ماي/أيار 1968 بعد أربعين عامًا(7) حول البؤس في الوسط الطلابي( مقتطفات ) – ترجمة شوقي بوعزة

    يمثّل الكتيّب المعنون بـ”حول البؤس في الوسط الطلابي منظورًا إليه من نواحيه الاقتصادية والسياسية والنفسية والجنسية والفكرية بالخصوص وبعض وسائل علاجه” مرجعا أساسيّا في تناول الأفكار التي أثرت في حركة ماي 68 .فهو في أصله منشور وزّعه طلبة بسترازبورغ سنة  1966.ويتناول تحليلا نقديّا لوضع الطلبة من النواحي المذكورة في العنوان المطوّل وربطه بالمجتمع المشهديّ مع تركيز على مظاهر الاغتراب والاستلاب التي يعيشها المجتمع الرأسمالي السلعي في كلّيته وإبراز بذور المقاومة والقوى الاجتماعيّة العاملة على حفر قبر هذا المجتمع المشهدي في فرنسا وأوروبا الرأسماليّة البورجوازيّة والبيروقراطيّة معا (بلدان الكتلة الاشتراكيّة) واليابان والعالم الثالث.
ولئن وزّع هذا الكتيّب دون ذكر لكاتبه فقد تبيّن في ما بعد أنّ محرّره الأساسيّ هو عضو أمميّة مبدعي الأوضاع(internationale situationniste) مصطفى الخيّاطي وتوجد فيه آثار لأسلوب غي دي بور صاحب كتاب “مجتمع المشهد”.
وقد اخترنا في الذكرى الأربعين لحركة ماي 68 أن نقدّم لقرّاء “ّالأوان” مقاطع مقتطفة من هذا المنشور الذي يعبّر عن جانب من الأدبيّات الثوريّة لتلك الفترة وعمّا تمتاز به كتابات أمميّة مبدعي الأوضاع من عمق في النقد الجذريّ  وتجديد في بلاغة الخطاب المناهض للمجتمع الرّأسماليّ. ونشير إلى أن الفقرات التي اخترناها مأخوذة من مواضع متفرّقة من الكتيّب لا تمثّل تسلسل الأفكار فيه وأن العناوين الفرعيّة هي من وضعنا لأن النصّ الأصليّ جاء مسترسلا.

(1) في السفه المنهجيّ
 لقد أهملت جميع التحاليل والدراسات التي أنجزت، إلى حدّ الآن، في الوسط الطلاّبي ما هو أساسي.ولم تتجاوز البتّة وجهة نظر التخصّصات الجامعيّة (علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد) فظلت بذلك خاطئة من أصلها. لقد اقترفت ما أسماه فوريي بالسفه المنهجيّ “بما أنها تعنى باستمرار بالمسائل ذات الأولويّة متجاهلة وجهة النظر الشاملة إلى المجتمع الحديث”.إذ تُخفى فيتيشيّةُ الوقائع المقولةَ الأساسيةَ وتُنسى التفاصيلُ الكلَّ. فيقال كلّ شيء عن هذا المجتمع باستثناء ما هو عليه فعليا: مجتمع سلعي ومشهديّ. فقد وجد عالما الاجتماع بورديو وباسرون نفسيهما بلا حول ولا قوة في تحقيقها حول “الورثة: الطلبة والثقافة” أمام بعض الحقائق الجزئية التي توصّلا إلى البرهنة عليها. ولكنهما وقعا،رغم كلّ ما لديهما من نيّة طيّبة، في وعظ الأساتذة عن الأخلاق الكانطيّة التي لا رادّ لها والقائلة بالدّيمقراطية الفعلية بواسطة العقلنة الفعليّة لنظام التعليم أي تعليم النظام. في حين أنّ أتباعَهما (…) يعتقدون أنهم آلاف يستيقظون معوّضين مرارتهم البيروقراطية الصغيرة بضوضاء اللغو الثوري البالي.
إنّ وضع الاغتراب في المشهد في ظلّ الرأسمالية الحديثة يفرض على كلّ فرد دورًا ضمن السلبيّة المعمّمة. ولا مفر للطالب من هذا القانون.فهو دور مؤقّت يعدّه لدور نهائي سيضطلع به باعتباره عنصرا إيجابيًّا ومحافظا في اشتغال النظام السلعي.  

