قالت لي :أخيراً اكتشفت نفسي…؟؟ أنني غنمة!! (مأساة واقعية لفتاة جامعية في الأزمة المرورية بدمشق)

روت قصتها بحرقة:

قالت:

جيل الشباب في عصرنا الحالي يعاني كثيراً،رغم تفوقه على الجيل الذي سبقه من الناحية العلمية، لكن ربما ازدحام المواهب جعل فرصة اكتشاف كلِّ موهبةٍ على حدة أمراً ليس باليسير ،لذا تجد الشاب أو الفتاة يبذلان جهداً كبيراً لاكتشاف ذواتهم ومعرفتها على الوجه الصحيح، أما أنا كشابة في مقتبل العمر وربيعه، أقولها بكل غرور،لقد اكتشفت نفسي في أول يوم خرجت فيه قدماي من المنزل إلى ضوضاء العاصمة ،هل تريدون أن تعرفوا أين اكتشفتها؟

بالتأكيد سأخبركم، لأني أعلم أنكم تودون معرفة هذه الوصفة السحرية، لتسيروا على نهجي ولا تضيعوا طاقاتكم بالبحث.

مهلاً!!أرجوكم لا تستعجلوا…!!سأحكي لكم الحكاية :

كان يـــــــاماكان في قديم الزمان كان هناك أنا، استيقظت صباحاً وكلِّي تفاؤل وغبطة، تتراقص عيناي في غمرة السعادة، هذا أول يوم لي في الجامعة، أخيراً زال كابوس البكالوريا، سأعيش حلمي الذي بذلت له قدراتي ،واحترق دمي، وتذوقت السمَّ الزُعاف بكل خلطاته حتى حققته.

ارتديت ملابسي الجديدة، يراودني شعور وأنا أتهيأ للخروج وكأنَّي أتهيأ لاستقبال ضيوف العيد ،شعور ٌدافئٌ لا يوصف .حملت كتبي الجديدة،وضعت أقلامي في حقيبتي الجميلة.وكلِّي فخرٌ أنها ستكون أجمل حقيبةٍ بين حقائب زميلاتي، ارتديتُ حذائي ،مسحت عنه حتى الذرات الصغيرة جداً من الغبار والتي لا تكاد ترى بالعين المجردة.

آآه ه صوت فيروز…يدخل الحياة إلى كل خلية في جسمي يتسلق خصلات شعري، حتى يصل إلى الجذور،فلا أشعر إلا والموسيقا العذبة تتحول إلى نسائم ربيعية عليلة تداعب شعري وترغمه على الطيران وكأنّ النغمات في لحظتها تحولت إلى نسمات .

يالك من جوهرة ٍفريدة..أحبك كثيراً يا فيروزتي، ويصعب علي أن أطفئ المذياع ولكن عليَّ أن أخرج باكراً لألحق السرفيس،أطفأت المذياع وقدمت لفيروز الكثير من الأعذار، أغلقت الباب وحاذرت أن لا يتسخ جاكيتي وأنا أنزل الدرج.

كانت قدماي تسبقان جسدي في المشي، أريد أن أصل إلى جامعتي بسرعة، انتظرت عند الموقف، مرت خمس دقائق لا بأس…ليست مشكلة،ربع ساعة …ليست مشكلة، سأحاول أن أتحدَّى كلام أمي وهو الآن يتردد على مسامعي (هاد الجيل صبره قليل وما بيتحمل الانتظار)، سأتحداك يا أمي وأنتظر وأصبر، الذي صبر على البكالوريا وهمها ممكن أن يتحمل كل مصاعب الحياة، انتظرت..نصف ساعة…مضت…..

سأصبر يا أمي..وأريكِِ كم أنا جلدة وصبورة، ثلاثة أرباع الساعة مضت….والسرفيس ما جاء يا أمي….أمي المحاضرة راحت…يا ويلي …ربع ساعة ويدخل الدكتور إلى المدرج، ويمنعني من الدخول…أمي مشان الله…ولي..راحت المحاضرة!! خمس دقائق..طاخ ..دم..زمور..ياويـــــــــــــل

صحيح أن السرفيس وصل، ولكنه جلب معه الغبرة من كل حارةٍ من حواري الشام، ليست مشكلة، أغلب الظن أن جاكيتي يظل أنظف من الشارع في هذه اللحظة، ركبت السرفيس، رغم أنَّه تأخر لكن لا زالت نشوة أول يوم دوام تسمح لما تبقى من دمي بالسريان في عروقي، ولا زلت متفائلة، لكن ليتني لم أدخله، أصعب شيء على المرء أن يتلقى لكماتٍ متوالية على وجهه دون فرصة تنفس ، بدأت أقفز في تلك المسافات الضيقة بينما السرفيس يستعدّ للحظة الانطلاق ويتماوج وكأنه على سطح البحر،وخمٌ شديد ،درجة حرارةٍ عالية،روائح فظيعة، بدأت أتقلب بين المواضع،وليتني وجدت كرسياً، في تلك الثواني المعدودة راودتني مئات الأفكار،عدت بذاكرتي إلى الوراء قليلاً ،نعم تذكرت منظر السائق وهو يشترط عليَّ بيده بحركة النَّواس المرن ،ووافقته دون أن أفهم قصده،في هذه اللحيظات القليلة أشار لي رجلٌ بشوارب مفتولة أن اجلسي على الجنب وليس على الكرسي ،أنت من وافقت على الجلوس بهذه الطريقة،صار يصيح(إي اقعدي ..بقا خلصينا..لعما شوهاد)، طبعاً لم أكن أعي بالضبط ما يحدث معي ، حاولت أن أطبق الإرشادات التي توجه لي بحذافيرها ،صحيحٌ أنَّ الطريقة التي كلمني بها كانت بعيدةً كل البعد عن الذوق والأدب ، حتى شعرت كأنَّ كتلةً لحميةً انخلعت من قلبي، ربما انجرحت أحاسيسي دون أن أشعر.

ثم ما لبثتُ أن وجدتُ بللاً في الزاوية اليسرى من عيني اليمنى، اكتشفتُ متأخراً أنَّ دمعةًً نزلت دون إذنٍ مني،

بصراحة ما اعتدت أن يكلمني أحدٌ بهذه الطريقة…..ولكن…

سأتحداك يا أمي وأصبر،ما حجم هذه المقولة الجارحة أمام مصاعب الحياة بالتأكيد…لا شيء، قبل أن أجلس ،مشى السرفيس ، وإذا بدماغي تخبط وبعنف ٍ غير معقول دماغ الرجل ذي الشوارب المفتولة ،وعندما شحط السرفيس مرةً أخرى وجدت نفسي جالسةً في حضن رجلٍ يناهز الثمانين من عمره ،مسكينٌ أنت ياعمو،لا تكفيك عظامك وعكازتك الذين تجرهما وراءك ،جئتُ وزدتُّ الطين بلةً لأكسر لك ما بقي من عظام،والله ياعمو أنا آسفة،ما عرفت أنّ هذا سيحصل.

لا بأس يا أمي..سأتحمل، وستكونين فخورةً بقدراتي، صحيح أن الإهانة التي تذوقتها في اللحظات الأولى من ركوبي امتصت الكم الأكبر من نشوة لقائي مع جامعتي، لا بأس نحن شباب كلنا قوة ونشاط، مشى السرفيس… وبدأ الأمن والاستقرار يستتبُّ من جديد في شراييني ،نظرت إلى الساعة وإذا بها الثامنة تماماً ،ضاق صدري قليلاً ودعوت بيني وبين نفسي أن يسمح لي الدكتور بالدخول ،سمعت من الوراء صوتاً ينادي (على اليمين لو سمحت)ولكن السائق لم يقف ، ربما لم يسمع ،أوعلَّه مثّل دور من لا يسمع،سار بعد النداء ما لا يقل عن ثلاثين متر،سمعت من الخلف ومن نفس المصدر دويَّاً هائلاً (لك ما سمعت ،ما قلنالك على اليمين،لك لعما ليش أطرش!!ولي عليكون شو ما بتفهموا) ما كادت الجملة تنتهي حتى بدأت الشتائم تتقاذف بسرعة صواريخ الكاتيوشا، عمَّت الفوضى في السرفيس الضيق، وأصبحت أشعر شيئاً فشيئاًً وأنا جالسة على الحافة بمشاعر غريبة،كان يراودني شعورٌ لا يمكن أن أصفه بدقة ،لا أعلم لمَ لم أعد قادرةً على الكلا م..ربما نعم….وربما لا…أغلب الظن أنه انتابني شعورٌ بفقدان تدريجي بإنسانيتي ، هل يعقل أن أتحول إلى كائنٍ آخر في هذه الفترة القصيرة،الله سبحانه وتعالى أعلم وهو الخالق الأعظم ،ومن خلق من العدم قادر أن يحولني إلى كائنٍ آخر ،إذن الموضوع في السنن الكونية ليس بالمستحيل.

