سجين حر

عندما انتهيت من قراءة الكتاب، لم أستطع البقاء بين جدران غرفتي، إذ خيّل لي أن الجدران تقترب من بعضها لتصبح الغرفة بمساحة زنزانة وربما أقل..تخيلت نفسي مشنوقاً من قدميّ، ومعلقاً في فضاء الرعب والموت.
خرجت إلى الشارع رغم أنّ الوقت كان متأخراـ بعد منتصف الليل ـ ولم تكن دمشق أفضل من حال غرفتي ، إذ بدأت الشوارع تتقلص والمساحات تضيق لتصبح دمشق منفى يضيق بأبنائه، وليغدو الوطن أصغر من مساحة زنزانة.
الكتاب ليس كتابا عن السجن وحسب، وليس مجرد اعترافات سجين عن أيام قضاها داخل زمن من الرعب، ستبقى موشومة في روحه إلى أمد طويل. فالكاتب لؤي حسين لم يكتف بذلك بل يواجهنا بأسئلة جديدة لم نقرأها في اعترافات سجناء آخرين عن سجنهم.فالعالم ينقسم عنده إلى عالمين عالم السجناء الذين ينتمي إليهم الكاتب وعالم ” الطلقاء ” الذي نحيا فيه، الأمر الذي يجعلنا نعيد التفكير بأنفسنا وعالمنا ، حيث نقرأ أنفسنا وذواتنا في نظر الآخر/ السجين، ونتساءل هل نحن طلقاء أم أحرار؟

فعالم الأحرار يختلف عن عالم الطلقاء، حيث الطليق هو سجين مع وقف التنفيذ، أو سجين من حيث لا يدري، لا يعرف متى تحين ساعة سجنه، يدرك أن الصدفة وحدها من يجعله في عالم الطلقاء، ولو إلى حين…
ويكتب عن نظرة الطلقاء إلى السجين كما يراها، كيف تختلف نظرتهم عندما يعرفون أن هذا الشخص كان سجينا بتهم سياسية، فينفضون عنه خوفا، بعد لومه وتقريعه بدل شكره واحترامه لأنه سجن بالنيابة عنهم، ومن أجل حرية لا يطالبون بها، قائلين : وماذا جنيت من ذلك..ألست نادما…

نعم هكذا تتحول المطالبة بالحرية إلى ندم في مجتمع فقد اجتماعه ، ودخل مرحلة العطالة الدائمة ،بفعل ثقافة الخوف التي اخترقت عمقه وسطحه في آن. هكذا تتجادل أنا السجين مع الآخر/ السجين السابق ، وتتجادل الأنا السجينة مع الآخر /الطليق ، داخل شرط اجتماعي وسياسي لا يقر بضرورة الجدل والحوار.

الأمر الذي يلفت انتباهنا إليه الكاتب أن السجين لا ينتهي سجنه بمجرد خروجه من السجن، بل ينتقل من حال السجين إلى حال السجين السابق الذي يعود إلى حرية لا يجدها ، وفرحة غير مكتملة، وعالم لا يعترف به كما هو،إذ يجد نفسه “سجينا حرّا” مطالبا بأشياء فات قطارها، مطاردا بلقمة العيش وبتعويض أيام لا تعوّض، باحثا عن عمل لا يجده لأن السلطات جردّته من كامل حقوقه،الأمر الذي يضطره إلى أن يطلب من أصدقائه الثوريين القدامى مساعدته في الحصول على أي عمل..حتى هذا (الأي عمل) لا يجده، وتستكثره عليه القيادات الحزبية التي شجعته على تحمّل سنوات السجن تحت اسم النضال والصمود، ربما خوفا وربما تنصلا من ماض لم يعد يليق بهم بعد ركوبهم أمواج الوضع الجديد.
وكأني بالكاتب يصرخ بنا وبمؤسسات حقوق الإنسان التي تكتفي بالمطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين، أن الأمر لا ينتهي هنا بل لا بد من المطالبة بإعادة الاعتبار لهؤلاء السجناء وإعادة حقوقهم المدنية والعسكرية وتعويضهم عن سنوات السجن الطويلة،وإعادة جوازت سفرهم والسعي الحثيث لإعادة دمجهم في النسيج الاجتماعي ليتسنى لهم العيش بهدوء وسلام مثلهم مثل الطلقاء على الأقل، فالكاتب لا يحلم بأكثر من إيجاد مكان له في الحياة الجديدة ( أن يقبلوني منهم دون تمييز عنصري وألا يشار لي بالسجين السابق ناقص الأهلية لأكون واحدا منهم : أعمل ما يعملون، وأغضب كما يغضبون، وأنام بلا كوابيس مثلهم، وأعشق نساء منهم) ص 100.