(2) وهم الطالب

        يذهب في وهم الطالب (..) أنّه حرّ على قدر جميع قيود السلطة التي تربطه. فشأنه شأن عائلته الجديدة أي الجامعة يخال نفسه أكثر الكائنات الاجتماعية “استقلالية” والحال أنّه يعود مباشرة وبالتوازي إلى نظامين يمثّلان أشدّ السلطات الاجتماعية هيمنة ونقصد العائلة والدولة. فهو ابنهما المنظّم ،البرّ بهما. وبحسب منطق الطفل الخاضع يشارك في جميع قيم النظام وأساطيره ويجمّعها في ذاته تجميعا. فما كان أوهامًا مفروضة على الأجراء أصبح إيديولوجية مستبطنة تنشرها جماهير الإطارات الصغيرة المستقبليّة.فلئن كان البؤس الاجتماعي القديم قد أنتج أضخم أنظمة التعويض عبر التاريخ (أي الأديان) فإن بؤس الطلبة الهامشي لم يجد له عزاء إلاّ في أكثر صور المجتمع السائد اهتراء أي التكرار المضحك لجميع المنتجات المغتربة.
(3) وهم المعرفة
 إنّ الطّالب، إذ يحصل على بعض من فتات الوجاهة الجامعيّة، لسعيد بمنزلته طالبا. إلاّ أنّه جاء بأخَرَة. فالتعليم الآلي والمختصّ الذي يتلقّاه هو أيضا منحطّ انحطاطا كبيرا (بالمقارنة مع المستوى الثقافي العام القديم للبورجوازيّة) على قدر انحطاط مستواه الفكري الخاص (..) بموجب كون الواقع المهيمن على هذا كلّه، أي النظام الاقتصادي، يتطلّب تكوينا مكثّفا لطلبة جاهلين عاجزين عن التفكير.فواقع أن الجامعة أصبحت تنظيما، مؤسّسيا، للجهل وأنّ “الثقافة الراقية” نفسها تنحلّ على قدر إنتاج الأساتذة بالجملة وأنّ جميع هؤلاء الأساتذة أغبياء يثير جلّهم صيحات أي جمهور من تلاميذ المعاهد ،فهذا ما يجهله الطالب ويواصل الإنصات باحترام إلى أسياده مع الرغبة الواعية في فقدان كل فكر نقدي حتّى يتعمّد على نحو أفضل بالوهم الصوفي الذي يجعله طالبا، أي شخصا منشغلا على نحو جدّيّ بتعلّم معرفة جادّة عسى أن تُنهَى إليه الحقائق المطلقة. إنّها فترة توقّف الفكر فكلّ ما يحدث اليوم في مدرجات المدارس والكليات سيحكم عليه في المجتمع الثوري القادم على أنّه ضجيج مضرّ اجتماعيا فمن هنا فصاعدًا لا يدعو الطالب إلاّ إلى الضحك.
(4) البؤس الثقافي
يجد البؤس الفعلي للحياة اليومية الطالبيّة تعويضه المباشر، العجيب، في أفيونه الرئيسي ونقصد البضاعة الثقافة. ففي المشهد الثقافي يجد الطالب بصفة طبيعيّة مكانة المريد المحترم. فيكتشف، وهو قريب من مكان الإنتاج دون أن يبلغه بما أنّه المعبد الذي يمنع عليه دخوله، “الثقافةَ الحديثةَ” بصفته مشاهدًا شغوفا.ففي عصر يموت فيه الفن يظلّ الطالب أوفى الأوفياء للمسارح ونوادي السينما وأكثر المستهلكين تعطّشا لجثته المجمّدة والموزّعة داخل أغلفة السيلوفان في المغازات الكبرى لفائدة فضلات الوفرة. فيشارك فيها دون أيّ تحفّظ ولا فكرة مسبقة ولا مسافة. إنّها عنصره الطبيعي. فلو لم توجد “دور الثقافة” لكان الطالب  سيبتدعها (…)      

(5)  أسطورة الشباب
        إنّ الشباب، في حدّ ذاته، أسطورة إشهارية ترتبط ارتباطا متينا بنمط الإنتاج الرأسمالي على أنّه تعبير عن حركيّته. وقد أصبحت هذه الأولوية الوهمية للشباب ممكنة مع الانطلاقة الجديدة للاقتصاد بعد الحرب العالمية الثانية إثر دخول شريحة من المستهلكين الطيّعين جدّا بشكل مكثف إلى سوق الشغل  وهو دور يضمن شهادة اندماج في مجتمع المشهد. غير أن التفسير السائد عن العالم يجد نفسه مرّة أخرى في تناقض مع الواقع الاجتماعي الاقتصادي (لأنّه متأخّر عنه). وبالفعل فالشباب نفسه هو أول من يؤكّد الرغبة العارمة في الحياة وينتفض عفويا ضد السأم اليومي ووقت الفراغ اللّذين ما انفكّ العالم القديم يفرزهما من خلال مختلف مظاهره التحديث فيه. ويعبّر الشّقّ الثّائر من الشباب عن مجرّد رفض دون وعي بأفق للتجاوز فرفضه عدمي. وهذا الأفق بصدد البحث عنه والبناء في جميع أرجاء العالم. وما يتطلّبه إنّما هو الوصول إلى تماسك النقد النظري والتنظيم العملي لهذا التماسك.

 (6) تاريخ الثورات
 بوسعنا أن نؤكّد أنّه”توجد هزائم تمثل انتصارات وانتصارات أشدّ عارًا من الهزائم” (كارل ليبنيخت عشيّة اغتياله). وأولى الهزائم الكبرى للسلطة البروليتارية ،هزيمة كومونة باريس ،هي في الواقع أول انتصار كبير لأنّ البروليتارية قد أثبتت، لأوّل مرّة، قدرتها التاريخية على أن تسيّر تسييرًا حرًّا جميع مظاهر الحياة الاجتماعية. وبالمثل فإن أول الانتصارات الهامّة للبروليتارية، أي الثورة البلشفية، لا يعدو أن يكون في نهاية الأمر إلاّ هزيمتها الأثقل من حيث التبعات. فقد صادف انتصارُ النظام البلشفي حركةَ الثورة المضادة العالمية التي بدأت بسحق الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان السبارتاكيسيين.
وقد كان انتصارهما المشترك أعمق من تعارضهما الظاهر. فما كان هذا النظام البلشفي، في نهاية الأمر، إلاّ قناعًا جديدًا ووجها مخصوصا من النظام القديم. فقد كانت نتائج الثورة المضادّة الرّوسية، في الداخل، إقامة صيغة استغلال جديدة، هي رأسمالية الدولة البيروقراطية، وكانت، في الخارج، تكثير فروع الأممية المسمّاة شيوعيّة، باعتبارها فروعًا موجّهة للدفاع عنها ونشر أنموذجها. لقد ازدهرت الرأسمالية، بمختلف ألوانها البيروقراطيّة والبورجوازيّة، من جديد على جثث بحّارة كرونشطاط وفلاحي أوكرانيا وعمال برلين وكياف وتورين وشنغهاي وبعد ذلك برشلونة.


(7) الشرط الأول لكلّ نقد
أن يسيطر البشر الذين يصنعون التاريخ سيطرة واعية على التاريخ هذا هو المشروع الثوريّ برمته. فالتاريخ الحديث، شأنه شأن التاريخ الماضي، هو نتاج الممارسة الاجتماعية والحصيلة، غير الواعية، لجميع الأنشطة الإنسانية. وقد أنتجت الرأسمالية، في عهد هيمنتها الكلّيّة، دينها الجديد أي المشهد. وما المشهد إلاّ التحقيق الأرضي للإيديولوجية. فلم يسر العالم، أبدًا على رأسه مثلما عليه الحال اليوم. ويمثّل نقد المشهد اليوم، مثلما كان نقد الدين، الشرط الأوّل لكل نقد.

 (8) العيش دون وقت فراغ والتمتّع دون عوائق
لا يمكن تحرير التاريخ الحديث ولا استعمال مكتسباته التي لا حصر لها استعمالا حرًّا  إلاّ بواسطة القوّة التي يكبتها ونقصد العمال الذين لا سلطة لهم على شروطهم وعلى أنشطتهم ونتاجها. ومثلما كانت البرولتارية في القرن التاسع عشر وريثةً للفلسفة فقد أضحت وريثةً للفن الحديث ووريثة لأوّل نقد واع للحياة اليومية. ولا يمكنها أن تضمحلّ دون أن تحقّق في الآن نفسه الفنّ والفلسفة. ويمثل تغيير العالم وتبديل الحياة بالنسبة إليها شيئا واحدًا إنّها الشعارات التي يأخذ بعضها برقاب بعض لتصاحب اضمحلالها باعتبارها طبقة وتلاشي المجتمع الراهن باعتباره مملكة للضرورة والوصول الذي أصبح ممكنا إلى مملكة الحريّة. إنّ النقد الجذريّ والبناء الجديد الحرّ لكلّ المسالك والقيم التي يفرضها الواقع المغترب يمثلان برنامجها الأدنى وإن الإبداع الحرّ في إنشاء جميع لحظات الحياة وإحداثها هو الشعر الوحيد الذي يمكن الاعتراف به، الشعر المصنوع للجميع وبداية الحفل الثوري.ستكون الثورات البروليتارية حفلات أو لن تكون لأن الحياة  التي تبشر بها ستكون هي نفسها  مخلوقة تحت شعار الحفل. ويمثّل اللعب أقصى درجات عقلانية هذا الحفل ، ولا يمكنها أن تعترف إلا بقاعدتين هما العيش دون وقت فراغ والتمتّع دون عوائق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق