ماي/أيار 1968 بعد أربعين عامًا(12): دروس ثورة أيار 1968 في فرنسا

لقد أفصح الحراك السياسي(الطلابي، العمالي، الفلاحي….الخ)في فرنسا أيار 1968 عن ثلاثة مؤشرات:
1.تناسل أعراض النظام الرأسمالي التي لا تكفّ عن الظهور الدوري،رغم سعيه لإخفائها حيث الانكشاف المستمر لزيف ادعاءاته في منطقه وواقعه،بأنه حامل لواء العدالة وتأمين الحياة الحرة الكريمة للناس.
 فما شهدته الساحة الفرنسية حينئذ ٍ، جاء في سياق أزمات هذاالنظام، والطرق المأزومة لحلها، والدمار والخراب الذي ألحقه في أوقات السلم والحرب، بالناس وثرواتهم ومقدراتهم ومقومات وجودهم،لاسيما إبان القرن العشرين في الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وأزمة 1929 وصولا ً إلى ثورة ايار 1968.
2.لم يفلح في نهاية المطاف النهجان البيروقراطيان(الرأسمالي،والستاليني)في إخماد الثورات وتدجين الأنشطة والحراك السياسي الجماهيري، وحصر خيار التغيير السياسي والتحولات الاجتماعية ضمن سياق منظورهما، في القمع والتحالفات السياسية والآليات السلمية لتداول السلطة في الصراع الطبقي السياسي السلمي والتي تضمن ديمومة سيطرة الطبقة السياسية الحاكمة، مسنودة بدعم قيادات القوى السياسية التي تنتهز أو تخون مصالح الطبقات الكادحة صاحبة المصلحة الحقيقية في النضال والتغيير.
3.إعادة إحياء المعاني والقيم الثورية على الساحة الفرنسية التي أطلقتها ثورتها الكبرى في 1789وذلك على خلفية الإمكانيات الثورية المتراكمة تاريخيا ً التي كنست استبداد ملكيات وكهنوت القرون الوسطى، فأسست لإقلاع ثوري تاريخي شهدته أوربا على مدار القرنين الثامن عشر والتاسع عشر،حيث إرهاصات التغيير طفت على سطح الظواهر الاجتماعية (اقتصاديا،وسياسيا ً،وعلميا ً،وتقنيا ًوعلى صعيد القوانين والدساتير والحريات وحقوق الإنسان ومختلف جوانب تنظيم شؤون السلوك البشري).
 ويبدو أنه كان لزاما ً على الثورة الفرنسية(الثانية، الطلابية والعمالية والفلاحية) في أيار 1968أن تواجه بما هي تحدّ صارم لما هو سائد، القوى الاجتماعية والسياسية التي تتعارض مصالحها وتتناقض مع ما تنشده هذه الثورة، على صعيد قضيتها الأم(العدالة الاجتماعية) التي تتمفصل مع مدخلات ومخرجات القضايا المصيرية الأخرى في الحقوق والحريات:
•السلطات الفرنسية، بالأصالة عن نفسها، وبالوكالة عن النظام الرأسمالي العالمي الذي لن يروق له هذا الانفجار الجماهيري كطريق للتعبير عن خيار التغيير والإصلاح، وهو الذي أنجز الاستقرار الاجتماعي والسياسي على قاعدة الإمكانيات الاقتصادية التي وفرها جراء النهب الجائر للمستعمرات،ما مكنه من رشوة كادحي ساحاته(عبر الأجور الاجتماعية المجدية والضمانات المختلفة) وتثبيط هممهم النضالية ،وإخماد نضالات هذه الساحات، وعزلها عن أن تكون سندا ً أمميا ًلنضالات شعوب المستعمرات(حيث الأجور الزهيدة ، والفقر والجوع والجهل والمرض)،وكل ذلك أتاح للنظام الرأسمالي العالمي هامشا ًأوسع للمناورة السياسية،والقدرة على تفعيل آليات تداول السلطة والشراكة السياسية،وإجراء الإصلاحات المطلوبة، كل حين بالطرق السلمية.
•سلطات التجربة الاشتراكية في العالم بقيادةالإتحادالسوفييتي،(الستالينية) التي لن تألف أية خيارات ثورية بشكل عامّ لأن ذلك يشكل موضوعا ثوريا ً ًيعيد إحياء آليات ومنهج فكر وعلم الثورات بتوليفته الماركسية اللينينية،وحزمها المعرفي، ومنطقها الأصيل الصارم، وعفة وطهارة دلالاتها وحساسيتها اتجاه عملية توزيع الثروة الاجتماعية(فضل القيمة والأجور والأسعار والأرباح)،وحساباتها العلمية الدقيقة،ومبرراتها المنطقية والفلسفية ،وصولا ًإلى النضالات الثورية في الفكر والممارسة، والنظرية والتنظيم، التي تجعل من تغيير النظام واستلام السلطة هدفا ً لها وهذا بالطبع يتناقض مع الفئة البيروقراطية الستالينية الحاكمة التي تشكلت على قاعدة استئثارها بقرار قيادة المجتمع والدولة وكل مفاصل الثروة والنفوذ،وبات الخروج عن هذا المألوف ضربا ً من ضروب الهرطقة والكفر والردة  سيتكفل بتطبيق حدوده كل من تربطه تحالفات مع الحزب الشيوعي السوفييتي على الساحات كافة، ومن هنا نجد كيف أن الحزب الشيوعي الفرنسي أدار إجراءات انفتاحه على هذه الثورة(أيار1968) بما يجعل منعكسها تحقيق مطالب في إطار استقرار النظام الرأسمالي الفرنسي، وحسب،وهذا ينسجم مع سياق المدرستين السوفييتية،والرأسمالية في تعايشهما السلمي على وسادة الحرب الباردة، وثمة بلدان عديدة تدخل فيها الأحزاب الشيوعية الستالينية،في تحالفات مع السلطات الحاكمة،وأحزابها،فيما تنشط أحزاب معارضة شيوعية أخرى بنفس البلدان وتتعرض للقمع ،في مفارقة لا يشكل موقف الحزب الشيوعي الفرنسي(الانتهازي) من ثورة أيار1968 خروجا َ عن سياقها

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This