ماي/أيار 1968 بعد أربعين عامًا( 8) عندما هبت رياح أيار 68 على شرق المتوسط

يتحدث الكثيرون منذ سقوط جدار برلين عن عودة الحدث في التاريخ بعد أن أهمل في سياق النظريات البنيويّة الكبرى التي انحازت إلى التأليف الشمولي .ولقد بينت الوقائع اليوم أن الحدث لم يغادرنا لذلك نشهد موجة العودة إليه لا عودة الحدث .

ينطبق الأمر على حدث ماي 68 الذي ”يزوره” البعض من أجل الذكرى والمناسبة مشدوها متباكيا أو ممجدا ، وهو ليس مسعانا هنا .

كانت سنة 68- وبالأخص ربيعها- سنة مد ثوري في أغلب أنحاء العالم حتّى وسمها المؤرخون بعام ”الحصاد ” الثوري. فقد لاحت بشائر الانتصارات الفيتنامية ونضالات أحفاد ”غرامشي” في الجامعات الايطالية وإضرابات عمال “فيات” في تورينو المحاكية لإضرابات عمّال ” رينو” بفرنسا وسار ثوريو أمريكا اللاتينية في نفس الاتجاه بعد نوع من الشعور بالذنب والثأر لاغتيال شي غيفارا بين ظهرانيهم فتمرد الطلبة البوليفيون والشيليون والمكسيكيون وتعمّمت التحركات العمالية في الأرجنتين واهتزت الأوضاع شرق جدار برلين في بولونيا ويوغسلافيا وخاصة في براغ حيث اشتد السخط على دهاقنة الاستبداد ” الاشتراكي ” في تشيكوسلوفاكيا .

إلاّ أنّ الذاكرة العالمية اختزلت ذلك الزخم الثوري العميم في أحداث ماي بفرنسا بسبب خطورة الوقائع التي غيرت وضع الجامعة والشارع والمصنع والمؤسسة وخلّفت شللا سياسيا بل أحدثت رجّة مزلزلة في تاريخ الفلسفة والفكر الإنساني .
فقد شهد ماي 68 ميلاد حركة مد ثوري شبابي ممزوج بسخط عمّالي ضد الاغتراب والاستلاب والمؤسسات المحنطة وقد اختلطت فيه الرغبة في تهديم الرموز القديمة برغبة الحرية المتمردة على المألوف المضجر.ولم تكن الحركة سوى تعبير ثوري خامد توثب للعودة من جديد وكانت فرنسا بلد ثورة الباستي والكومونة معقله مجددا.

ولابد من التشديد على أن هبّة ماي 68 تجاوزت حدود فرنسا فقد كانت حركة ثورية ممتدّة وعارمة حفّزّت الشبيبة التحررية في العالم وألهمتها بل حوّلت بعض القانعين إلى مقدامين شجعان واستفزّت مستهلكي العقائد الجاهزة والجامدة فزجّت بهم في يم التفكير العقلاني وتجاوز الوصايا الأبدية للمعلّم الملهم والزعيم الصالح والقدّيس المعصوم .

كان منعطف 68 ماي مصيريا في تاريخ الفكر والفلسفة والفن أثّر تأثيرا فارقا في أداء النخبة الفكرية ولقد أسهم العرب في الحدث مباشرة في الجامعات الفرنسية والبلجيكية عن طريق شبيبتهم الطالبية كما تأثّرت النخبة العربية بنسائم ماي ممّا جعلها تسهم في توسيع مدى الحدث بشكل غير مباشر.

إذ جاءت أحداث 68بعد نكسة عنيفة للعرب وللفكر القومي المنمذج في قالب سلطة مستبدة ممركزة لم تقم وزنا للحرية وللديمقراطية فكبّلت الشعوب والجيوش والعقول وهزمتهم قبل أن تبدأ الحرب. فبحث لفيف هام من النخبة العربية عن”النهوض” و”التجاوز” ولاح للعديد منذ حزيران(جوان) 67 أن جذر العطل يكمن في الذهنيات والعقول التي لم تستكمل تحررها من طاغوت البناء البطريركي العربي العتيق. لذلك غرست نسائم ماي في تلك النخب قيما جديدة –قديمة أُهْمِلت في سياق التحريض القومي فعاد الحديث عن تحرير العقل والمرأة والجسد والاستنجاد بالعقل للتحرر من اللاهوت والكهنوت.

وما تزال تأثيرات حدث 68 فعّالة في شرق المتوسط وإن خَفَتَ بريقها ووهْجها نسبيا ولقد أسهمت الشبيبة العربية في حدث ماي بشكل مباشر وتأثرت النخبة و الجماعات النابهة في أغلب البلاد العربية بهذا الحدث المفصلي ونحاول في هذه الخطاطة التمهيد لاستجلاء الأمر في انتظار مزيد من التعميق و الحفر المعرفي.

{{ماي قبل ماي:}}

انطلق أيار العرب قبل ماي الفرنسيين فلاحت التململات التحررية في ظفار والمغرب ومصر ولبنان وتونس وخرجت النخب الفلسطينية من ثوب التبعية القومية المنمّطة وعبّرت عن ذاتيتها بتكوين المكاتب واللجان في عدة عواصم عالمية ففي تونس مثلا قام الطلبة بدفع من منظمة ” برسبكتيف” – آفاق بتحركات في جانفي 68 وأخرى في مارس التحم فيها الطلبة مع التلاميذ بعد أن اكتسبوا تعاطف الأساتذة وكانت النتيجة سلسلة من الإيقافات والمحاكمات (محاكمة 83 شخصا بمجموع أحكام تجاوزت 150 سنة) وقد تدخل في آخر شهر مارس آلان جسمار Alain Geismar لفائدة الموقوفين فكان تدخله دليلا عند السلطات فيما بعد على ترابط أحداث مارس التونسية بأحداث ماي الفرنسية فقد جاء في الكتاب الأبيض الذي نشره في أوت 1968 الحزب الحاكم في تونس ”الحزب الاشتراكي الدستوري” آنذاك ما يلي:
” وقد كشفت تنقّل آلان جسمار إلى تونس في مارس الماضي والاتصالات التي أجراها مع عناصر من تلك الفئة عن قوّة الروابط التي تشدّهم إلى مثيري الموجة التمردية التي اجتاحت فرنسا بعد مضي أسابيع”. لن نقف كثيرا عند فحوى التهم وسياقاتها ونكتفي بتبني جملة واحدة من هذا الشاهد: قوة الروابط التي تشدهم إلى مثيري الموجة التمردية ، فعلا لقد كانت هذه الروابط مباشرة بين متمردي ماي 68 وبين الشبيبة التحررية في تونس والمغرب ولبنان .

{{”الماييون” العرب:}}

نلتمس العذر من أحفاد عشيرة ”المايين” في الجزيرة العربية على هذه الاستعارة إذ أني لم أجد نعتا أفضل من ” المايين” للحديث عن المثقفين العرب الذين أسهموا مباشرة في أحداث ماي سواء بتنظيراتهم وكتاباتهم التي أسهمت في تحفيز الأجواء الثورية وروح التمرد في صفوف الطلبة والشباب والمهمشين و نذكّر في هذا الصدد خاصة بإسهام مصطفى الخياطي الذي حبّر مخطوطة (أصبحت من أشهر الكتب فيما بعد) سنة 1966 بسترازبورغ حول البؤس في الوسط الطالبي وكانت بمثابة البيان التحريضي في صفوف الطلبة سنتي 67 و 68 وقد حفّزت الشبيبة بفرنسا على التمرد ضدّ الرموز القديمة.لابد من التأكيد أيضا على الإسهامات البارزة لبعض الوجوه العربية التقدمية المقيمة بفرنسا وبلجيكيا وانجلترا والولايات المتحدة في التمهيد الفلسفي لحركة ماي 68 .

وكانت إسهامات ” المايين” العرب ملموسة في الميدان ففي نانتار والسربون وفانسان شاركت الشبيبة الطالبية العربية بحماسة في إقامة المتاريس ورفع الشعارات وتنشيط المجالس وبلغ الأمر شوطا أعمق عند الطلاب العرب بمدينة سترازبورغ الذين كانوا من ضمن النواة الصلبة للانتفاضة وهو ما جلب للبعض منهم الطرد من التراب الفرنسي وهي حالة المؤرخ التونسي البشير التليلي مثلا.

وقام ” الماييون” العرب بدور هام بقرونوبل وآكس ونيس في عملية لجان التنشيط الإضرابي العمّالي وعمليات السيطرة على المصانع وساعدهم في ذلك وجود يد عاملة عربية مهاجرة في تلك الأنحاء وقد تولد من هذا التقارب الطالبي – العمالي العربي بفرنسا بروز بعض التنظيمات العمّالية التقدمية التي نقلت نشاطها من المهجر إلى شرق المتوسط وهي حالة ” العامل التونسي” التي برزت كنشرية ثقافية ثم تحولت إلى تنظيم في صفوف العمال المهاجرين بجهة قرونوبل سنة 1969 بعد التحامهم بالتحركات الطالبية سنة68.

وقد تشكّل في غمار أحداث ماي بصفة تلقائية وغير منظمة ولا مهيكلة تيار” المايين العرب” وهو عبارة عن مسلك نخبوي شبابي متحمس للقضايا العالمية والعربية في آن وواصل المتأثرون بهذا التيار نشاطهم في أوروبا سواء في جامعاتها وجمعياتها أو منتدياتها أو منظماتها الثقافية واختار البعض الآخر ” العودة” في محاولة لتسريب الإرث ” المايي ” في الساحة العربية التي كانت بطبعها قابلة لمزيد من الغليان وعلى كل حال فقد هبت نسائم ”ماي68” على الضفاف الشرقية للمتوسط عبر الأفكار قبل الأنفار.

{{بعيد ماي68 : البلاد العربية بالأحمر والأسود}}

لم ينفع السدّ المانع للرشف ” الفكري” الذي أقامته أغلب الحكومات بعد أحداث 68 لوقاية الحدود العربية من الأفكار ”الشيطانية” و” الهدّامة” فقد انتشرت أفكار التمرد والاستحثاث الثوري وأصبحت الجامعات والكليات في البلاد العربية أكثر من ذي قبل مرتعا لحلقات النقاش والتأطير والتحريض والتسيير الذاتي .وتفطّن ” النابهون” إلى إمكانية الالتحام الفعلي مع ”الغلابة” و”الفقراء” و”الشغالين” و”المهمشين”إذ بينت أحداث ماي أنّ الأمر ليس حلما نظريّا بل في حكم الممكن وراحت التنظيمات ”الجديدة” في مصر ولبنان وتونس والمغرب والأردن تمارس هذا ” التجريب” الثوري .
وسارت الأمور بسرعة غير منتظرة وأصبحت ”ظفار” سنة 69 قبلة للثوريين المتطوعين العرب و”مختبرا ” لتطبيق التنظيرات الغيفارية في حرب العصابات الثورية والتحقت بالجبهة نساء حتى من الخليج منهن من امتشقت البندقية ولم تكتف بدور الممرضة أو ملهمة الرومنسية الثورية.

وتكرّست في صفوف الشبيبة النابهة أفكار التحرر بكل أشكاله فراجت أفكار إسقاط الأصنام السياسية والدينية ووقعت إباحة نقد السماء تماما مثل نقد الأرض ونظّر بل مارس بعض الشباب المثقف عملية التحرير الجنسي وتجاوز رباط الزواج ”المقدس” إلى رباط حر وامتدت روح التمرد باتجاه المسرح والشعر والفن واللغة والأدب اكتشفت الشبيبة نيرودا واليوار وحكمت وأراغون وكان أحمد فؤاد نجم ينظم والشيخ إمام يولول على ” البقرة ” التي سقطت مستحثا أبناءها للتيقظ من نوم الغفلة الذي طال . لم تنفع وصفة ”شيخ الطريقة” ولا وعظ ”المرشدين” لقد أبيح التمرد على رموز المشهد القديم ” الست” و”كلبها” و”الكتكوت” و”مقهى ريش” بمثقفه الانضباطي الهائم في ” الفيش” . لقد وقع التمرد على كل أشكال الصنمية في محاولة لتجاوز ثبات الرواسي.

تنوعت من 68 إلى 75 تقريبا التشكيلات والتنظيمات السياسية والفكرية وتلونت بطيف من الألوان طغى عليها الأحمر والأسود راجت تأثيرات التروتسكية والماوية والمجالسية والفوضوية وهناك حتى من اختار ”الهامشية ” مسلكا. كانت جماعات صغيرة العدد كبيرة الحلم وقد استفادت منها مجتمعات شرق المتوسط عملت على زرع لقاح الحداثة والاستنارة والحرية ولم تطمس واجبها تجاه فلسطين وما سمي ”بالقضايا القومية ” التي هي قضايا إنسانية قبل كل شيء. لم يرتكب أتباع ” ماي” تفجيرات في ”رياض الأطفال” بل حاولوا القيام بها في عقول ”الأغفال”. ولئن لم يحالفهم النجاح غالبا فلهم شرف المحاولة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This