بعد سلسلة الشجارات العنيفة، خيَّم الهدوء لمدة خمس دقائق ،مع أنَّ الشتائم والفوضى والدخان أفقدتني صوابي،لكنِّي قبل أن أصل إلى درجة الصفر ،استجمعتُ قوايَ من جديد

حاولت أن أتهيأ لقرب نزولي من السرفيس، لأنَّ الجامعة اقتربت، ناديت بكل ما أُوتيت من قوة(نزِّلني على اليمين)…عشرون مترا…طـــــاخ.. طيــــــخ …دم..شــــــــــحطة،الحمد لله ما صار معي شي هاي المرة، فتحت الباب لأنزل من السرفيس ،أنزلت قدمي اليمنى بسلام، غير أن السائق لسوء طالعي أو ربما لإهماله ،أو حتى لاستهتاره بأرواح الناس ،ربما غضباً على كل الظروف القاسية التي يحياها،والتي باتت تتحول إلى حقدٍ على المحيط ،نعم..مشى السائق قبل أن أنزل قدمي اليسرى، وبصعوبة فككتها عن الباب وسحبتها، فارتدَّيتُ لحظي العثر إلى الوراء ، ولشدة القوة التي أرجعت بها نفسي ، سقطت سقطًةًً مؤلمةً على ظهري ،عطلت مراكز الإحساس في جسمي،نفضت ما تمكنت من تنفيضه من الغبار عن ثيابي.

رغم كل ما حصل حاولت أن أحافظ على ما أبقته الأحداث لي من قوة ، بذلتُ جهداً لم آلفه ،لأتمكن من الوقوف والمشي إلى المدرج، ترددت في الدخول بثيابي المتسخة وسحنتي الصفراء الفاقعة من شدة الخوف والألم ،اللذين تذوقتهما خلال رحلتي الكئيبة .

لكن…!!شعورٌ غريبٌ يراودني ،وأنا أتهيأ للدخول ،لا أعرف بتُّ أشعور أنِّي أتحول إلى كائنٍ آخر، تتالت مشاهد الفيلم الذي عشت أحداثه في السرفيس ،وبدأت تتراءى أمام ناظري ،صار عندي حينها تمازج غريبٌ إلى حد فقدان القدرة على التمييز بين مشهدين:مع الركاب في السرفيس في صباحي النحس ومشهد قطيع الأغنام في مقطورة الشاحنة مصفوفةً فوق بعضها البعض بشكلٍفوضوي،مصدرةً أصوات الماع والميع.

أصبح الصوف ينمو على كفَّيَّ تدريجياً ، شعرت كأنَّ أذنيّ تطولان ،وفكّي يتقدم إلى الأمام رغماً عنِّي،حتى حبالي الصوتية،شعرت كأنّ صناديق مليئة بحرف العين تُرمى بوحشية في حنجرتي،تجاهلت الموضوع برُمَّته،ولم أُلقِه اهتماماً ،فتحت باب المدرج….دخلت …وإذا بأستاذ المادة يصرخ في وجهي ،كان صوت صراخه يشبه إلى حدٍّ بعيد صراخ الرجل ذي الشوارب المفتولة،صار يقذفني بكلام مؤلم)أنتم لم ولن تكونوا بشراً في حياتكم…أنتم ما تستحقون أصلاً أن تدخلوا الجامعة،أنتم ….أنتم….ناس مخالفين للنظام أنتم…..أنتم)، صدقيني يا أمي مع ذلك تحملت لأثبت أن جيلنا صبور ٌ وجلِد ولم أقدم له عذري ،لكن في تلك اللحظات لم أتمكن يا أمي أن أحافظ على ما تبقى من نشوة سعادة اليوم الأول مع الجامعة،أنا آسفة يا أمي ،لأنَّ ما لقيته كان يفوق قدرتي على التحمُّل،ولم أجد نفسي سوى في هزيمةٍ مع حبالي الصوتيَّة،التي بدأت تهتزّ ُبشكلٍ غريبٍ ،موافقةً على ما قاله الأستاذ:(ربما أنا حقاً أستحق الإهانة)

لأنِّي اكتشفت نفسي أنِّي حقاً لست بشراً، وقلت موافقة له على

ما قال: …..صرخت بكل حزنٍ مـــــــــــــــــاع….مــــــــــــــــــاع….مـــــــــــاع

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This