في نقد الفكر الإصلاحي: نموذج عبد المجيد الشرفي ( 1/2 )

والكلام،

بعضه ألفاظ كمثل أشداق وحشية،

وبعضه قيود

لا لأعناق البشر وحدهم،

بل كذلك لأعناق النجوم

{أدونيس}

تنبأ أيها الأعمى

تعيش الفضاءات الثقافية الإسلامية، راهنا، حالة من التمزق الفكري والشيزوفرينيا الثقافية المعممة ونقض مهول في العقلانية المعلمنة والمجردة عن السمات اللاهوتية. لقد اختارت النخب الثقافية المعلمنة نسبيا والمنفتحة بدرجة أو بأخرى، على الثقافة الغربية وعلى مواقفها التحليلية والنقدية للظاهرة الدينية وللحدث المسيحي ولشخصية المسيح، عقد مصالحات جزئية مع التراث ومع النص المؤسس وتسريب المكتسبات الإبستيمية والمنهجية والإجرائية للعلوم الاجتماعية والإنسانية إلى التربة الإسلامية بكثير من الحذر ومن استعطاف المؤسسة الأرثوذكسية المهيمنة ثقافيا، والمتحالفة في الغالب مع السلطة السياسية، والمتغلغلة في الوجدان الجماهيري الميال إلى الأسطرة والأمثلة والانقياد للقادة الدينيين الكاريزميين. إلا أن التأويل التصالحي مع الذاكرة الثقافية ومع المخيال الديني ومع الوعي الجمعي، كثيرا ما قاد المفكرين الإصلاحيين إلى مواقع غير مريحة معرفيا ومنهجيا، والى وضعية سوسيو- سياسية مترنحة، مما أدى بالكثير منهم، إلى اعتناق المواضعات التراثية الأكثر سلفية ومنافاة لمقتضيات العصر، بعد انطفاء حماس البدايات، باسم التصالح مع العمق التراثي / التاريخي، وباسم الإخلاص للمثال والطوبى القرآنيين.

سنركز في هذه المناولة على مؤلفات الدكتور عبد المجيد الشرفي وخصوصا على كتاب (الإسلام بين الرسالة والتاريخ )، بالنظر إلى غناها الدلالي واحتوائها على تركيب فكري خصب، وعلى محاولة تأويلية للجمع بين الدين والحداثة في عصر ما بعد الحداثة وانتهاء الزمان الثيولوجي /الايطيقي.

هل أفلح الشرفي فيما فشل فيه الإصلاحيون ؟ سؤال سنجيب عنه، عبر استشكال نصوص للشرفي ونقد لمضامينها وإستراتيجيتها التأويلية ومؤداها الفكراني.

{{1-اللاهوت والناسوت:}}

” إلا أن أحد الأقوال التي أوردها السيوطي في الإتقان يذهب إلى ” أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، وأنه صلعم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب “، ولم ير في هذا القول كفرا أو مروقا من الدين. وهو في الحقيقة أقرب المواقف من المعقولية الحديثة، ولعله يصلح منطلقا لتفكير متجدد منسجم في الوحي، غير مقيد بالنظريات الموروثة بدعوى ما حصل حولها من إجماع، ويحافظ في القرآن على بعده الإلهي المفارق من دون تجسيم، وعلى بعده البشري الطبيعي بتاريخيته ونسبيته، غير فاصل بين البعدين أو مقص لأحدهما أو مضخم له على حساب الآخر، كما هو الشأن في التصور “السني” السالب النبي إرادته وملكاته. أليست غاية الرسالة إشراك الناس جميعا في تجربة الإلهي expérience du divin التي عاشها النبي بامتياز !” (- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص .37-38)

يعتقد الشرفي في إمكانية تجديد النظر في إشكالية مصدرية النص المؤسس، وإعادة مناقشة الرؤية السنية المهيمنة، وهي الرؤية السائدة والمتغلبة على باقي الرؤى منذ انتهاء فورة الفكر” العقلاني” في الإسلام الكلاسيكي وسيادة النظر السني بداء بالمتوكل. كما يعتقد أن التمييز في القرآن بين المعنى الإلهي واللفظ النبوي، يعيد الفاعلية الاعتبارية لمؤسسة النبوية ولشخص النبي من جهة ويتفق مع المعقولية الحديثة من جهة أخرى. ولا ينسى أن يشير إلى انفتاح بعض المفكرين القدامى وسعيهم إلى عقلنة تشكل النص المرجعي عبر استلهام مفاهيم فلسفية وأراء برهانية ( الكندي والفارابي وابن سينا … الخ ) والى تمسك المفكرين المعاصرين في الغالب بآراء سلفية موغلة في تقديس القرآن واستبعاد أي رؤية عقلانية له نظير ما قدم المفكر الباكستاني فضل الرحمان مثلا.

والحقيقة أن تجديد التفكير في القرآن استنادا إلى الأطر الفكرية الحديثة، يستلزم الإشارة إلى نظرية خلق القرآن الاعتزالية. فالمعتزلة قالوا بخلق القرآن ، وانتمائه إلى مجال صفات الأفعال الإلهية لا إلى مجال صفات الذات. ومما لا شك فيه أن صفات الأفعال تمثل مجالا للتلاقي والتشارك بين الكائن المتعالي والعالم . فلا جدال في أن المعتزلة سعوا إلى عقلنة اللامعقول النصي بتأويل الكثير من المفاهيم اللاهوتية الإسلامية الغارقة في المتعاليات وإلى تدبر مفارقة النص للعالم من حيث المصدر ومن حيث البناء ومن حيث الدلالة تدبرا فكريا نظريا بعيدا عن سطوة التسليم السلفي.
وقد عزا البعض فكرة التمييز بين الكلام المنزه والألفاظ التشبيهية إلى يوحنا الدمشقي :
” وفي واقع الأمر ، فقد اعتمد يوحنا الدمشقي في ” المناظرات ” منهجا يفرق بين “كلمة ” الله بمعنى ” الخطاب ” و” التفوه ” به بمعنى ” الألفاظ “، وكانت هذه المقاربة، تحديدا بمثابة البذرة الفلسفية التي زرعها الدمشقي في تربة المساجلات التي دارت رحاها بين أهل السنة والجهمية وصولا إلى المذهب الأشعري الذي وفق بين طرفي هذا الجدل بالقول إن خطاب الله قديم، بينما التلفظ بالقرآن مخلوق “. ( – دانييل ساهاس – الشخصية العربية في الجدال المسيحي مع الإسلام – الاجتهاد – العدد : 28- صيف – 1995- ص. 131) .

والشرفي يسعى إلى الفصل بين المحتوى المعنوي الغيبي وبين الصياغة اللغوية النبوية للخطاب المفارق، أي إنه نسب الكلام إلى الكائن المتعالي والألفاظ إلى الكائن التاريخي المتمثل في النبي. وهذا الرأي التراثي، هو أحد الآراء المطروحة في الأدبيات الكلامية والفقهية القديمة. يقول السيوطي: ” وقال غيره: في المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ والمعنى، و أن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به. وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ، كل حرف منها بقدر جبل قاف، و أن تحت كل حرف منها معاني لا يحيط بها إلا الله.
والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة، و أنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب. وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالى: ( نزل به الروح الأمين، على قلبك ) [ الشعراء: 193-194].

والثالث : أن جبريل ألقى إليه المعنى ، وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب ، وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية ، ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك ” (- جلال الدين السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه : فواز أحمد زمرلي – دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان – طبعة 2004- ص 118) .

ومن المؤكد أن السيوطي يتمسك بالرأي السلفي الرافض لأي تدخل أو صياغة نبوية للكلام المفارق لاعتبارات يوردها في قوله:
” والسر في ذلك: أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه. وأن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه. والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين: قسم يروونه بلفظه الموحى به، وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف، فتأمل” (- جلال الدين السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه : فواز أحمد زمرلي – دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان – طبعة 2004- ص 120) .

يستند رفض السيوطي للصياغة النبوية للكلام المفارق القرآني إلى اختصاص هذا الكلام بالصفات التالية:

1- التعبد بلفظه،

2- الإعجاز بألفاظه،

3- تعدد دلالات حروفه.

فهو لا يرفض فاعلية النبي وصياغته الذاتية للكلام المفارق، بل يربطها حصريا بالسنة، وفق ما هو معتمد لدى أهل السنة خصوصا بعد صياغة الشافعي للأصول في (الرسالة ). ومن هنا، فإن تمييز الشرفي بين الكلام المفارق المنزه وصياغته اللفظية التاريخية النسبية، هو استعادة بطرق أخرى، لتمييز القدماء بين الكلام المفارق في السنة وصياغته اللفظية واللغوية النبوية.

لقد قاد الأزمة التشريعية وقلة نصوص الأحكام، الإسلام الكلاسيكي، إلى ابتداع نص متاخم للنص المؤسس، وإلى إضفاء صفات التقديس عليه، استنادا إلى تأويل تلويني لنصوص قرآنية مختارة بعناية فكرانية دقيقة. فقد ميزالقدماء بين المصدر المتعالي للسنة وصياغتها اللغوية البشرية، لفرض مصدر تشريعي آخر يسد ثغرة محدودية النصوص، ولفرض سلطات جديدة وتيارات جديرة في خضم صراع التأويلات بين التيارات الفكرية والسياسية المتطاعنة طيلة العصر الأموي والعباسي تخصيصا. ولا نعتقد أن نقل ذلك التمييز يمكن أن يستجيب لمعايير المعقولية الحديثة، كما يعتقد الشرفي، بالنظر إلى ما يلي:

1- قيام الرؤية الفكرية الحداثية على أرضية المحايثة والتاريخية، واستعمالها لجهاز مفهومي ولأطر ذهنية وفكرية منفصلة عن الأطر التصورية للفكرية اللاهوتية. فالتمييز بين المعنى الإلهي واللفظ النبوي في النص القرآني يقف على أرضية المفارقة أصلا ولا ينتمي إلى الإشكالية الحداثية القائلة بالتدبر المحايث المحض للنصوص، استنادا إلى منهجيات لسنية وفيلولوجية وسيميائية وتاريخية وأنثروبولوجية لا إلى مقررات المناهج الأصولية.

2- قيام التحليل المحايث العلماني للنصوص المقدسة على منهجية مختلفة عن المنهجية اللاهوتية الكلامية القائلة بالعقلنة والتسويغ العقلاني للعقائد الإيمانية الغيبية في حدود المسموح به لاهوتيا. وقد شكلت كتابات القديس أوغسطينوس والقديس طوماس الاكويني وموسى بن ميمون والجويني والغزالي والطوسي نماذج كلاسيكية في هذا السياق.

3- قيام المقاربة الحديثة للنصوص المقدسة على تغيير في المنظور وزاوية الرؤية والجهاز المفهومي والمنهجي. فالانطلاق من المنظور اللاهوتي لا يؤدي إلا إلى إجابات غيرعلمية وغير تاريخية مهما كانت الرغبة الإصلاحية للمؤول متأججة واستراتيجيته التأويلية معقدة ومركبة. ويمثل (القرآن والكتاب) لمحمد شحرور و(مفهوم النص ) لنصر حامد أبو زيد نموذجين دالين على صعوبة إقرار تمييزات بين الزماني ( الرسالة / الأحكام ) واللازماني / المطلق ( القرآن / النبوة ) وإقرار تاريخية النص في نهاية المطاف التحليلي.

4- يطرح التمييز السابق إشكاليات عويصة من الناحية الكلامية. فتمتيع الشخص المؤسس بالصياغة اللغوية للمعاني المتعالية ينطوي على إشراكه في الكلام المتعالي. والإشراك يعني، هنا، الانتقال بالشخص المؤسس من دور الوسيط الرسالي إلى دور الشريك الرسالي. وهذا الاستنتاج مخالف لقواعد الاعتقاد الإسلامي المعروفة وللأطروحة الإصلاحية القائلة بانتفاء الوسطاء في الاعتقاد الإسلامي كلية. علاوة على ذلك فإننا لا نعتقد أن قناعات الشرفي الواردة في كتابه المنقود تنحو هذا المنحى في النظر إلى الرسالة المحمدية ” كما انه لا مجال لتناسي ما لم يفتأ الوحي يكرره المرة تلو المرة من أن محمدا أرسل مثل سائر الرسل وأنزل معه ما أنزل معهم من الكتاب ” ليقوم الناس بالقسط ” ، ليس سوى مذكر وشهيد وبشير ونذير ….” (- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص .78) .

{{2-النقد التاريخي للنصوص المؤسسة:}}

” فإذا كان مصير الرسالة المحمدية مختلفا عن مصير رسالتي موسى وعيسى، حيث لم تدون التوراة إلا بعد قرون عديدة من موت موسى وإثر الأسر البابلي، ولم يدون الإنجيل إلا في روايات مختلفة لم تحتفظ منها الكنيسة إلا بأربع وامتزج فيها ما بلغه عيسى بأخبار حياته وكرازته، بينما دونت رسالة محمد بعيد وفاته وفصل فيها بين ما بلغه وما تعلق بسيرته، فتوافرت في المصحف من ضمانات الصحة ما لم يتوافرلما دون من الرسالتين السابقتين، فإن ذلك لا يعني اختلافا جوهريا في نوعية الرسالات الثلاث وفي المشاكل التي يثيرها التعامل معها، لا سيما بعد انتقالها من الشفوي إلى المكتوب، من القرآن إلى المصحف “.(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص .43-44).

يبدي الشرفي جسارة واضحة في التعامل مع الكتاب المقدس مثل حنفي والنيهوم والطالبي، إلا أن تلك الجسارة ليست، تحقيقا، إلا إقرارا بالدغمائيات الأصولية المعهودة في أوساط الأرثوذوكسيات الإسلامية. فالإقرار بتحريفية الكتاب المقدس، في السياق الإصلاحي، هو تأكيد لتسرب اليقينيات الوثوقية للاعتقاد الإسلامية إلى صفوف الإصلاحيين، وعدم قدرتهم على إعمال النظر المنهجي في النصوص المؤسسة والتجارب القدسانية المعيارية بله استشكال الأصول المقررة في أوساط أمة الدعوة. فمن السمات المائزة للإصلاحية الإسلامية، هي تجريمها الشعوري أو اللاشعوري للتوراة والتلمود والأناجيل اليسوعية، وعدم تدبرها على نحو عقلاني لإنجازات النقد التاريخي للكتاب المقدس. والواقع أن مقررات الشاهد هي فكرانية كلامية، ولا تجد سندا معتبرا حتى في المصادر المرجعية الإسلامية بله المصادر العلمية الحديثة.

” ومن المشكل على هذا الأصل ما ذكره الإمام فخر الدين، قال : نقل في بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وهو في غاية الصعوبة لأنا إن قلنا : إن النقل المتواتر كان حاصلا في عصر الصحابة بكون ذلك من القرآن، فإنكاره يوجب الكفر. وإن قلنا : لم يكن حاصلا في ذلك الزمان، فيلزم أن القرآن ليس بمتواتر في الأصل. قال: وإلا غلب على الظن أن نقل هذا المذهب، فيلزم أن القرآن ليس بمتواتر في الأصل. قال: وإلا غلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة “. (- جلال الدين السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه : فواز أحمد زمرلي – دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان – طبعة 2004- ص 203) .

فالموقف العلمي يستلزم فحص النصوص المعيارية بدون استثناء وإخضاعها لقواعد النقد التاريخي بدون مفاضلات عقدية أو ثيولوجية أو طائفية من الطراز المعهود في كتابات الإصلاحيين الإسلاميين بدءا بالطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وانتهاء إلى النيهوم وحنفي والجابري والطالبي. فالحقيقة أن الإصلاحي لا يولي العناية الكافية للنقد التاريخي للكتاب المقدس. فهو يعتقد أن إشكالية ذلك النقد تقع خارج مجاله التداولي وخارج التناظر الفكري في الفضاء الثقافي الإسلامي. كما أن النتائج النقدية ، لتلك الكتابات الاستشكالية بله النقضية لشرعية وصلاحية الكتاب المقدس تدغدغ حساسيته العقدية وتساعده على تجاوز جروحه النرجسية وعلى الرد على الاستشراق الكلاسيكي والحديث المفكك لمفاصل الاعتقاد الإسلامي، ولأركان الثقافة الإسلامية عموما ( نيولدكه ورينان ورودنسون وكيطاني ……..الخ ). فالنقد التاريخي للعهد القديم والعهد الجديد ينعكس ضرورة على القرآن، بالنظر إلى اشتراك هذه المصادر الاعتقادية في الثيمات والعوالم التداولية وفي اعتمادها على تأويل نص العالم ونص الإنسان ونص المفارق من منظور المفارقة.

وبناءا على ما تقدم، فإن التشكيك في وثاقة النص التوراتي والنص الإنجيلي، تشكيك متعد وليس لازما كما يعتقد الشرفي وحنفي والعشماوي والجابري. والواقع أن كتابات كمال صليبي ” التوراة جاءت من شبه الجزيرة العربية ” و”خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل ” و”عودة إلى التوراة جاءت من جزيرة العرب ” وشفيق مقار ” السحر في التوراة والعهد القديم ” وسيد القمني ” النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة ” ومحمد سعيد العشماوي ” الأصول المصرية لليهودية ” تمثل عينات ونماذج لأبحاث نقدية غيرت الكثير من المسلمات اللاهوتية عن التوراة والعهد القديم. ولا نعتقد أن نتائج هذه الأبحاث محصورة في التراث اليهودي، بل هي تمس التراث المسيحي والإسلامي، مادامت تمس الأصول المشتركة بين العقائد الثلاث.

فقد تمكن هؤلاء الباحثون من إقامة الأدلة اللغوية أو التاريخية أو النصية أو الأركيولوجية على التعالق النصي القائم بين التوراة والعهد القديم والنصوص المقدسة للثقافات والعقائد الوثنية القديمة بالشرق الأوسط القديم. وذهب كمال صليبي وزياد منى إلى إعادة قراءة جغرافية التوراة والى استشكال الكثير من اليقينيات الرائجة عن الفكر التوحيدي والتاريخ النبوي وعن الفضاء الأصلي للدراما الإبراهيمية:

“المنطقي إذن هو أن إله عرب الجاهلية ود، هو نفسه داود التوراة، والذي لم يكن ووفق قناعتي شخصا حقيقيا، وإنما أحد آلهة المعبد الوثني لبعض تجمعات بني إسرائيل قبيل تحولهم للتوحيد ” . (- زياد منى – جغرافية التوراة – مصر وبنو إسرائيل في عسير – رياض الريس للكتب والنشر – الطبعة الأولى – يناير – 1994- ص 36) .

وعليه، فإن إثارة وثاقة النصوص المقدسة تطرح إشكاليات صادمة للوعي والوجدان التوحيديين طالما أنها تمس الفكرية الكتابية في الصميم. فالواجب المعرفي يقتضي، والحال هذه، لا إعفاء النص القرآني من القراءة العلمية المطبقة على الكتاب المقدس والتأكيد على استثنائيته التاريخية والثيولوجية ، كما يعتقد الجابري والشرفي والنيهوم وحنفي، بل استكشافه، تكوينا وتاريخا ودلالة وتداولا، من خلال مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية المعمول بها في الجامعات ومراكز الأبحاث الراقية.

نقرأ في( الإتقان في علوم قرآن ):

” قلت : قد ورد من طريق آخر أخرجه ابن الضريس في فضائله : حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا هوذة بن خليفة ، حدثنا عوف ، عن محمد بن سيرين ، عن عكرمة ، قال : لما كان بعد بيعة أبي بكر ، قعد علي بن أبي طالب في بيته ، فقيل لأبي بكر : قد كره بيعتك ، فأرسل إليه ، فقال : أكرهت بيعتي . قال : لا والله ، قال : ما قعدك عني ؟ قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه، فحدثت نفسي ألا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه. قال له أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت “. (- جلال الدين السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه : فواز أحمد زمرلي – دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان – طبعة 2004- ص 155) .

ألا يدل هذا النص على صعوبة الإقرار بالوثاقة النصية للنص ؟

{{3- الرسالة بين الإتباع والإبداع:}}

“…هل أرادت الرسالة المحمدية أن تقف بالإنسان عند حد معين لا يتجاوزه ؟ هل سعت فعلا إلى وسم ما أمرت به وأرشدت إليه بالإطلاقية ؟ أو هل سعت بالعكس من ذلك إلى وسم ما أمرت به و أرشدت إليه بالإطلاقية ؟ أو هل سعت بالعكس من ذلك إلى أن تفتح للإنسان آفاقا رحبة وتحمله المسؤولية كاملة في كيفية العبادة وفي تنظيم شؤون حياته كلها ، وهو حر لا رقيب عليه سوى ضميره ؟ وهنا يتعين الرجوع إلى وجه الرسالة الثاني ، ذاك الذي طمسه التاريخ وأنكر طاقاته الإبداعية ، فلم يتعود المسلمون كشفه والتنقيب عن خفاياه وأسراره ودلالاته ، ولم يتفطنوا في الأغلب حتى إلى وجوده ذاته ، لا لتقصير منهم أو عجز أو ما أشبه ذلك ، بل لأن ظروفهم وطبيعة ثقافتهم لم تكن تسمح لهم إلا بما اهتدوا إليه وطبقوه “.(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 87) .

يعتقد الشرفي أن تقريظ الرسالة المحمدية والإشادة بنقط تميزها قياسا إلى الرسالات السابقة وتأويل ختم النبوة بما يوافق أنسنة الإنسان وتحريره من الآلية الكهنوتية ومن تكرارية الطقوس والاستعادات البعدية المتواترة للأحداث المؤسسة يمكن أن تشكل طريق تحرير الوعي والضمير الإسلاميين من ثقل المؤسسة الكهنوتية ومن صلابة المنظومة الطقوسية الإسلامية.

ومن المحقق أن المقصد الفكراني للإصلاحية الإسلامية يقودها إلى التخليط الفكري، مادامت تصر ، أحيانا ، على القفز على محتويات النصوص وعلى إضفاء معاني معزولة عن مؤدى الألفاظ القرآنية وعن مؤدى المساق والسياق النصيين. فالفضاء الدلالي للقرآن، مؤثث بهيمنة الإلهي وبتغييب الإنساني، وبربط الحضور الإنسان الممكن والمعتبر ، شرعيا ، بالانخراط في التاريخ القيامي عبر الطاعة المطلقة لله ، وأداء الطقوس بأمانة ، وأداء واجب الشهادة والمساهمة في الجهاد القتالي عند الاقتضاء .

تتمثل الخاصيات الجوهرية للرسالة المحمدية في اعتقادنا فيما يلي:

1- تعريب” التاريخ” النبوي الإسرائيلي بإدراج طقس الحج في الجغرافيا الطقوسية للمنظومة الكتابية مثلا .

2- إغلاق المسار المفتوح ” للتاريخ” النبوي ودمغه بالخاصية المحمدية ” إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ” (الفتح: 10) ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ” ( آل عمران: 31 ).

3- كوننة “التاريخ” الإسرائيلي المعرب عبر الجهاد الدعوي والقتالي.

لقد تم ذلك عبر التركيز على ثلاثة وسائط:

1- وساطة الشخص المؤسس أي محمد بدلالة الشهادة الإيمانية الإسلامية،

2- وساطة الأمة العربية باعتبارها حاملة اللغة والثقافة العربية وراية الجهاد المؤسس.

3- وساطة الأمة الإسلامية بمثابتها حاملة العقيدة ورافعة الجهاد الممتد في الزمان والمكان.

وقد اتخذت صياغة الطقوس العبادية أهمية جوهرية في الحين المحمدي بالنظر إلى قيمتها في تعزيز الوحدة المجتمعية وفي تحقيق التناغم بين الجسد الفردي والجماعي من جهة والمثال الغيبي من جهة أخرى. فالصلاة الإسلامية هي عنوان التسليم بالفكرة المفارقة وإخضاع الزمان الفردي للزمان القدسي / الجماعي، وإخضاع الجسد الفردي المشدود إلى الغرائزي وإلى الثقافي المفتوح ، إلى الانضباط اللاهوتي / السياسي الرافض لأي صياغة ذاتية للجسد وللعلائق بين الأجساد . فالعبادة ليست إلا وسما للجسد، بوشم الغيب، أي نقلا منهجيا له من جدلية الطبيعي والثقافي إلى جدلية اللاهوت والسياسة الاسكاتولوجية.

فالإسلام لم يغلق التاريخ النبوي ليفتح حيز التفريد العقدي والايطيقي والروحي للأفراد ، بل ليعلن انسداد الآفاق الروحية للإنسانية باكتمال المسار الديني الممتد من آدم إلى محمد. فلم يتبق للإنسان إلا التوقف أمام انجازات ما سماه ابن عربي بنبوة التعريف ونبوة التشريع، مليا ، والاقتداء بهديها ، دون أي بحث ذاتي أو فردي ، يعيد تحريك التاريخ الروحي من جديد للإنسانية من جديد. أليست البابية والبهائية ضحية الامتلاء الدلالي للأصول ؟ والأكثر من هذا ، فرغم امتلاء الدين بالخطابات والمقررات اليقينية، إلا أن مساحات من الحيرة الميتافيزيقية تبقى بلا حل .

” ينبغي للعبد أن يعتقد أن أعماله لم توصله إلى نيل المقامات ، وإنما أوصله إلى ذلك رحمته به ، الذي أعطاه التوفيق للعمل والقدرة عليه والثواب ، كما قال ” صلى الله عليه وسلم ” : ( لا يدخل أحد الجنة بعمل ، – قيل له : – ولا أنت يا رسول الله – ، قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته )، والله أعلم”. ( محيي الدين بن عربي – المسائل لإيضاح المسائل – تحقيق : قاسم محمد عباس – المدى – دمشق – سورية – الطبعة الأولى -2004- ص .130).

وتسهم تدافعات الأدلة والأدلة المضادة في النص المؤسس ، إلى تمزق كبير في النفس لا يتحمل المؤمن وقعه إلا بالترجيح بين الدلالات إن كان متكلما ، أو بإغراق النفس بالقياسات لن كان فقيها ، أو بالانقطاع عن الخلق جملة إن كان صوفيا .
” ومنه [ ما ] روى عمرو بن مهاجر قال: بلغ عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – أن غيلان القدري يقول في القدر، فبعث إليه فحجبه أياما، ثم أدخله عليه فقال يا غيلان !ما هذا الذي بلغني عنك ؟ قال عمرو بن مهاجر: فأشرت إليه ألا يقول شيئا. قال فقال : نعم يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل يقول : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ، إنا هديناه السبيل إما شاكرا أو كفورا . ) [ الإنسان : 1-3] قال عمر : اقرأ إلى آخر السورة : ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، إن الله كان عليما حكيما ، يدخل من يشاء في رحمته ، والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) [ الإنسان : -30-31] ثم قال : ما تقول يا غيلان ؟ قال أقول : قد كنت أعمى فبصرتني ، و أصم فأسمعتني ، وضالا فهديتني . فقال عمر : اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا وإلا فاصلبه !…” ( الشاطبي- الاعتصام – تحقيق : هاني الحاج – المكتبة التوفيقية – الجزء الأول – ص. 68-69).

وهذان النصان دالان على التشوش الفكري والأخلاقي الملازم لكل اعتقاد، رغم ارتفاع النبرة الوثوقية والتأكيد على حسن العمل المؤدي إلى سعادة الدارين. فإذا انتهى الفقه والتصوف إلى التماس العزاء في الرحمة ، مع رسم المسارات النجاتية فيهما بدقة، فكيف يقول الشرفي بانفتاح الطريق الروحي في الإسلامي وبفتح ختم النبوة، مسار التاريخ أمام الإنسان لتقرير مصيره ؟

{{4- ختم النبوة : انفتاح أم انغلاق ؟}}

” هكذا يكون محمد بن عبد الله قد ختم النبوة ليقضي على التكرار والاجترار وليفتح المجال للمستقبل الذي يبنيه الإنسان مع أبناء جنسه في كنف الحرية الذاتية والمسؤولية الفردية والتضامن الخلاق . هكذا يكون قد أرسى الدعائم المتينة لأخلاقية éthique كونية بحق ، ولا يكون دوره محصورا في تقديم وصفات جاهزة ما على المسلم إلا أن يطبقها تطبيقا آليا أجوف “.(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 93) .

يستدعي هذا النص في اعتبارنا الملاحظات التالية :

1- قراءة التجربة المحمدية من منظور لا تاريخي يسقط فحوى الكثير من الدلالات الأصلية للتجربة كما نقلتها المرويات والمنقولات والنصوص المعيارية . فالحقيقة أن التجربة القدسانية المحمدية ، ترتكز على تأطير الهوى الميتافيزيقي والايطيقي للفرد وعلى نفي التفرد والتفريد والإبداعية الفردية في مضمار التطلع إلى المعنى الكلي والى القيمة المطلقة والى الكمال الإنساني . فنفي السؤال ونفي المسلك الاستكشافي الذاتي وتوجيه الطاقة إلى القتال المعمم باسم الجهاد ، تنهض أدلة على لا ملاءمة قراءة عبد المجيد الشرفي للتجربة المحمدية . والواقع أن تجربة بوذا ولو تسي وكونفشيوس ، يمكن أن تتسع جزئيا للقراءة المقترحة أكثر من التجربة المحمدية.

النص الأول :

“حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال : حفظناه من عمرو عن طاوس سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” احتج آدم وموسى فقال له موسى : يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة قال له آدم : يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى فحج آدم موسى ” ثلاثا قال سفيان : حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله “. ( – محمد بن إسماعيل البخاري – صحيح البخاري –اعتنى به – أبو عبد الله محمود بن الجميل – الجزء الثالث – مكتبة الصفا- الطبعة الأولى – 2003- كتاب القدر – باب تحاج آدم وموسى عند الله – ص. 269)

النص الثاني:

“حدثنا أدم حدثنا شعبة حدثنا يزيد الرشك قال : سمعت مطرف بن عبد الله بن الشخير يحدث عن عمران بن حصين قال : قال رجل : يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار ؟ قال : ” نعم ” قال : فلم يعمل العاملون ؟ قال : ” كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له ” . ( – محمد بن اسماعيل البخاري – صحيح البخاري –اعتنى به – ابو عبد الله محمود بن الجميل – الجزء الثالث – مكتبة الصفا- الطبعة الأولى – 2003- كتاب القدر – باب جف القلم على علم الله …– ص. 265).

النص الثالث:

” وأخرج البخاري ، عن ابن مسعود أنه قال : لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله تعالى . فبلغ ذلك امرأة من بني أسد ، فقالت له : إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت !فقال : ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في كتاب الله تعالى !فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه كما تقول ؟ قال : لئن كنت قرأته لقد وجدته ، أما قرأت : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر : 7] . قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه “. (- جلال الدين السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه : فواز أحمد زمرلي – دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان – طبعة 2004- ص 726)

النص الرابع:

” حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” انطلقوا إلى يهود ” فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم : ” يامعشر يهود أسلموا تسلموا ” فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم فقال : ” ذلك أريد ” ثم قالها الثانية فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم ثم قال الثالثة فقال : ” اعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا اعلموا أنما الأرض لله ورسوله “. (- محمد بن إسماعيل البخاري – صحيح البخاري – اعتنى به أبو عبد الله محمود بن الجميل – الجزء الثالث – مكتبة الصفا- الطبعة الأولى – 2003- كتاب الإكراه – باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره – ص.345) .
من المؤكد أن النصوص الأربعة الواردة أعلاه ، تجمع على نفي استقلالية الإنسان وقدرته على تقرير مصيره الميتافيزيقي وتدبير ووجوده المحايث في العالم الفيزيقي . فالواقع أن الرسالة المحمدية ، تأتي تتويجا ، للفكرية التوحيدية ، المؤسسة ، أصلا ، على نفي التروحن الذاتي ، والتفريد الأخلاقي ، واستقلالية الذات البشرية في تدبير مصائرها القصوى . فالرسالة المحمدية ، لا تستهدف فتح التاريخ الأخلاقي للبشر ، ولا الدعوة إلى البحث عن مسالك غير مطروقة للتروحن والتخلق وإدراك الغايات العالية ، بل التبشير باكتمال ” التاريخ” النبوي ، وانحصار كفاية الإنسان في التعبد الطقوسي وترسيخ دعائم المؤسسات الشرعية وبثها في الآفاق المستعصية على النداء الرسالي عبر الجهاد الدعوي السلمي الترغيبي أولا ، وعبر الجهاد القتالي الترهيبي ثانيا .

والواقع أن الإستراتيجية الإسلامية الأصلية تقوم ، على قاعدة حصر التشخصن في التماهي بالزمن النبوي الدائري ، وفي التمسك بالأخلاقية القرآنية ، المحصورة في الأمة . فالأخلاقية الإسلامية ، مشدودة إلى النجاة ، والى حث الإنسان على استحقاق السعادة الأخروية والابتعاد عن الشرور المؤدية إلى الشقاء الأخروي .واستحقاق السعادة الأخروية، يتم عبر الإخلاص لمثاليات التاريخ المقدس النبوي، أي عبر إنكار الاستقلالية الفردية والفكرية للفرد. وقد حاول المتصوفة ، روحنة عالم السعادة الموعود ، بسلوك مسلك العارفين المنقطعين لا عن الأغيار كما هو معروف في الشريعة بل عن الخلق والفناء في الحق .

يقول أبو حامد الغزالي في هذا السياق :

” فتنبه لهذا النمط من التصرف في قوارع القرآن وما يتلوه عليك ، ليغزر علمك وينفتح فكرك ، فترى العجائب والآيات ، وتنشرح في جنة المعارف ، وهي الجنة التي لا نهاية لأطرافها ، إذ معرفة جلال الله وأفعاله لا نهاية لها ، فالجنة التي تعرفها خلقت من أجسام ، فهي وإن اتسعت أكنافها فمتناهية ، إذ ليس في الإمكان خلق جسم بلا نهاية فإنه محال . وإياك أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فتكون من جملة البله وإن كنت من أهل الجنة ، قال صلى الله عليه وسلم : ” أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب “. (- أبو حامد الغزالي – جواهر القرآن –اعتنى به وراجعه : سالم شمس الدين – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى – 2005- ص. 77)
وهكذا انتقلنا من الأخلاق الإيمانية القائلة بوضعية الذمة لليهود والنصارى والصابئة والمجوس إلى الأخلاق العرفانية القائلة بإذابة العالم الطبيعي في التوق إلى الحضرة الإلهية . فلئن غاب الآخر العقدي في الشريعة ، فقد غاب الإنسان بوصفه إنسانا في الأخلاق العرفانية على نحو كلي.

2- لقد حدد النص المؤسس والشخص المؤسس والنموذج المثالي لدولة المدينة / يثرب، السقف الفكري للأخلاق الإسلامية. فالإنسان بمقتضى هذا السقف ، منذور لخلع صفاته الناسوتية والعقلية ، والانسياق مع النسق العقدي / الاجتماعي المشدود إلى التجربة المحمدية بما هي الذروة الروحية والأخلاقية غير القابلة للتجاوز إطلاقا . وقد اصطدم بعض الصوفية بهذا الحاجز، مما دعاهم إلى القول بانتهاء نبوة التشريع واستمرار النبوة العامة وارتفاع نصاب الولاية قياسا إلى نصاب النبوة.
يقول ابن عربي :” اعلم أن الولاية هي الفلك المحيط بالعالم ، ولهذا لم تنقطع ولها الإنباء العام ، فنبوة التشريع ورسالته منقطعة بسيدنا ( محمد ) ” صلى الله عليه وسلم ” ، وقد انقطعت فلا نبي بعده ولا رسول مشرع ، ولا مشرع له ، فلا يبقى اسم خاص يختص به العبد دون الحق تعالى بانقطاع النبوة والرسالة ، إلا أن الله لطف بعباده ، فأبقى لهم النبوة العامة التي لا تشريع فيها ….” ( محيي الدين بن عربي – المسائل لإيضاح المسائل – تحقيق : قاسم محمد عباس – المدى – دمشق – سورية – الطبعة الأولى -2004- ص .50-51) .

3- اندراج الأخلاق القرآنية في سياق الأخلاقيات الإيمانية المؤسسة للأخلاق بناء على افتراضات ميتافيزيقية غير مسلمة إلا في الإطار الديني التوحيدي .كما أنها تتميز بطابعها القسري الإلزامي المستبعد لأي اختيار جوهري بشري .
” ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم” آل عمران: 176 .

–“وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ، ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم” (إبراهيم :4)

علاوة على ذلك فإن الأخلاق الإسلامية تجذر أساسها الابستمولوجي في الله لا في الإنسان وتعتمد نظرية سلطوية في التسويغ الأخلاقي . وعليه ، فإن تحقيق ما يشير إليه الشرفي لا يتم إلا بعقلنة الأخلاق وتزويدها بقاعدة نظرية عقلانية، لا بتأويل تلويني لنصوص وتجارب حافلة بمتصورات تاريخية بعيدة عن فتوحات العقل العملي الحديث ونظريات الأخلاق الحديثة.

{{ 5- الضروري في الدين بين النص والسنة الثقافية:}}

“وإن إلقاء نظرة على العقائد السنية ليكشف إلى أي حد ألزم المسلمون بمجموعة من “الثوابت” كانت في الأصل مسائل خلافية ، مثل عدم خلق القرآن ، والإيمان بالقدر خيره وشره – مع ما ينجرعنه من نفي للاختيار وحرية الإنسان في خلق أفعاله ولمعقولية الظواهر الطبيعية والاجتماعية في آن – ، واعتباطية الجزاء الإلهي ، ورؤية الله في الدنيا أو في الآخرة ، وعذاب القبر وسؤال منكر ونكير ، وعصمة الصحابة ، وغيرهما مما عدّ ” معلوما من الدين بالضرورة ” “.(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 123-124).

تصر الإصلاحية الإسلامية على الفصل بين النص والتأويل ، و بين الخطاب والتاريخ ، لتنزيه النص من اللامطابقة ، ولتأثيم الفعل التأويلي البشري . والواقع أن الإصلاحية الإسلامية ،لا تدرك الخطورة النظرية لهذا الفصل اللامنهجي واللاتاريخي، ولا لمستتبعاته النظرية المتعلقة بصوابية البيداغوجيا القرآنية .

وسيرا على غرار الإصلاحيين ، فإن الشرفي يؤكد على مفارقة التأويل السني لفحوى النص ، وعلى لا شرعية الكثير من المسلمات المعتبرة في أعراف أهل السنة والجماعة معلوما من الدين بالضرورة . والحال أن التيار السني حرص على رفض التأويل في العقائد وتعامل مع المقررات النصية للنص المعياري بحرفية وبعناد تسليمي مقر بغيبية الدين وبقصور العقل الجوهري عن تعقل الغيبيات :

يقول محمد بن تومرت: ” للعقول حد تقف عنده لا تتعداه ، وهو العجز عن التكييف ، ليس لها وراءه مجال وملتمس إلا التجسيم والتعطيل ، عرفه العارفون بأفعاله ونفوا التكييف عن جلاله لما يؤدي إليه التجسيم والتعطيل ، وذلك محال ، وكل ما يؤدي إلى المحال فهو محال لشهادة الأفعال على وجود خالق انفرد بالاقتدار ، وما ورد من المتشابهات التي توهم التشبيه والتكييف كآية الاستواء ، وحديث النزول ، وغير ذلك من المتشابهات في الشرع ، يجب الإيمان بها كما جاءت مع نفي التشبيه والتكييف لا يتبع المتشابهات في الشرع إلا من في قلبه زيغ …” ( – محمد بن تومرت – أعز ما يطلب – تقديم وتحقيق : عبد الغني أبو العزم – مؤسسة الغني للنشر- الرباط – المغرب – 1997- ص. 216 )
وهكذا فإن أهل السنة ألغوا فعالية العقل في تعقل الغيبيات وحصروا كفاءته في تدبر الفروع . فقد أكدوا على أولوية السمعيات على العقليات ، والمنطوقات النصية على التدبرات العقلية ، عملا بفحوى النص ، وذهبوا بالمنطق القرآني إلى نهايته المنطقية مع الباقلاني والجويني وأبي حامد الغزالي من الأشاعرة ومع ابن عقيل وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة .
فنفي حرية الاختيار ومعقولية الظواهر الطبيعية والاجتماعية واعتباطية الجزاء الإلهي مقررات قرآنية صريحة، وهي أساس الاعتقاد الديني في كل الأديان التوحيدية أصلا.

” ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ،إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير” .( الحديد / 22) .

” وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله “. ( آل عمران : 166)
” ومن يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا” .( الإسراء : 97) .

” ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون، فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يتطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ، وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين، فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمي”. (الأعراف : 130/133).

” هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال، ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال”. ( الرعد : 12-13)
لقد حاول بعض المفكرين القدماء عقلنة المضامين الغيبية الواردة في الآيات القرآنية وفي المنقولات التراثية، إلا أنهم اصدموا بعنف المتخيل الإسلامي الميال إلى الأسطرة والترميز والتقديس والسباحة في اوقيانوس العلامات والإشارات الترميزية.

يقول ابن قتيبة الدينوري في ( تأويل مختلف الحديث ) :

” وأما قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) وقول موسى عليه السلام : ( رب أرني أنظر إليك قال لن ترني ) فليس ناقضا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ترون ربكم يوم القيامة ” لأنه أراد عز وجل بقوله : ( لا تدركه الأبصار ) في الدنيا .

وقال لموسى عليه السلام : ( لن ترني ) يريد : في الدنيا ، لأنه عز وجل احتجب عن جميع خلقه في الدنيا ، ويتجلى لهم يوم الحساب ، ويوم الجزاء والقصاص ، فيراه المؤمنون كما يرون القمر في ليلة البدر ، ولا يختلفون فيه ، ولم يقع التشبيه على كل حالات القمر ، في التدوير ، والمسير ، والحدود وغير ذلك !!” ( – ابن قتيبة – تأويل مختلف الحديث – خرج أحاديثه وعلق عليه : أبو المظفر سعيد بن محمد السناري – دار الحديث – القاهرة – 2006- ص. 273) .
وقد لخص أبو الحسن الأشعري الموقف الاعتزالي من مسألة الرؤية بقوله:

” أجمعت المعتزلة على أن الله سبحانه لا يرى بالأبصار ، واختلفت : هل يرى بالقلوب ؟ فقال ” أبو الهذيل ” وأكثر المعتزلة : نرى الله بقلوبنا بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا ، وأنكر ” هشام الفوطي ” و”عباد بن سليمان ” ذلك”.( – أبو الحسن الأشعري – مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين – تحقيق – محمد محيي الدين عبد الحميد – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – 1999- ص . 238) .

فالمشكلة، هنا، ليس في تناقض النصوص وإصرار الجهة السنية على التوفيق المغالطي أو السوفسطائي بينها كما رأينا في نص ابن قتيبة الدينوري، بل في تجذر جواز الرؤية كحقيقة سوسيولوجية أو كحقيقة تاريخية مترسخة في الوعي والوجدان الإسلاميين. فلا يكفي رفض النصوص الحديثية وتأويلات المؤسسات الأرثوذكسية للنص القرآني ، والإحالة إلى النص المعياري بوصفه النص المرجعي المطلق في تقرير الحقائق، لعقلنة اللامعقول ونزع الأسطرة عن الفكر الإسلامي كما يرى بعض المفكرين الإصلاحيين. فصمود المتخيلات السنية إزاء التمحيص الاعتزالي والجهمي والشيعي والفلسفي ، لا يعني إلا قوة المتخيل الإسلامي ، وسعيه الاحتيالي للاحتفاظ بأكثر الصور نمطية ومخالفة لأبسط شرائط التعقل.
وحتى يتمكن الشرفي من نزع الشرعية عن الفكر السني ، فإنه نسب له اللاعقلانية واللاسببية والغيبية ، ونزه النص المرجعي عن هذه الصفات . والحقيقة أن الدين ، لا ينهض أصلا إلا على المفارقة والتعالي وعلى عابرية التاريخ والطبيعة والإنسان ، وعلى جوازية الفعل الإنساني واعتباطيته الجوهرية . فرغم المنحى العقلاني لابن رشد ، فإنه لا يملك ، إلا التسليم بغيبية الإسلام ، بوصفها مسلمات صناعية :

يقول ابن رشد :

“وأما ما نسبه( يقصد الغزالي) من الاعتراض على معجزة إبراهيم عليه السلام ، فشيء لم يقله إلا الزنادقة من أهل الإسلام : فإن الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدال في مبادئ الشرائع ، وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد . وذلك أنه لما كانت كل صناعة لها مبادئ ، وواجب على الناظر في تلك الصناعة أن يسلم مبادئها ، ولا يعرض لها بنفي ولا بإبطال ، كانت الصناعة العملية الشرعية أحرى بذلك (…) فالذي يجب أين يقال فيها إن مبادئها هي أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية . فلا بد أن يعترف بها مع جهل أسبابها.ولذلك لا نجد أحدا من القدماء تكلم في المعجزات مع انتشارها وظهورها في العالم، لأنها مبادئ تثبيت الشرائع، والشرائع مبادئ الفضائل؛ ولا فيما يقال فيها بعد الموت”. ( – ابن رشد – تهافت التهافت – انتصارا للروح العلمية وتأسيسا لأخلاقيات الحوار – مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح للمشرف للمشرف على المشروع : محمد عابد الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان- الطبعة الثانية -2001- ص. 510-511).

فإبطال معايير العقل ليس خاصا بالأشاعرة وأهل السنة، بل هو قاعدة مشتركة لدى كل الطوائف الإسلامية بلا استثناء. فرغم سعي المعتزلة عقلنة الدين واحتواء العناصر الغيبية اللاعقلانية منه ، إ‘لا أنها اضطرت إلى التمحل في التأويل والتعسف في التسويغ والتعامل غير المبرر مع النصوص كما نجد عند إبراهيم بن سيار النظام ومعمر بن عباد السلمي وثمامة بن أشرس النميري وهشام بن عمرو الفوطي. كما أن البعض منهم أوغل في الغيبيات إلى حد القول بعقيدة التقمص أو التناسخ:

” وكان في زمانهما ( يقصد احمد بن خابط والفضل الحدثي ) شيخ المعتزلة ” أحمد بن أيوب بن مانوس ” ، وهو أيضا من تلامذة النظام ، وقال أيضا مثل ما قال : ” أحمد بن خابط ” في ” التناسخ ” وخلق البرية دفعة واحدة ؛ إلا أنه قال : متى صارت “النوبة ” إلى البهيمية ؛ ارتفعت التكاليف ، ومتى صارت “النوبة ” إلى رتبة النوبة والملك ؛ ارتفعت التكاليف أيضا ، وصارت النوبتان عالم الجزاء”. (- الشهرستاني – الملل والنحل – تحقيق : محمد عبد القادر الفاضلي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – 2007- ص. 51)

فقد كان نصاب العقلانية ضئيلا في الحضارة الإسلامية ؛ وقد رأينا موقف ابن رشد من المعجزات وذهاب بعض المعتزلة إلى حدود تسويغ التناسخ حسب ما أورده الشهرستاني . فلئن كان موقف العقلانيين تسليميا لا عقلانيا في مسائل مفصلية مثل هذه ، فلنتصور حجم اللاعقلانية في التيارات المعتمدة أصلا على التغييب المنهجي والنسقي للعقل والعقلانية . ومن المحقق ، أن تأويل النص الثقافي ، ليس منفصلا كلية عن توجيهات النص القدسي . وبناء على هذه الرؤية، فإن الفصل بين النص والتأويل، لا يصيب الحقيقة، ويغرق المفكر في إشكاليات نظرية ومنهجية هو في غنى عنها.
وفي هذا السياق ، فإننا نلاحظ تقاربا بين الشرفي وحسن حنفي ؛ فهما يتفقان على أن نفي السببية في المعقولية الطبيعية والاجتماعية ، ترجع إلى النص الثقافي المتأثر بمعطيات السياق السياسي والاقتصادي ، وليس إلى النص المعياري القائل بالمعقولية في كل مجالات ممارسة الفعالية البشرية . يقول الشرفي :

” وهكذا نشأت أجيال كاملة من المسلمين وتربت وهي تستنكف عن تحليل أفعال الإنسان في مختلف مجالات حياته وردها إلى أسبابها وعللها الطبيعية والاجتماعية والمنطقية ، وتقفز إلى العلة الأولى في أبسط الظواهر
وأخطرها ، متوهمة أن الجهل علامة على التقوى وشرط من شروطها ، وممكنة بذلك لصنوف الاتكال والشعوذة والتسلط والتعصب من الشيوع والتجذر”. (- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 188) .

ونحن نعتقد أن تأويل الشرفي للنص المؤسس ، يقفز على نصوص كثيرة تؤكد عكس ما يود البرهنة على صوابيته العقدية خصوصا أنه يشير في مقاطع أخرى من كتابه إلى حضور الميثية في مفاصل النص المؤسس ذاته ” ومن الواضح أن الحديث فيها عن الجن وعن الهبوط من الجنة وعن دور إبليس والشياطين والملائكة وعن الطوفان وعمر نوح ، وغير ذلك من الظواهر الميثية ، مستمد من تلك العناصر التي تبدو اليوم بعيدة عن المفاهيم والمتصورات الحديثة . وكذا الشأن بالنسبة إلى العديد من مظاهر العجيب والغريب التي تزخر بها والتي لم يعد لها في نفوس معاصرينا الأصداء ذاتها ولا لها في فكرهم الدلالات عينها ” .(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص .45) .

{{6-الاستلاب والتحرر:}}

” ولم يكن منهم كذلك من يتصور الرسالة المحمدية رسالة تحرير للإنسان من قيود التقليد للآباء والأجداد – ولو كان هؤلاء الآباء ” سلفا صالحا” – ؛ رسالة ترشيد للسلوك الاجتماعي وحث على تحمل المسؤولية في تنظيم هذا السلوك ؛ رسالة تخلص المؤمن بها من الاستلاب حين لا يكون من مطلق سوى الله وكل ما عداه من الظواهر الثقافية بشري تاريخي ، أي نسبي خاضع للتغير والتبدل وموضوع للنقد والتحليل وقابل للتحسين والتعديل ومجال للخلق والابتكار”. (- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 170) .

يقدم الشرفي تأويلا مفرطا في حداثته للرسالة المحمدية ضدا على الدلالات الصريحة للنصوص وعلى المنظور الكلي للقرآن . فهو يرى أن الرسالة المحمدية تتغيى تحرير الإنسان من نير التقاليد وترشيد قواعد السلوك الاجتماعي وتخليص الكائن من الاستلاب وتوسيع الأفق المستقبلي أمام الإنسان المسئول . ومما لا شك فيه ، أن المفاهيم المستعملة هنا تجد أرضيتها المفهومية والنظرية في الفكر الغربي الحديث لا في الفكر الإسلامي . فهي مستقاة من العقلانية الأنوارية ومن الفلسفات التاريخانية ومنتمية إلى مجال تداولي علماني ، فقدت فيه الثيولوجيا والثيوقراطية مكانتهما المركزية والمحورية بسبب مفعول التفكيك المتواصل لمفاصل الرؤية الثيولوجية المسيحية ، واكتشاف تاريخية الثيولوجيا مع اسبينوزا وفولتير وديدرو وفيورباخ …الخ .

ومن هذا المنطلق، فإن مقاربة الشرفي للرسالة المحمدية غير مطابقة، للاعتبارات التالية:

1- غياب مفهوم الإنسان الحديث في القرآن وفي التراث العربي / الإسلامي جملة ، فالإنسان في القرآن هو الإنسان الموزع بين الله والشيطان،بين الإيمان والكفر، بين التوحيد والتعديد أو الشرك ، بين الدنيا والآخرة ، بين الجنة والجحيم . ومعلوم أن النزعة الإنسانية سعت إلى عقلنة البنية الميثولوجية والإسكاتولوجية للأديان باستبعاد الميثولوجي والإسكاتولوجي واكتشاف المركزية الإنسانية . وبناء على هذا الاعتبار ، فإن إسقاط الدلالات الحداثية على الإنسان القرآني تمحل وتعسف .فالكوجيطو الإسلامي كما يرسمه الدعاة ، لم يبلغ مرفأ الذاتية بعد.

2- غياب مفهوم المجتمع الحديث في القرآن وفي التراث العربي / الإسلامي جملة .

3- الإفراط في القراءة التنزيهية للقرآن ، والحال أن النص القرآني يؤسس للمؤسسة الدينية ، بشهادة النصوص التالية :
مؤسسة النبوة :

” إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما”.( الأحزاب: 56)
“يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا” (النساء : 59)
“إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله، ليحكم بينهم، أن يقولوا سمعنا و أطعنا و أولئك هم المفلحون. ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ، فأولئك هم الفائزون”. ( النور :51-52)
فمؤسسة النبوة مؤسسة غير قابلة للتجاوز إسلاميا، والاعتقاد الإسلامي يقتضي التسليم بالسلطة التشريعية للنبي. وبناء على فحوى النصوص، فإننا نعتقد أن رؤية الشرفي الموغلة في التذبذب لا تصيب جوهر الحقيقة لا في سعيها إلى تأكيد فعالية النبوة في صياغة الوحي لفظيا، ولا في إنكار حضورها في عمق المعتقد الإسلامي من باب نفي الكهنوت والوساطات بين الله والناس.

” كما أنه لا مجال لتناسي ما لم يفتأ الوحي يكرره المرة تلو المرة من أن محمدا أرسل مثل سائر الرسل وأنزل معه ما أنزل معهم من الكتاب ” ليقوم الناس بالقسط “، ليس سوى مذكر وشهيد وبشير ونذير ، ليس عليهم بمسيطر ولا حفيظ ، ليس عليه هداهم ، وليس له أن يكره أحدا على الإيمان : ” كل نفس بما كسبت رهينة ” و” لا تزر وازرة وزر أخرى” ” .(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 78) .
وهذا الشاهد متماثل مع اعتبار محمد عبده قلب السلطة الدينية أحد أصول الإسلام:

” …لم يدع الإسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطانا على عقيدة واحد ولا سيطرة على إيمانه على أن الرسول عليه السلام كان مبلغا ومذكرا لا مهيمنا ومسيطرا قال تعالى : ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ) ، ولم يجعل لأحد من أهله أن يحل ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه فيما بينه وبين الله سوى الله وحده ، ويرفع عنه كل رق إلا العبودية لله وحده …..” (- محمد عبده – الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية – تقديم : محمد عمارة – مكتبة النافذة – الطبعة الأولى – 2006- ص. 72) .

وتكمن مشكلة الإصلاحيين هنا ، في ارتطامهم العنيف ، بنصوص مختلفة الدلالات، وعدم قدرتهم على استكناه كلية النص، وتفاعل الدلالات والدلالات المضادة والدلالات الكمونية في عمق أعماق النص المؤسس .

مؤسسة الصحبة:
(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ).( الفتح : 18) .

( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ( التوبة : 100) .
( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) ( الأنفال : 10) .

( والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ) ( الواقعة : 10 ) .

مؤسسة أهل الذكر :

(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (الأنبياء 7:)
( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )( التوبة : 122) .

مؤسسة الأمة :

( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ( البقرة: 143).
( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ( آل عمران: 120 )

فالإيمان الإسلامي يمر عبر عدة قنوات، وليس مباشرا كما تعتقد القراءة السلفية والإصلاحية معا. ومعنى هذا ، أن الإسلام لا ينفرد بتقديس الإلوهية فقط ، بل يرسخ مؤسسة النبوة ومؤسسة الصحبة ومؤسسة أهل الذكر ومؤسسة الأمة ، لتشكل وسائط غير قابلة للتجاوز . فلو كان الاعتقاد الإسلامي يسقط وساطة هذه المؤسسات ، لانتفى من الإسلام بعده النبوي والسياسي ولفقد الجهاد أساسا جوهرا من أسسه .

4- إسقاط الفردية على النص ، والحال أن للفردية مساقات ومقامات مستقلة عن الفضاء المفهومي والنظري الإسلامي ؛

فالإسلام لا يتعامل مع الكائن المفرد القادر على تعقل الموجودات والمؤسسات على نحو سببي علّي عقلاني ، بل مع الإنسان المؤمن المنشغل بمصيره في العاجل والآجل ، أي بسعادة الدارين وفق ما مرسوم في الشريعة ومحدد من قبل القرآن .وعليه ، فإن إسقاط الفردية والإنسية والتحررية على الإنسان القرآني، هو عمل فكراني ودال على مأزق المسلك الإصلاحي رغم بريق اللغة المفهومية ، نظير ما نجد في نص لهشام جعيط : ( توجد في القرآن مركزية إنسانية ، لكنها خاضعة للمقاصد والمخططات الإلهية . وهذا بحد ذاته يمثل شكلا من أشكال النزعة الإنسانية . ففي القرآن درجة إنسانية أرفع؛ إنها مكانة الإنسان في مغامرة الوجود، في غائية الخالق، وفي التاريخ. ) ( – هشام جعيط – أزمة الثقافة الاسلامية – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2000- ص . 50)

5- تكريس النص الصريح، لتبعية الإنسان للمقررات الشرعية، وإسقاط فعالية العقل البشري. ( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة: 3 ).
فلا بحث بعد اكتمال، ولا تشخصن في حضرة القضاء والقدر وتحديد المصائر قبليا.

{{7- تفريد الانسان المؤمن : أسطورة أم حقيقة ؟}}

( إن الحداثة غريبة المنشأ، كونية التأثير. ومن أبرز القيم التي أفرزتها ، وكانت الرسالة المحمدية تحملها بامتياز ، اعتبار الإنسان شخصا حرا ومسؤولا ، لا مجرد فرد من أفراد المجموعة . فالوجود الجدير بهذا الاسم هو غير الحياة على وجه الأرض كما يحيا الحيوان ، مهما بلغ من درجات التنظيم الغريزي .والوجود الحقيقي لا يكون بالتوكيل ، بل يتحمل فيه كل شخص تبعات اختياره وهو واع بما يختاره . وأن تكون حرا في تفكيرك معناه أن لك بالحقيقة علاقة حميمة لا يفرضها عليك احد ، وإنما تصل إلى الشعور ببداهتها وبضرورة الطاعة لمقتضياتها بواسطة حافز باطني ، بعيدا عن أي ضغط خارجي).

(- عبد المجيد الشرفي – الإسلام بين الرسالة والتاريخ – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2001-ص . 199) .

تقتضي القراءة الإصلاحية لإشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر، رفض تأويلات النص الثقافي المتشكل في إطار حضاري محدد السمات ، واقتراح قراءة حديثة للقرآن يتم فيها استثمار الكثير من المفاهيم المصاغة في سياق الفكر الحديث المدموغ بالعقلانية والعلمانية أي برؤية للعالم تغييب فيه المتعاليات غيابا جزئيا أو كليا . وبناء على هذه التوجه المنهجي والنظري ، يعمد الإصلاحيون إلى تأول النص استنادا إلى مفاهيم وأفكار وأطر نظرية راجعة إما إلى ديكارت أو كانط أو هيجيل أو ماركس أو ايريك فروم ( النيهوم في كتاب “نقاش ” ) أو سواهم من المفكرين العقلانيين الغربيين .
ومن هذا المنطلق ، فقراءة الشرفي للنص القرآني من جهة نظر حداثية ، ليست مطابقة لفحوى الخطاب القرآني . ففلسفة الشخص البشري في القرآن، تنتمي إلى رؤية للعالم مخالفة لرؤية العالم الحداثة جملة وتفصيلا. والسعي إلى المصالحة ، بين عالمين دلاليين وفضاءين أنطولوجيين مختلفين ، عمقيا ، لا تفضي في ظننا سوى إلى التلبيسات والى الإفاضة في تطريز حلول نظرية عاجزة ، عمليا عن حل أي مشكلة أو إنارة أية معضلة .وقد قدم المسلك الفكري التراجيدي لمحمد عبده وطه حسين وعلي عبد الرازق وخالد محمد خالد وأمين الخولي ومحمود شلتوت ومحمد النويهي …نماذج عن استعصاء التقريب التداولي بين مجالين تداوليين مختلفين من حيث الرؤية والإبستيمي .

ففلسفة الشخص المتعالية، لا ترى الإنسان إلا في مدار المتعاليات، وفي فضاء الكائن المكلف بالعبادة والتشوق إلى عالم الغيب. فالحقائق صيغت وأحكمت ، بمعزل عن إرادته وعن فعاليته ، والمصائر حددت وكتبت ، و لا يبقى للإنسان إلا أن يؤكد مصيره الميتافيزيقي بالانخراط التسليمي في الزمان النبوي وفي الأفق الرسالي ،وإفناء ذاتيته وناسوتيته بالطقوس والتعبد أو بالجهاد القتالي بحثا عن موقع في ذروة السلطة أو عن مكرمة الشهادة . أما العقل فوسيلي، يؤكد المسلمات ويندهش برؤية المرئيات والمصنوعات ، وبالاجتهاد في الفروع والفقيهات ، وفي الرد على الشبهات وأدلة نفاة شرعية الرسالة المحمدية وبراهين المعطلين والجاحدين والمتخاذلين في أحسن الأحوال .

( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا). ( الأحزاب : 36)
( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) ( الأحزاب : 72) .

ورغم التحامل الصريح للمرويات السنية على الاجتهادات العقلية للقدرية والجهمية والمعتزلة ، فإنها تقف على صعوبة التدبر العقلي لنص يتجاوز المعايير المعتمدة في المنطق الصوري .

( وحدثني إسحاق بن إبراهيم الشهيدي ، قال : نا قريش بن أنس قال : سمعت عمرو بن عبيد يقول : ” يؤتى بي يوم القيامة ، فأقام بين الله عز وجل ، فيقول لي : لم قلت : إن القاتل في النار ؟فأقول : أنت قلت يا رب – ثم تلا هذه الآية : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) [النساء : 93]”.

فقلت ، له – وما في البيت أصغر مني – أرأيت إن قال لك : فإني قد قلت : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [النساء : 48]. من أين علمت أنى لا أشاء أن أغفر له ؟
قال : فما استطاع أن يرد علي شيئا) .

( – ابن قتيبة – تأويل مختلف الحديث – خرج أحاديثه وعلق عليه : أبو المظفر سعيد بن محمد السناري – دار الحديث – القاهرة – 2006- ص. 174)

فالنص القرآني ، يؤكد رغم تدافع الأدلة والأدلة المضادة على سطحه ، على رؤية جبرية ، لا مجال فيها للمبادرة الفردية للشخص البشري المتحرر من ضغوط الجماعة وإكراهاتها كما يعتقد الشرفي . فالإنسان، محكوم بحتمية دينية، وبقرارات مصاغة في اللوح المحفوظ، وإرادته محددة بإرادة عليا، وعقله إجرائي أداتي في أحسن الأحوال، وقدرته على تعديل أو تغيير مجرى التاريخ والمجتمع أو الثقافة محددة بسيناريو علوي وبمخططات غيبية محكمة.ولا مجال لمقارنة هذا المنظور ، بالمنظور الحداثي المبني على قاعدة ناسوتية دهرانية محايثة ، لا تحفل إلا بالنظر الايجابي القابل للتمحيص والخاضع للمقتضيات المنهجية للمعرفة العلمية . فالإنسان من هذا المنظور ، كائن متجذر في الطبيعة كما في نظرية التطور الداروينية ، وفي التاريخ كما في الفلسفات التاريخية والتاريخانية وفي الأنوار القاضية باستعمال العقل والخروج من القصور العقلي .

(ما هي الأنوار؟ إنها خروج الإنسان من قصوره الذي هو نفسه مسؤول عنه . قصور يعني عجزه عن استعمال عقله دون إشراف الغير ، قصور هو نفسه مسؤول عنه لأن سببه يكمن ليس في عيب العقل ، بل في الافتقار إلى القرار والشجاعة في استعماله دون إشراف الغير . تجرأ على استعمال عقلك أنت : ذاك هو شعار الأنوار).

(- كانط – جواب عن السؤال : ما هي الأنوار ؟ – ترجمة: حسين حرب – الفكر العربي – العدد 48- 1987- ص. 129) .

ومن المعلوم أن الأنوار المهيمنة في الفضاء الثقافي الإسلامي هي الأنوار العرفانية ، القائمة على الإلغاء المنهجي للعقل بوصفه أداة قاصرة ، غير مجدية في استكشاف جغرافيا عالم الملكوت .

يقول ناصيف نصار في تحليله ل”مشكاة الأنوار ” للغزالي و” ما هي الأنوار؟ ” لكانط :
( فالغزالي لا يعرف فيما يسميه عالم الحس والشهادة أو لا يعترف بالدور الخاص الذي يلعبه التاريخ . ولذلك نرى مقاربته للأنوار الدينية كأنها في معزل عن حركة التاريخ أو كأنها تعزل حركة التاريخ . أما كانط ، فإنه يطرح مقاربة للأنوار الدينية منفتحة على التاريخ ، لأن فلسفته في الأنوار مرتكزة على فكرة التقدم ، وبخاصة التقدم في الفكر).
( – ناصيف نصار – إشراق عرفاني أم تنوير عقلاني ؟ في سبيل تحليل نقدي لفلسفة الأنوار – الفكر العربي المعاصر – العدد : 3 ديسمبر1985- يناير 1986- ص. 36) .

{{8-الإنسان بين الشرط الحيواني والتوق الغيبي:}}

( لقد كان الإسلام طيلة قرون عديدة، مثله في ذلك مثل كل الديانات، مصدر المشروعية و أهم مرجع لتبرير النظام الاجتماعي القائم ومؤسساته، من الأسرة إلى جهاز الحكم؛ أما في العصر الحديث فقد أصبح محددا للهوية أكثر مما هو مشروع ومبرر. وفي كلتنا الحالتين انحراف عن أهداف الرسالة التي تأسس عليها ، بينما يقتضي الوفاء لها تأويلا للإسلام بما هو موفر لا نظير له لمعنى الوجود والمبدإ والمصير، وبما هو غذاء روحي يسمو به الإنسان على منزلته الحيوانية ، وبما هو معتقد مبني على الإيمان الحر وأخلاقية ديناميكية لا شأن لها بالمنظومة الأخلاقية الجامدة. )
(- عبد المجيد الشرفي – بعد أحداث 11 سبتمبر : من الانفعال إلى الفعل – مقدمات – العدد 26- شتاء 2003- ص.15-16) .

يشكو هذا النص لا من قلق في العبارة بل في الإستراتيجية. فهو يؤكد الاستعمال التاريخي التراثي للنص القرآني؛ كما يلغي شرعية التأويل العصري الذاهب إلى إلباس إشكاليات الهوية والذاتية الثقافية المصطدمة بالمجرى الجارف للحداثة والعولمة والعلمانية أثواب المعتقد الإسلامي ، كما صاغته الأرثوذوكسيات المهيمنة . وتكمن أعطاب هذا الشاهد في اعتبارنا فيما يلي:

1- وصف التأويل الثقافي التراثي بالانحراف عن فحوى الرسالة المحمدية ، غير مسلم بالنظر إلى أن الرؤى التأويلية التراثية صدرت على نظر تاريخي عملي متفاعل مع النص المؤسس .أي أن المؤول التراثي، قرأ النص وفق ما يسمح به إطاره المرجعي وسياقه السياسي والتاريخي وفي توافق مع التوجهات الأساسية للنص. لقد مارس فعاليته الاستقرائية والاستنباطية ، وديناميته التوسيعية أوالتضييقية للدلالة القرآنية ، مع النص لا ضده كما يعتقد الشرفي .
لقد تميز النظر التراثي بتعددية كبيرة في مقاربة كل القضايا اللاهوتية والقانونية الإسلامية، وتحفل كتب الملل والنحل، بآراء مختلف الفرق والمذاهب والطوائف. بالإضافة إلى ذلك فان الفصل بين النص المؤسس للاعتقاد والنصوص المؤسسة للنظر الديني، ليست واردة في الاعتبارات الموضوعية، بالنظر إلى تشابك العلائق القائمة بين النص والتراث. فعكس ما يردده الاصطلاحيون ، القائلون بالفصل بين النص والتراث ، فإن المدونة الرسمية تشكيلة تراثية بامتياز .ومعنى هذا أنها تشكلت في سياقات سياسية وثقافة خاصة ، لا بد من الكشف عنها.

2- يسلم الشرفي بانطواء النص على المعنى المطلق للوجود والمبدإ والمصير ؛ والواقع أن هذه المسلمة اللاهوتية ، تمت بألف صلة وصلة إلى عالم القدامة لا إلى عالم الحداثة القائم على تفكيك المقدس وفك ارتباط الفكر بالمتعاليات وبالخطاب الجوهراني الماهوي .فالحداثة قائمة أساسا، على إخضاع المسلمات الدينية لموجبات العقل ، ولمقتضيات التاريخ الايجابي . كما دللت على أن الكثير من المثاليات الدينية ، ليست في الحقيقة ، إلا تعبيرات أسطورية عن الجرح الأنطولوجي blessure ontologique وعن الاختلاجات الميتافيزيقية للإنسان الباحث عن البلاسيبوهات الأنطولوجية placebos ontologiques .

3- ربط الترقية الايطيقية والروحية للإنسان ، بتجاوز المنزلة الحيوانية ، لا يحقق المطلوب، هنا والآن ، بالنظر إلى ما يلي :

–التوغل في الإيمانيات أضعف انفتاح المسلم على شرطه الطبيعي والحيواني، وغيب انشغاله بالبحث العلمي في نشأة الإنسان. ويقدم الأطلس المنجز بإشراف هارون يحيي، دليلا على رفض المسلمين، لنظرية علمية، هي نظرية التطور. فالتروحن والتخلق ، لا يتمان ، بنفي الشرط الطبيعي ، بل بادراك القوانين الطبيعية إدراكا علميا قويا ،وبإعادة النظر في المسلمات الأصلية بخصوص نشأة الإنسان وموقعه في عالم الكائنات ؛ ان تمييز الإنسان عن الحيوان ، وتخصيصه بمكانة أخلاقية ومعرفية فريدة ، قادته في الغالب ، إلى نرجسية مرضية والى عجز مزمن عن مراجعة خطاطته النظرية ، خصوصا متى ظهرت نظريات علمية تهز المستقر الرمزي السائد وتراجع الأفضلية البشرية ونتائجها العملية البعيدة . إننا في زمان عقد ايكولوجي جديد، وهذا يقتضي تجذير الإنسان في مادية العالم . فلا بد من اعتبار الشرط الطبيعي للإنسان ، لتتحقق إنسانية الإنسان بطرقة أفضل .

أقرت العقيدة التداولية المكانة الاستثنائية للإنسان على غرار ما أقرته التوراة، إلا أنها حددت تخوم فعالية العقل الإنسان والأخلاقية الإنسانية. فرغم استثنائية الإنسان، فهو منذور لمفارقة وضعه الإنساني بوصفه وضعا مؤقتا عابرا، واقتفاء خطوات الآخرين لنيل النجاة في الدار الآخرة. لقد رسخت الأديان بلا استثناء إطارا أخلاقيا مغلقا ينحصر بمقتضاه دور الإنسان، في إطار سكوني غير متجدد، ومحصور في الإعادة الطقوسية وفي انتظار العزاء الرحماني. أليس النقد الصوفي للأصول بحثا عن منفذ من صرامة المسالك المطروقة ؟ أليست الشطحات الصوفية خير معبر عن سعي النفس التواقة إلى تروحن بلا ضفاف، إلى الانعتاق من روحية مآلها الاستعادة لا الإبداع الروحي والأخلاقي المتناغم مع كل الكائنات ومع الأغيار بدون استثناء ؟

أكادير – المغرب

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This