أحد الأشياء المهمة التي كتب عنها لؤي حسين ، ووجه لها اتهاما مباشرا فيما يحصل:هو الثقافة السائدة التي صوّرت السجن كرحلة نضال إلى الحرية، تلك الثقافة التي زيّنت السجن ،وجعلته جواز سفر إلى عالم المناضلين ، فالمناضل لا يكتسب صفته تلك ما لم يتعمّد جسده بكهرباء السجن وكراسي الاعتراف وبذاءات السجانين .فالكاتب يقول بما يشبه الاعتراف أنه ضحية ثقافة الانتحار والموت، الأمر الذي يدفعه فور خروجه من السجن إلى تمزيق رواية “شرق المتوسط ” لعبد الرحمن منيف، كناية عن خروجه من ثقافة الموت إلى ثقافة الحياة.

الأمر الآخر الذي أشار إليه الكاتب مواربة، وكنا نتمنى لو كتب عنه بشيء من التفصيل، ولكنه أحجم عن ذلك لاعتبارات شخصية، وربما شفقة على أصدقاء قاسمهم رغيف خبزٍ في زنزانة واحدة، آلا وهو علاقة السجناء ببعضهم البعض تلك العلاقات المرضية والمتعالية أحيانا والتي تزيد من وحشة السجناء وكآبتهم، إذ يكتب في صص 12و13: (أعفي نفسي من الحديث عن منغص كبير في السجن(…) وهو بعض أوساط السجناء الذين يعيش معهم السجين فيحيلون زمن سجنه جحيما فوق جحيم،خاصة في الأوساط الحزبية والسياسية المتطرفة أو الطفيلية البارعة بممارسة كل أشكال وأدوار الاستبداد).

والكاتب هنا يشير إلى نقطة مهمة لطالما تناولها في مقالاته الصحفية الجريئة ، وهي أن المطالبين بالديمقراطية غير ديمقراطيين في علاقاتهم مع بعضهم البعض، بل وغير ديمقراطيين مع أنفسهم ، الأمر الذي يجعل من الديمقراطية مجرد شعار مثلها مثل الثورة والإصلاح، لنصبح أمام مفارقة مذهلة وحزينة: ديمقراطية بلا ديمقراطيون.
استطاع لؤي حسين من خلال فقده أن يحوّل جراحه وعذاباته إلى سيمفونية من الألم والسخرية والهجاء المر لعالم يتجه نحو الهاوية، ولثقافة تنتج الاستبداد وتساهم في ترويجه، ولمجتمع فقد دوره ومدنيته، ولمثقف تنازل عن دوره النقدي لصالح سلطات تقيّد الإبداع وتحتفل بالسجون.

وأضاف إلى أدب السجون آفاقا جديدة، تتمثل بما بعد السجن، إذ بكتابته عن هذا البعد يشرّح لنا عوالم موحشة لا تقل خطرا وكآبة عن السجن نفسه، محرضا بذلك السجناء الآخرين على كتابة عالمهم الجديد، وعذاباتهم الجديدة وأدبهم الجديد: أدب ما بعد السجن.

{{الكتاب: الفقد ( حكايات من ذاكرة متخيلة لسجين حقيقي )}}

{المؤلف: لؤي حسين}

{الناشر: دار بترا}

{الطبعة الأولى 2006}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق