حذاء الشاعر

على شاكلة عصا المارشال وغليون تروتسكي وأذن فان خوخ وبغلة الأصفهاني وسجون أبي العلاء الثلاثة وكاميرا سامي الحاج وخاتم سليمان  ووعد بلفور…وهكذا دواليك إلى أن تضيع حياتك  سبهللا أو تفتكها منك إحدى العصابات الجوالة على طول الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط…
[ انتهى العنوان الفرعي وبإمكان النص أن يشرع في تحرير نفسه  من نفسه بنفسه ] .

أوردت وكالات الأنباء الآسيوية أن طالبا يتأهّب لاجتياز شهادة الماجستير  اعتدى على أستاذه في مادة الشّعر مستعملا في ذلك فردة حذائه اليمنى، وكتاب الشعر للفيلسوف الإغريقي أرسطو، وأظافره الطويلة العشرة، وبيضتين مسلوقتين كان قد لاحظ وجودهما في محفظة إحدى زميلاته المعروفة بكثرة إتيانها للأكل أثناء تلقي المعارف بجميع صنوفها وخصوصا منها تلك المتعلقة بعلم الجمال.
وفيما وصف عميد الكلية هذا السلوك بـ”المتهوّر” واللاّ أخلاقي”والسافل و”النثري” متّهما أولياء طلاّب آسيا كلّها بالتقصير في تربية أبنائهم حسب تعاليم كونفشيوس وبوذا، قال الأستاذ المتضرر وهو يخفي عن المصوّرين مزق قميصه وبنطاله:
-“لم أكن أتصور أن يبلغ حبّ الشعر بهذا الطالب حدّ تعنيفي جهارا أمام الله والطلبة.
وأضاف وكأنه يلوم نفسه:
-” لقد كان أكثر لياقة بي أن لا أستعمل أي نعت شائن بخصوص أي شاعر أدرّسه.. وأن ألتزم الموضوعية، والحياد، والبرودة العلمية المنصوح بها في حرفة التدريس.. وإن كنت لا أرى لها فضلا على مقاربة الشعر وفهم الشعراء”.
والجدير بالذكر أن الشاعر الآسيوي، موضوع الدّرس ودافع الحادثة، كان قد تحصّل على جائزة نوبل للآداب في النصف الأوّل من القرن العشرين، بتنويه خاص من الأكاديمية السويدية، الكائنة قرب بار صغير من خشب الصنوبر، كان الكاتب الايرلندي الشهير جيمس جويس قد اختفى بين قواريره وحسانه، تاركا للجنة الجائزة ولشرطة مملكة السويد حريّة البحث عنه في جميع خمّارات ستوكهولم لتسليمه هو الآخر جائزة السيد ألفريد نوبل: مخترع الديناميت.
وواصلت وكالات الأنباء تحليلها للخبر:
– لقد فقد التلميذ المعتدي السيطرة – كليّا- على أعصابه عندما أعاد الأستاذ التأكيد على أن هذا الشاعر “محدث” و”تافه” و”ابن عاهرة معروفة بكثرة اصطيادها للبيض من الرجال في أسواق آسيا الصفراء”.
وزاد الأستاذ فبصق على ما تصوّره وجع الشاعر، فإذا بالبصقة تخطئ هدفها (مثلما تخطئ المناهج النقدية القصائد الشعرية) وتقع على خدّ طالبة جميلة كانت جالسة قبالته في الصفّ الأوّل تبيّن، عند التحقيق معها، إنّها ابنة وزير الفلاحة والصيد البحري.
وأضافت الأنباء:
– إن الشاعر، موضوع الحادثة قد تعهّد – بعد أن بلغه انتصار الطالب له- بمداواة الأستاذ المتضرر على حسابه الخاص في إحدى مصحّات الإمبراطورية الانجليزية، كما تعهّد بتدريس الأستاذ بعض بداهات عالمه الشعري مقابل أن يعترف هذا الأخير بإطلاق جهله للشعر والحياة والوجود وبفضل الشعر والشعراء على نوعية حياته الباذخة.. هكذا دون أيّة فضيلة أو كرامة أو عبقرية!!
وقد شاء الشاعر أن يوضّح للأستاذ أن أمّه لم تكن عاهرة بل قضّت كامل حياتها تستسقي سماء عبوسا لا رحمة فيها، وتوفر له لقمة العيش حتى يتماسك ويكتب، غير أن الجنود الانجليز شرعوا في إطلاق النّار على المارّة الذين شوّشوا عليهم فرحتهم بعيد ميلاد السيد المسيح.
لم توضّح وكالات الأنباء المصير الذي آل إليه الطّالب بعد اعتدائه بالعنف السافر على الأستاذ.
وبكثير من الحذر أوردت ثلاثة احتمالات قالت إنها “مجرد احتمالات”…
أمّا الاحتمال الأوّل فهو أن الطالب تم طرده من دراسة مادة الشعر.
وأمّا الثاني فهو أن الطالب تمّ طرده من دراسة اللّغة.
وأمّا الثالث فهو أن الطالب تمّ طرده من بيته ومن قريته ومن بلاده التي تمّ – بسرعة عجيبة- إثبات أنّها ليست بلاده.
عند هذا الحدّ من هذه الحكاية المشوقة التي حدثت وقائعها في النصف الأول من القرن العشرين، طلب مدير وكالة أنباء آسيا الكلمة فأسندت له على الفور، قال:
– إن هذه الحكاية قد تمّ إخفاء تفاصيلها في رفوف الجامعة لمدة تقارب الخمسين عاما، وإنه لشرف لإعلام آسيا أن يقع مسح الغبار عنها من  قبل ابن  الطالب المعتدى الذي تمكن البارحة من الإحراز على شهادة الماجستير وهو يناقش السؤال المتعلق بجدّه:
– لماذا يجد الطالب نفسه مجبرا على ضرب أستاذه؟
دون أن يتجاوز أخلاقيات البحث الأكاديمي ويطرح السؤال الآخر الأكثر دسا و ملاءمة وشؤما:
– لماذا لا يضرب الطالب أستاذه؟!!
ولعل إحجامه عن طرح مثل هذا السؤال الاستطرادي هو الذي كان وراء تنويه اللجنة بفكره الجمهوري وبازدرائه للمقاربات القبلية لمشاكل العصر.
ملاحظة:
إن أي تماس بين هذا النص وبين الشريط السينمائي، حلقة الشعراء المفقودين، هو من باب الصدفة أو من شباك القصد، ولعله من كوة العراء أو من عدسة الأساليب المرحة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق