي تنظران إلى الحروف في حيرة !
بالنسبة للكتب، اكتشفت أنها السبيل الوحيد لخلاصي من جهلي ومعاناتي، فانكببت عليها، أفهم شيئا ويضيع عليّ كثير من الفهم، لظروف مختلفة، كانت كتب متنوعة، أغلبها فلسفيّ، وقليل منها أدبيّ وأخرى، انكببت عليها، كمريض ميئوس من علاجه أو كغريق يتعلق بقشة، استفدت منها إلى حد مّا، أمّي البسيطة، كانت – وما زالت- توسوس لها المخاوف الناتجة من عقل استلبه واقع اجتماعي ظالم، ضد هذه الأزهار أو المَلْكات- الحوريات في نظَري ، الشياطين والشؤم في نظرها! وما شاءت الأوصاف أن تصف،  كانت تنظر لي نظرة ارتياب غريبة ( إلى اليوم لم أستطع أن أفسر معناها أو سببها بدقة) وكانت كلما رأتني وأنا أحمل كتابا أو (ساهياً) أفكر كانت تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتطلق عليّ ألفاظا، تصيبني بالضيق والكدر.
وسافرت إلى الخليج هربا من واقع اقتصادي متردّ، وفضولاً إلى عوالم أخرى، أربع سنوات من المعاناة ورجعت، رجعت لكي ألقي التحية عليها-على كتبي- أين هي؟ أين ذهبت؟ كنت أتساءل، في رَوعٍ وخوف؟ قالت لي والدتي العزيزة: “لم نتوقع أنك بِسائلٍ عنها بعد عودتك من الأراضي المقدسة”، لقد أحرقَتها! شبعَت منها النيران المقدسة!
ارتفع الدم حاراً إلى رأسي المسكين، مزقت ملابسي، سببت الوجود كله، ذهبت إلى الخلاء وجلست تحت ظل شجرة يابسة أنظر إلى القرية التعسة وفي حلقي مرارة، ومع ذلك كنت أضحك أحيانا.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق