ماي/أيار 1968 بعد أربعين عامًا( 3 ): أيّ أفق للحرية الشخصية إزاء ربقة “المواضعات الاجتماعية” ؟

” الإنسان أفق وهو مشدود إلى أفقه بالضرورة ”
أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين

تمثّل أحداث”ماي 68 ” من خلال ما عاشته الجامعات الغربية من غليان نموذجا للكيفية التي تم من خلالها بث مطلق الفوضى بغرض إدراك ما يكتسيه فرض حدّ معقول من النظام من أهمية بالغة. تعود أصول هذا الغليان الذي عاينته سنوات الستينات إلى جامعات الساحل الغربي الأمريكي على غرار جامعتي “بيركلي Berkely و”سان دياغو Saint Diego ” حيث درّس الفيلسوف “هربارت ماركوز Herbert Marcuse” الفارّ من قمع النازية الألمانية وتلميذ “هيسرل Husserl” و”هيدغير Heidegger ” ذاك الذي تأثر فكره النقدي بتوجهات مجايليه الألمان المنتسبين إلى مدرسة فرنكفورت من أمثال “فروم Fromm”و”أدورنو Adorno”و”هبرماس Habermas”و”هوركهيمر Horkheimer”.
وجدت التوجهات الفكرية الناقدة لـ”هربارت ماركوز” المرتكزة على “أخلاقية الرفض” صدى مذهلا لدى متلقيها من الطلبة بعد أن نجح صاحبها في التوليف بين مبادئ الماركسية وتصورات الفرويدية، متمكنا من استكشاف تمفصلات الفضاء المشترك المنشئ للقيم الناظمة للعمل، والفضاء الشخصي موضع تفتق التصورات المتصلة بالتساؤلات حول الوجود. جسم مؤلفا “الشبق والحضارة  Eros et civilisation” 1954 و”الإنسان الأحادي البعد L’Homme unidimensionnel ” 1964 ، فهم “ماركوز” العميق لـ”أخلاق الرفض” من خلال تشهيره بما وسمه بـ”الكليانية التكنوقراطية الجديدة” العاملة على تضخيم الشعور بالاستلاب عبر تعمّد خلق حاجيات وهمية مصطنعة لا يكف الإعلام الموجه على النفخ في صورتها وتضخيم قيمتها الحقيقية. فـ”الكليانية” الحقيقية لا تعكسها داخل مجتمعات ما بعد الحداثة النمطية السياسية المرهبة، بل تجسمها أساسا النظم الاقتصادية – التقنية المهيمنة على مسالك الإنتاج والتوزيع والمالكة لقدرة لا تقاوم على التلاعب بالذهنية الجمعية بخلق حاجيات متجددة، موهمة باندراج عملية تلبيتها وتوسيع قاعدة استهلاكها ضمن خدمة الصالح العام. 
لمجابهة هذا التنميط المدمِّر وهذه الامتثالية الجوفاء دعا مؤلف كتاب “الإنسان الأحادي البعد” إلى الالتزام الدائم بـما سماه بـ”الوضعيات الثورية ” ويقصد طبعا الاستعداد المستمر للانقلاب على “المواضعات الاجتماعية”، إن على الصعيد الشخصي وإن في مستوى الجماعة. مهما يكن من أمر فقد قطعت فلسفة نقد المسلمات كما صاغه  “ماركوز” في مرحلته الأمريكيّة، منتشرة بأشكال متعددة داخل المجال الأوروبي. فقد غذّت تلك الأفكار الجديدة خطاب المجموعات اليسارية المتطرفة المقاومة لسلطة البرجوازية وسيطرة الهياكل الحزبية والنقابية والعمالية التقليدية الموالية للكليانية السوفيتية، سامحة بخلخلة المسلمات فوضويا بفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في انتظار بروز مقاربات نقدية هادئة للنموذج الاجتماعي والثقافي المهيمِن ببلدان أوروبا الشمالية والسكندينافية. 
والبيّن بعد هذا أن جميع الغاضبين يساريين كانوا أم فوضويين قد رفعوا شعارات منددة بسيطرة المؤسسة السياسية والاجتماعية تقليدية كانت أم تقدمية، واستهدفت مظاهر حنقهم، وهم ورثة اليسار المتشظي، ممثلي البرجوازية الليبرالية، مشكّكين في صدقية ما رفعوه من مبادئ وما كرّسوه من توجهات لدى مجابهتهم لتصورات المحافظين وجميع المدافعين على “النظام القديم”. 
والمظنون أن اشتداد السجال بين هذين القطبين هو الذي أدى إلى تعميق التساؤلات بخصوص مستوى كفاءة المؤسسات القائمة في تعاملها مع الواقع الاجتماعي وتطويرها للأفق  الناظم لأشكال التعامل بين الأفراد والدفع قدما باتجاه مزيد من تحرّر المهمّشين، شبابا كانوا أم نساء، فئات مستضعفة أم شعوبا مُولّى عليها، وذلك عبر الحد من سلطة المؤسسات الدينية (الكنيسة) والسياسية (الحزبية) والعائلية (الأبوية الذكورية ) والتربوية (التعليمية). 
ولمّا كان منطلق أحداث ماي 68 الجامعة فإن تحاليل من حركوها قد استهدفت المنظومة التربوية، تلك التي عمقّ الحراك الذي استقطبته الأحداث شكّ القاعدة العريضة للفاعلين الاجتماعين في جدواها. فتخلى المجتمع تدرّجيا عن تصوراته المُـعلية للمهمة السامية للمربي كناقل لمبادئ التنوير وناشر لمدلولها العميق لدى الناشئة، متسائلا بشكل غير مسبوق عمّا إذا لم يكن هذا المربي تحديدا، وعبر شعوره القوي بالذنب، مورطا فعليا في عملية استئصال مدبّرة للتنوع الثقافي وعنصرَ تأطير فاعل لحالة بغيضة من التجانس الفكري. 
بالتلازم مع هذا الانقلاب القوي الذي عاينه موقع المربي ضمن المتقاسم الذهني للمجتمعات الغربية، فقدت المدرسة دورها كمحرك أساسي في عملية الارتقاء الاجتماعي، وتم تعقّل الدور الواقعي الذي أسند إليها باعتبارها طرفا محددا في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية عبر نقل قيم الثقافة المهيمِنة للأجيال الصاعدة وتعويدها على استبطان تلك الثقافة بشكل تلقائي غير مفكر فيه. لذلك تضاءل النظر إلى آليات تنظيم الحياة المدرسية (جداول الأوقات، وتوزيع المسائل أو المقررات المدروسة، إقرار الأنظمة الداخلية المتصلة بالحياة الجماعية داخل المؤسسة التربوية، فضلا عن تحديد موقع الباثّ في العملية التربوية قياسا إلى المتلقي…) على أنها أشكال مثالية للتدرب على مبادئ الحرية، ليحل محلها توجّس قوي مؤيده أن نفس تلك الآليات من السهل اعتمادها كأداة للترويض أو التجنيد الجماعي. 
والظن أن تسرّب مثل هذا الشعور المربك بسهولة توظيف المدرسة، أو توجيه عامة من يترددون عليها لخدمة مآرب خفية مشبوهة، هو الذي كثّف من ضغط المجتمعات الغربية على المربي ودعوته صراحة للاهتمام أكثر من ذي قبل بالخصوصيات الثقافية لتلاميذه، والكف نهائيا عن تكريس الأشكال العمودية التسلطية لتلقين المعرفة، والانسلاخ بالتدرّج عن موقعه التقليدي المريح كمؤتمن على السلطة العلمية، بتطوير قدرات الإصغاء لجمهور المتلقين الحاملين -بزعم أصحاب هذه التوجهات طبعا – لمطلق الخير، أولئك الذين يتعين على الفاعلين داخل المؤسسة التربوية أن يتجنبوا قدر المستطاع حمل وزر إفساد فطرتهم الأولى أو الأصلية. 
ولعل في تأمل”بيار بورديو” لتصادم المسار الشخصي لحياته بواقع المؤسسة التربوية الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي ذات المؤسسة التي شرعّت سلطته المعرفية ومكنته من الحصول على شهادات “نبالته العلمية”، ما يكفي للبرهنة على عمق التساؤلات التي كنّا بصددها. فقد أوضح “بورديو” ضمن حوار أجري معه في بداية التسعينات حمل عنوان “أجوبة من أجل [بناء] أنطروبولوجيا انعكاسية” أن “الالتفاف الذي اضطر إلى القيام به كي يصبح عالم اجتماع [بعد تكونه الأصلي في الفلسفة] لا يمكن فصله عن مساره الاجتماعي. فقد قضى جانبا كبيرا من شبابه في قرية صغيرة منعزلة بجنوب غربي فرنسا، لذلك لم يكن بمقدوره تلبية متطلبات التحصيل ضمن المؤسسة التربوية دون التخلي، لا على خصوصيات لهجته المحلية فحسب، بل وعلى العديد من التجارب الشخصية والمكتسبات الأولية التي حصل عليها أيضا. فالوفود للاستقرار والتحصيل على العاصمة باريس من مقاطعة فرنسية بعيدة تقع جنوبي نهر “اللوار la Loire” يمنح للقادم من هناك عدة خصائص يسهل أن نجد نظائر لها لدى من [تجرعوا مرارة] التجربة الاستعمارية […]. فهناك أشكال للتمييز الاجتماعي مبطنة بحذق ومهارة لا يمكن ألاّ توقظ داخل [من تعرض إليها] صحوة ذات شكل خاص. فتذكيرك بطريقة مستديمة بغربتك [أو بغيريتك المدانة] يدفعك إلى التفطن إلى أشياء لا يستطيع سواك مشاهدتها أو حتى الإحساس بوجودها”.
ذلك هو نتاج تلاقي مسار مؤلف كتاب “الورثة les Héritiers” و”إعادة الإنتاج  .La reproduction… ” و” بؤس العالم La misère du monde ” بل قل تصادم مساره الفردي مع “المواضعات الاجتماعية” التي قُدّر له أن يخضع لها دون أن يفقد القدرة – وهنا مربط الفرس في تجربته الشخصية – على تمليها باحثا اجتماعيا (من خلال استنباط نماذج بحثية جديدة ركزت أساسا على مفاهيم “العادة” و”إعادة إنتاج المعرفة” و”الحقل” ) ومفكرا وناقدا جماليا أيضا، داعيا في جميع تلك الحالات إلى الإقلاع عن ادعاء جميع أشكال البراءة وخاصة الفلسفية منها، تلك القائلة بحضور “أفكار محضة ” غير خاضعة للسياق الاجتماعي. فعندما يحاول البعض إقناعنا مثلا أنه “مادام رؤساؤهم في العمل يعمدون إلى إيهامهم بأنهم مقتنعون بأن ما يبذلونه من مجهود لا يسمح لهم بالحصول على ما يستحقونه من الدخل، فإنهم من ناحيتهم سيعملون ما في وسعهم على إيهامهم بأنهم يعملون بمنتهى المثابرة والجدية”، فإنك لا تستطيع إزاء مثل هذه المعادلة المدعية بأن مطلق الارتياح يكمن في وجود تعلّة تعطي لمن لفّقها إحساسا قويّا مؤيده أنه على أتم القدرة على مخاتلة غيره، أن لا تفكر لحظة في أن إتيان مثل هذا التصرف تكرار واستمرارا لا يشّرع بمفرده الاعتراف بمثل تلك “المواضعة الاجتماعية” المبنية أساسا على حالة من “اللاوثوق المتبادل” !                             

* جامعي- كلّية العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة – جامعة تونس

 

تقرؤون أيضا:

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This